
يثير موضوع حقوق المرأة المطلقة في العراق جدلاً قانونياً وفقهياً واجتماعياً واسعاً، بعد أن تُرِكت المطلقات في مواجهة مجتمع قاس في نظرته إلى المطلقة، دون معرفة أسباب الطلاق، وتحميل المرأة كل أسبابه، واللجوء إلى الحلول العشائرية والفقهية المعدَّلة وحرمانها من أبسط حقوقها. وخاصة عندما يُنظر إلى العلاقة الزوجية من منظور ضيق يختزل دور المرأة في "الإمتاع"، وهي نظرة يراها الكثير من الحقوقيين والمشرعين قاصرة، ولا تعكس روح التشريع الإسلامي ولا المقاصد الحديثة للقوانين المدنية.
أولاً: النظرة الشرعية لـ "النفقة" و"السكن"
تستند الأطروحة القائلة بأن النفقة تسقط لعدم "القدرة على الإمتاع" إلى فهم مجتزأ لبعض النصوص الفقهية القديمة، لكن الفقه الإسلامي بمجموعه يرى الأمر من منظور أوسع من هذه النظرة الضيقة بحق المرأة المطلقة:
ثانياً: النفقة مقابل الاحتباس لا المتعة المجردة: في الفقه الإسلامي، تجب النفقة للمرأة نظير "احتباسها" لصالح مؤسسة الأسرة وإدارتها ورعاية الأطفال، وليس كـ "أجر" يومي على المتعة.
ثالثاً: التربية والتضحية: عندما تقضي المرأة سنوات من عمرها في بناء بيت الزوجية، فإنها غالباً ما تضحي بفرصها الاقتصادية والمهنية. لذا، فإن النفقة والسكن بعد الطلاق ليسا "مكافأة مستمرة"، بل هما التزامان ماليان لضمان عدم تشرد امرأة ساهمت في بناء حياة الرجل.
المتعة كـ "جبر خاطر": شرع الإسلام ما يُعرف بـ "المتعة" (متاع للمطلقات) بنصوص قرآنية صريحة؛ كتعويض معنوي ومادي للمطلقة لجبر انكسارها بعد الطلاق، وهو ما لا علاقة له بالوظيفة الجسدية.
ثانياً: قانون الأحوال الشخصية العراقي (رقم 188 لسنة 1959)
يُعتبر قانون الأحوال الشخصية العراقي النافذ من القوانين المتقدمة في المنطقة العربية من حيث حماية حقوق المرأة، وبالرغم من وجود ثغرات في التطبيق، فقد عالج القانون حقوق المطلقة بما يضمن كرامتها من خلال:
1 نفقة العدة: تستحق المطلقة نفقة مستمرة خلال فترة العدة (سواء كانت ثلاثة أشهر أو حتى تضع حملها)، وهي إلزامية على المطلق لتأمين معيشتها خلال هذه الفترة الانتقالية.
2 السكن (قانون حق السكن للمطلقات رقم 72 لسنة 1979): أفرد المشرّع العراقي قانوناً خاصاً بحق السكن، ينص على: حق المطلقة (التي لم تشترط الطلاق، أو لم تكن هي المسببة فيه، ولم تكن ناشزاً) في السكن ببيت الزوجية أو الاستمرار باستئجاره على نفقة المطلق لمدة (ثلاث سنوات) دون أن يكون له الحق في إخراجها، بشرط ألا تملك هي أو وليها بيتاً مناسباً للسكن. والهدف من هذا القانون هو حماية المرأة من التشرد الفوري وإعطاؤها مهلة زمنية لترتيب حياتها الجديدة.
3 التعويض عن الطلاق التعسفي: إذا طلق الزوج زوجته وتبين للمحكمة أن الزوج (تعسف) في الطلاق (أي طلقها بلا سبب مشروع أو تقصير منها) وأصاب الزوجة ضرر من ذلك، تحكم المحكمة للمطلقة بتعويض يتناسب مع حالة الزوج المادية ودرجة تعسفه، يُقدر عادة بنفقة سنتين أو أكثر، تُدفع جملة واحدة أو أقساطاً، علاوة على مؤخر صداقها.
ثالثاً: الأبعاد الاجتماعية والرد على خطاب "الوظيفة الجسدية"
إن القول بأن "وظيفة المرأة هي الجنس والإمتاع، وإذا لم تعد قادرة على ذلك فلا حاجة للنفقة" يحمل مغالطات إنسانية وقانونية خطيرة:
الزواج عقد شراكة وإنسانية: ينص القانون والشرع على أن الزواج هو عقد يفيد "المودة والرحمة" وتكوين أسرة، وليس عقد إجارة أو بيع منفعة جسدية مؤقتة.
الكرامة الإنسانية: المرأة مواطنة وإنسانة، وحقوقها بعد الطلاق تنبع من مواطنتها ومن حجم مساهمتها في مؤسسة الزواج (تربية الأولاد، إدارة المنزل، والدعم المعنوي والمادي).
الأمن المجتمعي: إن رمي المطلقات في الشارع بلا نفقة أو سكن بذريعة "انتهاء صلاحيتهن الجسدية" يؤدي إلى كوارث اجتماعية؛ من تفشي الفقر والجريمة والتشرد، وهو ما يسعى القانون لمنعه عبر فرض التزامات مالية على المُطلِّق.
خاتمة
لا يمكن اختصار حقوق المطلقات في العراق في ثنائية "الجنس مقابل المال". فالقانون العراقي المستمد في كثير من أحكامه من الشريعة الإسلامية ومن مبادئ العدالة الحديثة، ينظر إلى النفقة والسكن والتعويض كـحقوق أصيلة للمرأة تعوضها عن سنوات الاحتباس والخدمة والتضحية، وتحمي كرامتها الإنسانية من التقلبات الاجتماعية بعد انفصام عرى الزوجية. والمقولة المذكورة في نص السؤال تعبر عن فكر ذكوري متطرف لا يمثل حقيقة القانون العراقي ولا مقاصد الشريعة السمحاء.







