ربما تأخرنا في رثاء الفنانة الدرامية اليسارية البارزة محسنة توفيق، الا ان الشهادة التي كتبها د. رياض محرم عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي المصري، تجعلنا نحرص على تجاوز هذا التأخير والاعتزاز بهذه الشهادة بحق محسنة توفيق الفنانة التي اخلصت لفنها وبحق مواقفها الابداعية والفكرية معاً.

المحرر

عرفتها عن قرب في سبعينيات القرن الماضى، حيث كنّا نسميها "محزنة توفيق" لغلبة أدوار الحزن على أعمالها، ظلت متوقدة الذهن حاضرته حتى النهاية، كان آخر ظهور جماهيري لها في شهر الماضى، حيث تم تكريمها ضمن فعاليات الدورة الثالثة لمهرجان أسوان السينمائي الدولي عن مجمل أعمالها ، وفى كلمتها بالمهرجان قالت محسنة توفيق: "أنا من المؤمنين أن الشعوب هي صانعة التاريخ وليس الأفراد فهم صناع نجاح أي شخصية شهيرة ظهرت في مصر وهناك الكثير الذين أثروا فّي وأقول للمصريين يجب أن تصدقوا أنكم عظماء تستطيعون أن تجعلوا وطنكم أفضل".

هي من مواليد عام 1939 بمدينة القاهرة، وحصلت على درجة البكالوريوس في الزراعة عام 1968، وعرفت بتعاونها الفني مع المخرج الراحل يوسف شاهين في مجموعة من أبرز أعماله هى: (اسكندرية ليه، العصفور، وداعا بونابرت)، ومنذ فيلم "العصفور" الذى جسّد هزيمة 1967،وغنى فيه "الشيخ إمام عيسى" من كلمات "أحمد فؤاد نجم" (مصر يامه يا بهية)، أن أطلق اسم بهية على مصر في معظم الأعمال الثقافية والفنية، وهي شقيقة اثنتين من أنجح الإعلاميات، إحداهما مذيعة الراديو الشهيرة "فضيلة توفيق" والتي عرفها المستمعون باسم "أبلة فضيلة"، والأخرى "تماضر توفيق" أول سيدة تتقلد رئاسة التلفزيون المصري..

اكتشفها الفنان الكبير عبد الرحمن الشرقاوي، ووقفت على خشبة المسرح لأول مرة عام 1962 من خلال مسرحية "مأساة جميلة"، لتؤدي بعدها دور حبيبة زيوس في مسرحية "أجاممنون" على مسرح الجيب، تعد محسنة توفيق، عضوا مهما في المسرح القومي، ومثلّت 30 مسرحية من أهمها: "مأساة جميلة، إيرما، أجاممنون، حاملات القرابين، الدخان، الأسلاف يتميزون غضبًا، القصة المزدوجة، ثورة الزنج"، فضلا عن ثلاثية نجيب سرور على المسرح "منين أجيب ناس"..

شاركت الراحلة الكبيرة فى أفلام (عظماء الاسلام والغفران وحادثة شرف والبؤساء وبيت القاصرات ، الزمار ، قلب الليل و ديل السمكة) ... لكنها عملت على نحو أكبر في الدراما التليفزيونية و من أشهر مسلسلاتها: (ليالي الحلمية بأجزائه الأربعة)، ومحمد رسول الله ، الشوارع الخلفية، الوسيه، الكعبة المشرفة ، أم كلثوم ، المرسى و البحار).

من مذكرات المناضلة الشيوعية "مارى روزنتال" زوجة المناضل الراحل "سعد كامل" رئيس تحرير الأخبار (في سجن القناطر أيامها جدول النشاط كان بيخلص الساعة تمانية بالليل، العنابر والزنازين تتقفل لتاني يوم الصبح، وتبتدي تطلع أصوات من السجن سامعاها مش شايفاها ... من عنبر المعتقلات الجداد كان فيه معتقلة بتقعد على حز شباك العنبر تغني لنا أم كلثوم، كنا بنسكت كلنا ونسمع من الزنازين. سألت مين دي قالوا لي ممثلة جديدة موهوبة اسمها “محسنة توفيق”.).. من رواية "المولودة" للكاتبة نادية كامل.

ذكرت الراحلة محسنة علاقتها باليسار وبالحركة الوطنية ( الوعي السياسي بدأ عندي سنة ١٩٤٦، كنت وقتها طفلة عمرها ٧ سنوات، عرفت عن الطلبة اللي بيتظاهروا على كوبري عباس، وازاي البوليس وقتها حاصر المظاهرة ورد على الطلبة اللي بتهتف بسلمية بالرصاص، والموضوع ترك أثر كبير على وعيي، وعلى نظرتى للمقاومة والنضال. بل تمنيت أعيش حياة زي الطلبة اللي دافعوا بأجسادهم عن أفكارهم.(

أهم مشهد وحوار ملهم أدته محسنة توفيق، كان آخر مشهد في فيلم العصفور للمخرج يوسف شاهين، الذى أدت فيه دور “بهية” وهي تصرخ (لأ، هنحارب.. هنحارب.. هنحارب)، وهو المشهد الذى ارتبط في أذهان المصريين برفض الهزيمة بينما كان أغنياء مقاولى الاتحاد الاشتراكي يهربون المواد التموينية لبيعها في السوق السودا، وفى عهد السادات شاركت اليسار والقوى الوطنية في رفض معاهدة السلام مع إسرائيل "كامب ديفيد" والتطبيع مع الكيان الصهيوني، الأمر الذى وضعها في القوائم السوداء للسادات ومنعها من المشاركة في الأعمال الفنية.

شاركت بفعالية في ثورة 25 يناير و30 يونيو رغم تجاوز عمرها 70 عاما، وصورة الفنانة محسنة توفيق بصحبة الفنان القدير الراحل جميل راتب في المظاهرات وسط الشباب، أو صورتها وحدها وسط الأمن يوم جمعة الغضب في ميدان مصطفى محمود (28 يناير)، هي من الصور الأيقونية للثورة، كتلخيص لعمر طويل من النضال والكفاح من أجل مصر.

محسنة توفيق تلك الفنانة الملتزمة صاحبة أكثر من 70 عملا فنيا بين الشاشة الكبيرة والصغيرة وخشبة المسرح، نذكر منها دور "بهية" في فيلم العصفور، و"أم يحيى" في إسكندرية ليه؟، و"مريم" في فيلم الزمار، وطبعا "أنيسة البدرى" في 4 أجزاء من المسلسل الشهير ليالي الحلمية، ولازمت شخصية "بهية" المصبوغة بالشموخ والحزن والانكسار في الوقت نفسه، محسنة توفيق طوال مشوارها، حيث يتأكد في كل عمل أنها "سيدة مصرية أصيلة"، وعملت محسنة توفيق مع كبار المخرجين في مصر، حيث قدمت فيلم "البؤساء" مع المخرج عاطف سالم و"ديل السمكة" مع المخرج سمير سيف، وفيلمي "قلب الليل" و"الزمار" مع المخرج "عاطف الطيب"، وشاركت محسنة توفيق في عدة مسلسلات إذاعية منها "المعجزة الكبرى"، و"ريحانة"، وقدمت للبرنامج الثاني بالإذاعة المصرية العديد من المسرحيات العالمية منها "المسيح يُصلب من جديد" لكزانتاكس.

حصلت محسنة توفيق على وسام العلوم والفنون 1967، وشهادات تقدير عن فيلمي العصفور وبيت القاصرات، كما حصلت على الجائزة الأولى في التمثيل في مهرجان بغداد للمسرح العربي 1985، ووصفها المخرج الراحل يوسف شاهين بأنها واحدة من مجاذيب السينما المصرية، كما فازت عام 2013 بجائزة الدولة التقديرية عن مجمل أعمالها الفنية.

رحم الله الفنانة الجميلة " بهية مصر وفؤادها" المناضلة العظيمة "محسنة توفيق".