
الأتمتة هي توظيف التكنلوجية لتنفيذ المهام بدقة وسرعة فائقة دون تدخل البشر في تحويل الإجراءات اليدوية إلى أنظمة الكرتونية ، وبالضرورة أن تقترن بالأخلاقيات المبادئ والقيم التي تحدد الصح والغلط في السلوك ، الصدق والأمانة في التعامل وعدم استغلال المنصب باحترام حقوق الموظفين والعملاء والشفافية في عدم إخفاء المعلومات ( وحتما بدون هذه القيم يكون التعامل فاسد ) ، بينما الحوكمة تفعيل أطار العمل الإداري في وضع القواعد والضوابط لضمان الشفافية والمساءلة والعدالة وتعني أنجازهُ بشكل قانوني أمن تحقق الأهداف ، وتضمن المحاسبة والمراقبة ، وإن استمرار هذا المسار الرقمي يعدُ ركيزة أساسية يحتاجها العراق لتقليل الاعتماد على النفط الذي يمثل حوالي 90 % من الموازنة وتحسين بيئة ريادية لإنجاز الأعمال والاستثمار لجلب الشركات الأجنبية ، علما إن مسار الحوكمة الرقمية تعتمد التخلص من الأرشفة الورقية بيد أنه غير مستحيل حيث يطبق في مئات الدول المتقدمة في عالمنا ، في حين يتسارع فيه العالم نحو الأتمتة والذكاء الاصطناعي بوصفهما ركيزتين للاقتصاد الحديث في أدارة الدولة المؤسساتية ، نموذج هيئة الضرائب والكمارك ، ديوان الرقابة المالية ، والبنك المركزي ) .
نموذج تجربة (دبي الإماراتية - وراوندا الأفريقية ) في استخدام العولمة الرقمية في اقتصادهما !؟
دبي : المركز التجاري لدولة الأمارات حولت اقتصادها في 2013 من ميناء إلى مركز عالمي خلال 20 سنة برهانها على الأتمتة والحوكمة حيث أنجزت 99% من الخدمات الحكومية إلكترونيا رقميا فائقة الدقة والسرعة ، والنتيجة غياب الفساد وتعدد مصادر الدخل ونزول الخط البياني للريعية بالاعتماد على النفط الخام بنسبة أقل من 5% ، وتوافد المستثمرين لغياب البيروقراطية والروتين ، تباهي مدينة نيويورك .
رواندا الأفريقية : معجزة اقتصادية أفريقية تقترب بالأرقام من الصين والهند ، تنتقل من الصراع المدمر في تسعينات القرن الماضي مذابح الحرب الأهلية المدمرة ومن دولة رعوية تعتمد الزراعة اعتمدت أخيرا تجربة ملهمة في التقدم الاقتصادي وتعزيز التنمية المستدامة بشعار { البقاء للأبداع والابتكار } بسبب خوضها الاقتصاد الرقمي في استثمار ( الأتمتة والحوكمة ) حيث أوصلت البلاد لمعدل نمو اقتصادي للفرد والقومي إلى 2-7% في 2018 وتقليص الوقت من 43 يوم إلى 4 أيام فقط ، أضافة إلى زيادة فرص العمل ، تنويع الاقتصاد ، تعزيز مصادر الدخل ،وتحتل راوندا موقع الريادة الأفريقية أذ وفرت الأنترنيت مجانا لمنظومة المواصلات العامة والمستشفيات والمراكز التجارية والخدمية ، وعادت بناء البنى التحتية .
نحن بحاجة ماسة في خوض هذه التجربة الحداثوية في عصر العولمة الرقمية ( يعني حكومة بدون ورق ) وليكن بالتدريج والتبكير كما هو جاري اليوم في بعض أجزاء العراق في تطبيق الأتمتة في الدفع الإلكتروني ----
فوائد تطبيقات الأتمتة والحوكمة !؟
-وتلك هي خيار استراتيجي حتمي للخروج من نمط الاقتصاد الريعي.
-الحد من الفساد المالي والإداري
- تنويع مصادر الدخل
- يتابع حركة الأموال ويحمي المال العام
- أتمتة الإجراءات التي تخص البضائع في المنافذ الحدودية والكمارك والمطارات مما يساعد على منع التهريب
- في تطبيق نظام أسيكودا Asycuda في الكمارك هو توثيق البيانات بدقة عالية لمنع التلاعب الكمركي
- وفي ربط غرف السونار شبكيا نحصل على تعظيم الإيرادات لدعم الموازنة
- وأتمتة قطاع العقارات والبطاقة التموينية ونقل الملكية العقارية تضمن التوثيق ومنع التزوير والبيروقراطية
- وإدخال الكتلة النقدية في النظام المصرفي وحوكمتها في تفعيل منصات الدفع الإلكتروني Pos
- يمكن ربط حسابات الوزارات بالبنك المركزي وديوان الرقابة المالية لكشف عملية غسيل الأموال وبهذا يمكن تتبع حركة الدينار والدولار معا
- تسريع الإجراءات بتجاوز البيروقراطية وجذب الاستثمار وبناء ثقته
- زيادة الإيرادات الغير نفطية في شفافية البيانات وإصلاح القطاع العام بوجود الركيزتين الأساسيتين " وزارة التخطيط والبنك المركزي .
- مكافحة غسيل الأموال برط العراق بالنظام المالي العالمي
للتنمية الاقتصادية أهمية بالغة في النهضة التنموية المستدامة بل هي الأساس المحوري الحاسم في بناء الدولة المدنية الديمقراطية وكلي اعتقاد بأن هناك ترابط مشيمي بين الديمقراطية والتنمية الاقتصادية ، كما يبدو لنا نموذجها المتكامل في دول الغرب الأوربي بسبب ممارستها الديمقراطية منذ قرن من الزمن متزامنة مع الثورة الصناعية ، ونراها مغيبة في العراق لكونها حديثة على الديمقراطية ، إضافة إلى أن هناك تحديات تعصف بالاقتصاد العراقي التي يستوجب علينا تطبيق { الأتمتة والحوكمة } الرقمية لألحاق العراق بالدول المتقدمة التي تطبق أليات العولمة الرقمية الخواريزمية نموذج الأمارات وراوندا !؟
تحديات أمام فرص التنمية والإصلاح !؟
1- الحالة المزرية للاقتصاد العراقي في إنه لم يتجاوز الدولة الريعية بالاعتماد على بيع النفط وتذبذب أسعار بيع النفط .تعرض العراق لهجمات إرهابية ، سيطرة الأحزاب بكتلها السياسية على واردات منافذ الحدود والمطارات ، الفساد المالي والإداري المستشري في مفاصل الدولة وخاصة في ظهور الفرية الجديدة ( المكاتب الاقتصادية ) لتلك الأحزاب
2-- صندوق النقد الدولي :IMF-International Monetray Fund ، أعلنت أكثر من مئة منظمة دولية منها (هيومن رايتس ووتش)في بيان نُشر في بداية العام الحالي : { إنهُ ينبغي أن يعيد صندوق النقد الدولي النظر في شروطه في زمن الأزمات المالية العالمية } ، ولأنها أصبحت ثقيلة على الدول النامية والفقيرة التي يصعب عليها حتى شراء لقاحات الفايروس ، ولكون شروطها لها علاقة صميمية في رسم المشهدين الاجتماعي والاقتصادي في التخفيف من مفاقمة الفقر وعدم المساواة في الحقوق الاجتماعية والاقتصادية لتلك الشعوب ومنها الشعب العراقي الذي أنا في صدد ذكر مآلاته الاجتماعية والاقتصادية في هذه المقالة ، وأذكر أن أل IMF هو أحد أشرس المؤسسات الاقتصادية على مستوى العالم الذي يتقاطع مع تطبيق السياسات اللبرالية الجديدة باستغلاله مرور الدول في أزمات اقتصادية ليقرضها أموالا للأنفاذ بشرط تطبيق إملاءات صندوق النقد الدولي المجحفة والمتعسفة ، ولكن مع هذا وذاك يمكن اعتبار صندوق النقد الدولي ( مسكنات آنيّة لتفاقم الأزمات ) ، وبهذه الشروط التعسفية وتداعياتها الكارثية تتقبلها الحكومات المأزومة ماليا :
- تسديد كل المستحقات المتأخرة لشركات النفط الأجنبية العاملة في العراق منذ 2016 .
- مدة القرض على مدى ثلاث سنوات .
- وتشمل شروط الإصلاحات الاقتصادية في العراق ، التي تشمل زيادة في الضرائب والرسوم الكمركية ورسوم الكهرباء والرقابة المصرفية في مكافحة الفساد الإداري والمالي وغسيل الأموال .
–وضعت الحكومة تحت ضغط من هذه الشروط التعسفية فتنحو إلى التقشف وفرض الضرائب التي تلهب الأسعار والتي تقود إلى الفوضى والإرباك المجتمعي والاقتصادي .
- خفض دعم السلع التي كانت مدعومة بنسب كبيرة والذي كان من تداعيات هذا الشرط هو التحرش بخبز المواطن فرفع الدعم عن المخابز حيث وصل إلى 100%
- زيادة أسعار الخدمات المدنية في مقدمتها المياه والكهرباء والاتصالات تمهيداُ لتحريرها بالكامل ، وبيع أصول الدولة وتطبيق برنامج الخصخصة في أغلب المجالات الخدمية كخصخصة الكهرباء والماء ومجاري الصرف الصحي .
- فرض ضريبة قيمة مضافة 15% على أسعار السلع والخدمات .
- الضغط على قانون الخدمة المدنية الذي يتم من خلاله الاستغناء عن مئات الآلاف من العاملين بالجهاز الإداري للدولة .
- تعويم العملة المحلية*: بدل أن تنصح في معالجة الأسباب التي أدت إلى حدوث العجز في الميزانية فهو يلجأ إلى أخبث الطرق الذي هو تعويم العملة المحلية ، أو معالجة الاقتصاد الأحادي الريعي المعتمد على بيع النفط بنسبة 97% ودون أن يقدم دراسة مستفيضة أو يشجع على طلب تلك الدراسات التنموية في النهوض بالقطاعات الاقتصادية كالزراعة والصناعة والسياحة ، ولم نجد خطة صادقة لدى صندوق النقد الدولي لزيادة أنتاج صادرات البلاد التي تعاني من مشاكل وأزمات مالية واقتصادية وتحسب أرادات البلاد من النقد الأجنبي ، ولم نلمس خطة في محاربة الفساد والفقر والبطالة ، ولم نسمع من أصحاب قرار الصندوق عن خطورة عدم فصل موازنة الدولة والموازنات الشخصية المصرفية في البنوك الخارجية ، ولا تطرقت إلى كوارث وألاعيب البنك المركزي في عملية " مزاد بيع العملة " المفضوحة من تحت عباءة أصحاب المصارف الأهلية وبعض من الحكومة في تبييض المليارات بشكلٍ علني وإخراج العملة الصعبة ولو على حساب غطائها النقدي لموجودات البنك المركزي .
3- الارتهان للاستيراد ، الاقتصاد الريعي ، التلاعب بمصير الاحتياط النقدي ، غياب الضوابط المركزية الضريبية والكمركية على البضائع المستوردة ، عدم خضوع المنافذ الحدودية و بعض المطارات إلى سلطة الحكومة ، قلة مساهمة القطاعين الصناعي والزراعي في عملية التنمية ، ربما تكون نسبة مساهمة الصناعة 1% والزراعة 3% ، غياب العامل الاستثماري في البلاد عموماُ ، البيروقراطية والمحسوبية والمنسوبية والفساد الإداري والمالي ، ارتفاع مؤشرات التضخم النقدي بسبب الكساد الاقتصادي والبطالة والفقر ، الإرث الثقيل من النظام البائد في أقتصاد منهك غارق في حروب عبثية ومديونيات ثقيلة للجارة الكويت مما أوقع العراق تحت البند السابع ذلك الثقب الأسود الذي أبتلع المليارات من أموال الشعب العراقي الذي لا ناقة له ولا جمل ، وغياب الولاء الوطني وتجيرهُ للولاء الكتلوي والفئوي والحزبي الذي كان ضحيته الاقتصاد العراقي الذي يشكل ديمومة من الأزمات على المواطن العراقي .
4- وصول نسبة الإغراق في نظام السوق ل 95% التي أصابت الصناعات الداخلية بالشلل التام للقطاعين الخاص والعام ، كما وأدت سياسة السوق المفتوحة إلى إغراق العراق بسلع رخيصة ومبتذلة كمالية وربما الطامة الكبرى تكون مسرطنة وملوّثة ، طالما يفتقد المستهلك ثقافة السوق وأتباعه هوساً شرائيا ، وبالتالي يطفح على السطح انخفاض النقد الأجنبي لموجودات البنك المركزي الذي يعتبر غطاء للعملة المحلية ، علما ان البلاد دولة ريعية وتبقى رهينة الريع الطبيعي ، وتختفي فيها الأنشطة الاقتصادية المساهمة في مداخيل الميزانية .
5- ظاهرة غسيل الأموال Mony Laudering الشائعة واليومية في مزاد العملة للبنك المركزي ، أن الاصطلاح عصري بديل للاقتصاد الخفي أو الاقتصاديات السوداء أو اقتصاديات الظل ، فهذه الأموال الغير مشروعة المكتسبة من الرشوة والاختلاس والغش التجاري وتزوير النقود ومكافئات أنشطة الجاسوسية والسرقة ونهب المال العام وتسهيل الدعارة وتهريب المخدرات وتهريب النفط وتهريب الآثار وتهريب الأطفال والاتجار بالأعضاء البشرية وريعية نوادي القمار وتصنيع النباتات المخدرة واختطاف واحتجاز الأشخاص ، تخلط بأموال مشروعة لخفاء مصدرها الحرام والخروج من المساءلة القانونية بعد تظليل الجهات الأمنية .
6- الاقتصاد العراقي يفتقد ( الصندوق السيادي ) وهو صندوق توفير السيولة النقدية ، وهو ليس بجديد بل تستعملهُ بعض دول الخليج مثل قطر والكويت وهذا الصندوق يمثل حاضر ومستقبل البلد .
_______________________________________________________
*تعويم النقد المحلي : هو جعل سعر الصرف محرراً بالكا عن سلطة الدولة والبنك المركزي ، ويتم أقراره تلقائياً في سوق العملات من خلال ألية العرض والطلب ، وهو ألعن شرط مأساوي حين يكون النقد تحت رحمة حيتان المضاربين الجشعين والذي سوف يؤثر سلباً على قيمة الموجودات النقدية في البنك المركزي والنتيجة الكارثية الفقر والبطالة والغلاء الفاحش .
مراجع البحث
سمير شعبان/جريمة تبييض الأموال 2016/
كتاب صندوق النقد الدولي قوّة عظيمة في الساحة العالمية/ للمؤلف الألماني " آرنست فولف" – من النت
كتاب الاقتصاد العراقي بعد 2003 – زين العابدين محمد وصادق علي – مركز الرافدين للحوار
كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد
حزيران 2026







