كنتُ قد كتبتُ في وقت مبكر عن المؤتمر الوطني القادم لحزبنا الشيوعي العراقي، تحت عنوان "المؤتمر الوطني الثاني عشر أم مؤتمر استثنائي؟" و "ما له وما عليه". وقد ولّد ذلك لدى بعض الرفاق انطباعاً بأنني أدعو إلى تأسيس حزب شيوعي جديد، وهو تصور خاطئ تماماً ولا يمتّ للحقيقة بصلة. لم أدعُ يوماً إلى هذا الاتجاه، بل دعوتُ إلى ترميم الحزب وإعادة بنائه من جديد بعد التحولات التاريخية العميقة التي غيّرت كل شيء، والتي لم يستطع الحزب مواكبتها، فتعرض لأزمة بنيوية شاملة جعلته هامشياً في الحياة السياسية.

وفي سياق تلك الرؤية، طرحتُ فكرة عقد مؤتمر وطني استثنائي قادر على معالجة الأزمة والتغلب عليها، يستوعب كل الشيوعيين الحريصين على بقاء الحزب فاعلا على الساحة السياسية. وما زلتُ أرى أن هذه الرؤية هي الأنسب لاستعادة الحزب مكانته ودوره في قيادة نضالات الجماهير العراقية التي تعاني من نظام سياسي مشوّه، تهيمن عليه قوى متنفذة تتعامل مع مقدرات الدولة وكأنها ملكية خاصة، وتبتكر أساليب نهب غريبة، منها تخصيص حصص مالية لشخصيات وهمية لا وجود لها إلا في مخيلة الفاسدين. يضاف إلى ذلك نظام الزبائنية الذي تعتمد عليه القوى المتنفذة كقاعدة اجتماعية صلبة تضمن بقاءها وهيمنتها، فضلاً عن تقديم الهبات لهذه الدولة أو تلك، في وقت يعيش فيه ملايين العراقيين حرماناً ونقصاً في أبسط مستلزمات الحياة.

إذا كان الهدف من المؤتمرات الحزبية هو تجديد الفكر عبر إعادة قراءة الواقع وصياغة رؤية جديدة تُبنى على أساسها وثائق المؤتمر الأساسية، بحيث تكون قادرة على تخليص الحزب من أزمته وإعادته إلى الساحة الفعلية للعمل السياسي، فإن ذلك يتطلب "آلية واضحة وفعّالة" تشرك جميع الشيوعيين في صياغة الوثائق، لتكون نتاج عقل جماعي لا اجتهاد دائرة ضيقة. فالآليات القديمة لم تكن قادرة على استثمار هذا العقل الجماعي، وكانت تقدم صيغاً جاهزة يصعب على أعضاء الحزب ومندوبي المؤتمر تطويرها بما يعكس الواقع الراهن.

إن تحقيق هذه المهمة لا يمكن أن يتم خلال الفترة القصيرة المخصصة عادةً للإعداد للمؤتمر الوطني، بل يحتاج إلى حوار دائم ومتواصل في جميع الهيئات الحزبية، يصبح تقليداً ثابتاً لمراجعة سياسات الحزب وأدوات تنفيذها وأداء قيادته، وأن يكون لنتائج هذا الحوار حضور فعّال في صياغة الوثائق المقدمة إلى المؤتمر.

ولن نصل إلى نتائج إيجابية ما لم نحدد الآلية القادرة على تحقيق هذا الغرض. لذلك أطرح مرة أخرى الآلية التنظيمية التي سبق أن اقترحتها، آملاً أن تجد طريقها لتكون جزءاً من النظام الداخلي للحزب، والآلية الفاعلة في صياغة وثائقه.

المقترح

مقدمة

يأتي هذا المقترح في سياق الحاجة الملحّة إلى تطوير آليات إعداد وثائق المؤتمر الوطني للحزب الشيوعي العراقي، بما يضمن استثمار العقل الجماعي للحزب، وتجاوز الأساليب التقليدية التي أثبتت محدوديتها في مواكبة المتغيرات السياسية والاجتماعية المتسارعة. وتستند الورقة إلى رؤية تدعو إلى إعادة بناء الحزب وترميم دوره التاريخي، عبر اعتماد آلية تنظيمية مركزية جديدة لصياغة وثائق المؤتمر، تضمن مشاركة واسعة، وتراكم معرفي، وصياغة دقيقة تعكس واقع البلاد وتطلعات الجماهير.

أولاً: خلفية ومبررات المقترح

1-أزمة الوثائق الحزبية الحالية

- ضعف تفاعل القيادة مع آراء الرفاق ومقترحاتهم، سواء المطروحة في الاجتماعات أو عبر الرسائل الفردية.

-عدم انعكاس تلك الآراء على مسودات الوثائق المقدمة إلى المؤتمر الوطني، ولا على المواقف السياسية اليومية للحزب.

- هيمنة اجتهاد اللجنة المركزية على صياغة الوثائق، وخاصة التقرير السياسي، مما أدى إلى فقدان الوثائق حيويتها وعدم تعبيرها عن نبض الشارع.

- تعرض العديد من المواقف السياسية للانتقاد، وتأثير ذلك سلباً على دور الحزب في الحياة السياسية.

2- قصور آلية المناقشات في المؤتمرات

- ضيق الوقت المخصص للورش داخل المؤتمر، مما يعيق النقاش المعمّق ويحدّ من قدرة المندوبين على تقديم رؤى متكاملة.

- غياب آلية تراكمية تضمن حفظ الأفكار والملاحظات بين المؤتمرين والاستفادة منها في الصياغات اللاحقة.

3- الحاجة إلى آلية جديدة

إن تطوير وثائق المؤتمر يتطلب آلية تنظيمية مركزية، واضحة وفعّالة، تستند إلى الحوار المستمر داخل الهيئات، وتضمن مشاركة جميع الشيوعيين، وتحوّل الوثائق إلى نتاج عقل جماعي لا اجتهاد فردي أو فئة محدودة.

ثانياً: اسم الآلية المقترحة

يمكن اعتماد أحد الأسماء التالية أو مناقشة غيرها:

- لجنة صياغة وثائق المؤتمر الوطني

- الهيئة المركزية لإعداد وثائق المؤتمر

الاسم يخضع للنقاش داخل الهيئات بما ينسجم مع طبيعة عمل اللجنة وصلاحياتها.

ثالثاً: تشكيل اللجنة وصلاحياتها

1-تُنتخب اللجنة مباشرة داخل المؤتمر الوطني، على غرار لجنة الرقابة المركزية.

2- تكون مسؤولة أمام المؤتمر الوطني حصراً، وتقدم له تقاريرها ومخرجات عملها.

3- تتمتع بصلاحيات واسعة للاطلاع على جميع المناقشات الجارية في الهيئات الحزبية، والحصول على نصوصها، فضلا عن الحوارات الجارية على صحافة الحزب المتعلقة بقضايا الحزب، وأرشفتها باعتبارها جزءاً من الذاكرة التنظيمية للحزب.

رابعاً: مهام اللجنة المركزية لصياغة الوثائق

1- جمع وفرز اتجاهات الرأي

-دراسة جميع الآراء والملاحظات والمقترحات المدونة في اجتماعات الهيئات أو المقدمة فردياً أو المنشورة في صحافة الحزب.

- فرزها وفق محاور سياسية وفكرية وتنظيمية وإدارية.

- أرشفتها بين المؤتمرين لضمان سهولة الرجوع إليها عند إعداد الوثائق.

2- تشكيل لجان فرعية متخصصة

قبل انعقاد المؤتمر الوطني بفترة مناسبة، تُشكّل اللجنة المركزية ثلاث لجان فرعية تتكون من.

- أعضاء اللجنة المركزية لصياغة الوثائق.

- كادر حزبي مختص من مختلف المستويات التنظيمية.

- خبراء وأصحاب اختصاص في المجالات ذات الصلة.

واللجان هي. أ- لجنة إعداد وصياغة مسودة النظام الداخلي ب- لجنة إعداد وصياغة مسودة برنامج الحزب ج- لجنة إعداد وصياغة مسودة التقرير السياسي

3- منهجية عمل اللجان الفرعية

- تعتمد اللجان على أرشيف الآراء والمواقف المتراكمة بين المؤتمرين.

- تستند إلى مواقف الحزب من المستجدات السياسية والاجتماعية.

- تُعدّ مسودات الوثائق وترسلها إلى المنظمات الحزبية قبل المؤتمر لاستلام الملاحظات النهائية.

4- إدارة الورش داخل المؤتمر

-يتولى أعضاء اللجان الفرعية إدارة الورش الخاصة بكل وثيقة أثناء انعقاد المؤتمر.

- تُناقش المسودات وتُجرى التعديلات الأخيرة وفق ملاحظات المندوبين.

- تُقدَّم الصياغات النهائية إلى المؤتمر لإقرارها رسمياً.

خامساً: الأهداف المتوقعة من اعتماد الآلية

- تعزيز المشاركة الجماعية في صياغة الوثائق الأساسية للحزب.

- ضمان تراكم معرفي وتنظيمي بين المؤتمرين.

- إنتاج وثائق أكثر دقة وواقعية، تعكس نبض الشارع العراقي وتطلعات الجماهير.

- تقوية دور الحزب في الحياة السياسية عبر خطاب متجدد ورؤية واضحة.

- تجاوز الأساليب التقليدية التي أثبتت محدوديتها في مواجهة المتغيرات السريعة.

خاتمة

إن اعتماد هذه الآلية يمثل خطوة تنظيمية جوهرية نحو إعادة بناء الحزب واستعادة دوره التاريخي. وتهدف هذه الورقة إلى فتح نقاش واسع داخل الهيئات الحزبية حول أفضل السبل لصياغة وثائق المؤتمر الوطني، بما يضمن مشاركة الجميع، ويعيد للحزب حيويته وقدرته على التأثير في المشهد السياسي العراقي.