واجه العراقيون أثناء كتابة الدستور تحديات كبيرة، منها التوصل إلى إجماع عراقي على القيم السياسية الاجتماعية التي تُعبِّر عن الهوية الجمعية العراقية. وقد ظهر الخلاف مبكراً بشأن ماهية هذه القيم وتمثلت أهم نقاطه بمسائل ُضمن وحدة البلد من عروبة العراق وانتمائه، ومعنى وحدته كبلد وكيفية ضمان هذه الوحدة. فكانت النتيجة نظام اتحادي ضعيف نسبياً يقوم على وجود حكومات أقاليم ومحافظات قوية، وسلطة تنفيذية مركزية (الحكومة المركزية) مقيدة بضوابط السلطتين التشريعية والقضائية، هذا علاوة على قضايا أُخرى لا تقل أهمية مثل، إدارة الثروات الطبيعية وتوزيع عوائدها ودور الدين في التشريع وحقوق المرأة. ولسوء الحظ لم يتم التوصل إلى إجماع بشأن هذه القضايا بين القوى السياسية والاجتماعية الممثلة في لجنة صياغة الدستور وكان على صندوق الاقتراع أن يحسم هذا الخلاف بعد أن فشلت طاولة المفاوضات في حسمه وساد البلد جو من الاحتقان السياسي بسبب عدم حصول الإجماع المطلوب على الدستور. والتحدي الآخر فتمثل بايجاد موازنة حقيقية بين القيم الجمعية العراقية، أو بعضها التي يُراد لها ان تسود في عراق المستقبل ، والقيم الديمقراطية العالمية التي كان العراقيون أكثر حظاً إذا كانت هناك ثمة موازنة تقريبية بين الاثنين الى حد ما رغم ان هذه الموازنة تبدو في بعض الاحيان أشبه بمحاولة الجمع بين المتناقضات التي كان احد أمثلتها ما حوته المباديء الاساسية في الدستور بشأن عدم جواز تشريع قانون يتعارض مع ثوابت الشريعة الاسلامية في ذات الوقت الذي منعت هذه المباديء نفسها تشريع اي قانون يتعارض مع القيم الديمقراطية.ولا يبدو غريباً ان تمر صياغة  أي دستور جدي بمخاضات الحوار والاختلاف والمساومة بين قوى المجتمع الفاعلة ومجاميعه المختلفة بغية الوصول إلى اتفاق الحد الأدني حول مضامينه. كانت تجربة صياغة الدستور على مدى فترة الحوارات مخاضاً حاداً من هذا النوع لم تتراجع حدته حتى في اثناء التصويت على وثيقة الدستور وبعدها. في خضم هذا المخاض، ظهر واضحاً انه ليس هناك اتفاق الحد الادنى بين جميع مكونات الطيف العراقي على ماهية الهوية الوطنية العراقية وتجلياتها السياسية والاجتماعية التي تحتاج توثيقها في الدستور. لا يزال هذا المخاض حاضراً معنا في حياة البلد السياسية رغم انتهاء جانبه الرسمي بعد التصويت على الدستور والموافقة عليه وإلى يومنا هذا ما زلنا نعاني من المشاكل التي تظهر بين الحين والآخر.                        

 أحد أركان النظام البرلماني هو ثنائية السلطة التنفيذية، والتي تتكون من طرفين: رئيس الدولة والوزارة، وقد أدى التطور التاريخي للنظم السياسية من الحكم المطلق إلى مسؤولية الوزارة وتقليص سلطات الملك أو الرئيس  أن يكون في الدولة رئيسان: واحد للدولة، والثاني للوزارة، وبالتالي يكون رئيس الدولة شخص أخر غير رئيس الوزراء أو الوزير الأول؛ في النظام البرلماني يقوم على وجوب الفصل العضوي بينهما، وأن من نواميس الحياة تقتضي أن يكون للدولة رئيساً ، لا يمكن التخيل بوجود دولة دون رئيس، وبالرغم من كل التطورات التي جرت على النظم السياسية اتجاه سحب اختصاصات الرئيس لصالح رئيس الحكومة، فقد بقي لرئيس الدولة دور يلعبه على مسرح الحياة السياسية، وللمحافظة على التوازن بين السلطتين كان لابد من إيجاد عنصر وسط محايد يعمل على استقرار هذا التوازن ويوجهه، أنيطت هذه المهمة برئيس الدولة.                         

المشرع الدستوري في العراق تبنَّى النظام البرلماني أسلوباً لنظام الحكم السياسي إذ ورد في المادة الأولى من الدستور الصادر سنة 2005أن (جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة ، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي، وهذا الدستور ضامن لوحدة العراق). ويتميز النظام البرلماني في صورته التقليدية بخصائص أساسية تتمثل بوجود سلطة تنفيذية ثنائية أي بمعنى وجود رئيس دولة يكون غير مسؤول سياسياً بالمقابل نجد وزارة هي من يتحمل المسؤولية إضافة إلى وجود التعاون والتأثير المتبادل بين الوزارة والبرلمان من خلال كون البرلمان يساهم باعمال تنفيذية وقيام الوزارة بأعمال تشريعية أما التوازن فأنه يتجلى بحق الوزارة بحل البرلمان الذي يقابله المسؤولية السياسية للوزارة هذه هي الخصائص الرئيسة للنظام البرلماني(1). تباين موقف الفقه والمختصين بدراسة الواقع السياسي و الدستوري في ظل نصوص دستور 2005 من موضوع اختصاص رئيس الجمهورية بالامتناع عن تصديق مشروعات القوانين التي يشرِّعها مجلس النواب وفقاً لأحكام المادة (73/ثالثاً) من الدستور، عليه ولغرض الوقوف عند هذه المواقف ومعرفة ماهيتها والأسباب التي استندت إليها.                            

وبما أن المحكمة ألإتحادية العليا إحدى تشكيلات السلطة القضائية فإن الدستور تكفَّل ببيان إختصاصات المحكمة الاتحادية العليا وذلك في المادة (93) منه ومن بين الاختصاصات التي نصت عليه ما جاء في البند ثانيا ًمن المادة أعلاه والتي جاء فيها (تفسير نصوص الدستور) واستناداً إلى هذا النص الدستوري كانت المحكمة الاتحادية قد أبدت رأيها في الموضوع بناءً على طلب استفسار كان قد تم تقديمه من مكتب نائب رئيس الجمهورية. (إذا كان الدستور العراقي لسنة 2005 في المادة (138/ خامساً/ ب) قد أخذ بنفس اتجاه الدستور الأمريكي في تحديد المدة الدستورية للمصادقة أو الامتناع بعشرة أيام إلا أنه بالمقابل نجد دساتير أخرى كانت أكثر تشدد من الدستور العراقي منها الدستور اللبناني لسنة 1926 حددها بشهر في المواد (56، 57) أما الدستور الأردني 1952 حددها بستة أشهر المادة (93/3)منه، وكذلك الدستور البحريني لسنة 2002 حددها بستة أشهر في المادة عن حكم المادة( (73/ثالثاً) وهل يملك رئيس الجمهورية للدورة الانتخابية صلاحية عدم الموافقة على القوانين التي يسنها مجلس النواب وإعادتها للمجلس للنظر بالنواحي المعترض عليها أسوة بالصلاحية المخولة لمجلس الرئاسة الواردة في المادة (138/ خامساً) من الدستور. من الشروط الشكلية التي أوردها الدستور والتي لابد لمجلس الرئاسة مراعاتها عند امتناعه عن تصديق مشروعات القوانين والقرارات الصادرة عن مجلس النواب هو ضرورة أن يبدي مجلس الرئاسة امتناعه خلال مدة معينة حددها الدستور بعشرة أيام اعتباراً من تاريخ وصولها اليه، إلاّ أن نص المادة (138/خامساً) لا يلمِّح إلى إلزام مجلس الرئاسة ببيان الأسباب التي تدعوه إلى توجيه طلب إعادة النظر إلى مجلس النواب خلافاً لما نصت عليه الدساتير الحديثة إلاّ أنه بامكانه أن يعرض الأسباب التي تدعوه إلى طلب اعادة النظر في مشروع القانون المرفوع اليه من مجلس النواب في حيثيات طلب إعادة النظر والتي قد تتعلق بمخالفة كل أو بعض مواد مشروع القانون للدستور أو أنه غير ملائم لسياسة الدولة العامة لاسيما التشريعية أو السياسية أو الاقتصادية ،إلا أن المادة (138/أولاً) من النظام الداخلي لمجلس النواب كانت قد أشارت  إلى الأسباب الموجبة لإمتناع مجلس الرئاسة ، إذ نصت المادة أعلاه على (يَعقد مجلس النواب جلسة لهذا الغرض ويحيل المجلس قرار النقض و البيانات المتعلقة بها إلى لجنة مختصة لدراسة المشروع محل الإعتراض والاسباب التي استند عليها قرار عدم الموافقة ويعرض تقرير اللجنة المختصة على المجلس للنظر فيه على وجه الاستعجال فإذا أقرَّ المجلس مشروع القانون بالأغلبية يرسل إلى مجلس الرئاسة للموافقة عليه).                   

 ورئيس الجمهورية هو الرئيس الاعلى للبلاد وهو يمثل سيادة البلاد وسيسهر على ضمان الالتزام بالدستور ويمثل  البلاد في المؤتمرات والمحافل الدولية  الخارجية  وكذلك  يتولى مهمة المصادقة على المعاهدات الدولية والموافقة عليها وفقاً للدستور. وحق الاعتراض من الحقوق التي يتمتع بها رئيس الجمهورية ويختلف هذا الحق في النظم السياسية حسب الاوضاع الدستورية وسياسة الدولة  وشكل ونظام الحكم فيها  فهو يختلف في النظام الرئاسي  عما هو عليه في النظام  البرلماني . وان حق الاعتراض وجد جذوره في الرومان اذ كان لممثلي الشعب الاعتراض على قرارات القضاة التي تعرض المصلحة  العامة للخطر (2                        

 في لبنان حق رئيس الجمهورية في الاعتراض  على القوانين بصفة  عامة نصت عليه المادة (57) من الدستور والتي ورد فيها " لرئيس الجمهورية بعد اطلاع مجلس الوزراء حق طلب اعادة النظر في القانون مرة واحدة  ضمن المهلة المحددة لاصداره ولايجوز انه يرفض طلبه".                                  

اما في العراق فان حق الاعتراض على القوانين أعطى لدوره نيابة واحدة، على وفق المادة (138/خامسا) التي منحته لمجلس الرئاسة. أما في الوقت الحاضر فلا يوجد هذا الحق لا لرئيس الجمهورية ولا لرئيس مجلس الوزراء " اما في الولايات المتحدة الامريكية فان الرئيس الامريكي يمتلك حق الاعتراض والتوقيف على القوانين الصادرة من الكونجرس وهذا الحق ورد في الدستور الامريكي في المادة (1/سابعا) (3).           

في ٣١ كانون الثاني ٢٠٠٥ دخل العراق مرحلة جديـدة متمثلـة بانتخـاب الجمعية الوطنية التي تقوم بتشريع القوانين والرقابة على أعمال السلطة التنفيذية وتقوم بتشريع القواينن التي  تعمل على معالجة موضوع استبدال  أو استقالة أو إقالة ، وتستمر هـذه  وتنتخب رئيس الدولة ونائبه أي مجلس الرئاسة (المادة  ٣١ من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية.) حتى وضع الدستور العراقي الدائم وتشكيل الحكومة العراقية. وقد تم الاستفتاء الشعبي علـى مـسودة الدسـتور فـي يـوم الـسبت ١٥ تشرين الأول عام ٢٠٠٥ وبذلك تم العمل به، وقد أخذ هـذا الدسـتور بالنظـام البرلماني أسلوباً للحكم والذي يقوم كما هو معروف على وجود رئـيس دولـة ووزارة وبرلمان ويكون دور رئيس الدولة شكلياً وبروتوكولياً وهو اقرب إلى الحكم بين السلطات مما هو رئيس فعلي، فضلاً عن وجود الحكومة التي تتولّى الـسلطة بصورة فـعلية، وتكون مسؤولة إمام البرلمان عن السياسة التي تعتمدها فـي إدارة شؤون البلاد وفي الوقت نفسه يكون للوزارة طلب حل البرلمان( المادة ٣٦ من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية).ومن خلال نص المادة الأولى نجد أن الدستور العراقي لعـام ٢٠٠٥ نـص صراحة على اعتماد النظام البرلماني في الحكم ، وتكمن الغاية في اخذ العـراق بالنظام البرلماني مواكباً لكثير من الدول التي أخذت بهذا النظـام، فـضلاً عـن محاولته الخروج من النفق المظلم الذي كان يعيشه العراق مدة تتجـاوز الثلاثـين عاماً، حيث كانت السلطة تتركز بيد شخص واحد وهو رئيس الدولة والذي كان له صلاحيات عديدة تمكنه من التدخل في كافة المجالات، من دون إن تحدد صلاحياته بنصوص دستورية صريحة ولم تقتصر نفوذه على الـصلاحيات التـي يمارسـها رئيس الدولة عادة؛ بل تعدت ذلك لتشمل السلطات التشريعية والقـضائية وتغيـيب دور هذه المؤسسات في ممارسة اختصاصاتها وتراجع دور المؤسسات الدستورية في البلاد، ما أدى إلى خضوع العراق إلى سلطة إستبدادية دكتاتورية مسيطرة على مقدرات البلاد كافة.                     

- لقد منح دستور العراق رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء وعشرة مـن أعضاء مجلس النواب ممارسة حق اقتراح القوانين.                                        

- يتمتع رئيس الدولة في العراق بممارسة حق الاعتراض التوقيفي علـى القوانين المعترض عليها ما يعني ان ليس للرئيس الحـق فـي إسـقاط مشروع القانون متى أصرت السلطة التشريعية على قرارها.

- منح دستور العراق رئيس الدولة حق المصادقة على القوانين وإصدارها.                            

- يمارس رئيس الدولة العراقي مع مجلس الوزراء مجتمعاً مـع الـسلطة التشريعية صلاحية اقتراح تعديل الدستور. لم ينص دستور العراق صراحةً على تمتع رئيس الدولة بصلاحية إصدار اللوائح التفويضية (إصدار قرارات لها قـوة القـانون فـي الظـروف الاستثنائية)، أما فيما يخص اللوائح الضرورة لم يخول الدستور العراقي هذه الصلاحية للرئيس.                                                              

أن طلب إعادة النظر الذي منحه الدستور لرئيس الدولة  لا يعد امتناع مطلق من شأنه أن يعطل المشروع نهائياً بل أنه يعد بمثابة لفت نظر أعضاء مجلس الأمة إلى بعض النواحي في المشروع ربما تكون قد خفيت عليهم وبالتالي فان أثره لا يتعدى كونها أثر توقيفي لا يؤخر صدور مشروع القانون لفترة طويلة خاصة إذا صمم البرلمان على إصداره ولاسيما إذا ما تحققت الأغلبية التي يتطلبها الدستور مع الأخذ بنظر الاعتبار أن طلب إعادة النظر يكون لمرة واحدة( يعد الدستور اللبناني لسنة 1926 والمعدل لسنة 1990 أورد هذا الشرط بشكل صريح حسب ما جاء في المادة (57) من الدستور.)، إضافة إلى اختلاف الأغلبية المطلوبة في دور الانعقاد ذاته عن الأغلبية الواجب توافرها فيما إذا أعاد البرلمان النظر في مشروع القانون في دور الانعقاد التالي في الحالة الأولى كانت الأغلبية التي اشترطها الدستور هي أغلبية خاصة تتجلى بأغلبية الثلثين في حين الأغلبية في الحالة الثانية هي الأغلبية العادية من خلال المادة (1) من الدستور والتي تقرر أن  (جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي ...) يتبين ان نظام الحكم في العراق هو النظام البرلماني، مما يعني انه يجب  ان يكون هناك مساواة بين السلطتين  التنفيذية والتشريعية فيما يتعلق بمبدأ الفصل بين السلطات أي ليس فصلا" تاما" بين السلطتين بل هناك تعاون وتوازن بينهما.                                       

------------------------------------------------------------------

 1-د. مصطفى أبو زيد فهمي : النظام البرلماني في لبنان ، بيروت ، الشرقية للنشر والتوزيع ، 1969، ص73، ص318

2-د. حميد حنون خالد، سلطات رئيس الدولة في الاعتراض على مشروعات القوانين، مجلة القانون المقارن، العدد 35، 2004، ص32

3- حمد نصير راهي-رسالة ماجستير مقدمة الى جامعة المستنصرية- كلية القانون

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل