/
/
/
/

قرر مجلس محافظة بغداد بجلسته الاعتيادية بتاريخ 7 \5\ 2019بالأغلبية المطلقة تسمية (شارع 10) الشارع الرابط بين ساحة الأندلس ومجسر ملعب الشعب باسم شارع شمران الياسري (ابو كَاطع ) بعدها نشرت عدة صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي قرار التسمية ولكن ما لفت انتباهي بعض التعليقات على منشورات صفحة (الحزب الشيوعي العراقي) و(يسار شيوعيي الصويرة) على الفيسبوك حيث هناك بعض المعلقين كتبوا من هو ابو كَاطع وهذا ليس بغريب لان عدة أجيال من العراقيين لم تعرف شيئا عن المئات بل حتى الآلاف من المناضلين الشيوعيين والوطنين الذين غيبتهم عقود من الاستبداد والطغيان ومع الأسف الشديد استمرت أجهزة الإعلام الرسمية وغير الرسمية الموجهة من قبل الاحزاب المتنفذة بالتعتيم الإعلامي على هذه النجوم الامعة بسبب نهجها القائم على الاستئثار بالسلطة والإقصاء والتهميش
فتعالوا نتعرف شئياً قليلاً ونكشف بعض التفاصيل عن حياة ابو كَاطع النجم المضيء والقائد الشيوعي الذي ترك اثراً لا ينسى لدى كل من عرفه بلطف معشره وثقافته الموسوعية وسرعة بديهيته اضافةً إلى حس النكتة والذي غنى عنه فنان الشعب فؤاد سالم وأول من جمع بين الفصحى والعامية الريفية في كتاباته
اسمه/ شمران يوسف محسن الياسري (شمران الياسري ابو كَاطع ) المعروف في بعض نتاجاته بخلف الدواح
كاتب وروائي وأديب شيوعي ثوري كانت كتاباته منذ بدايتها تعكس الاسلوب الساخر والنقدي للحكومات المتعاقبة بأسلوب سهل وممتع لدى القارئ وباللهجة العامية الريفية
تولده/ ولد شمران في عام 1926 م في ريف محيرجة (ناحية الموفقية حالياً ) التابعة لقضاء الحي تقع جنوب غرب مركز محافظة واسط الكوت وتبعد عنه 35 كم.
نشأته ودراسته نشأ الياسري في أقصى الريف العراقي وبين بيوت الطين والطبيعة الخلابة وينحدر من عائلة السادة الياسرية العلوية وكانوا يجيدون الزراعة لم يدخل إلى المدرسة الرسمية آنذاك لكنه تعلم القراءة والكتابة لدى الملا (الكتاتيب) ولوالدته دور كبير في تعلمه حيث حفظته القرآن .
كانت رغبته في التعلم كبيرة مما دفعه إلى الاعتماد على نفسه وقراءة كل ما يقع تحت يده تعلم الانكليزية ايضاً على يد بعض معلمي مدرسة حمورابي في مشروع الدجيل وبعد نجاحاته العديدة قرر أن يدرس ويتقدم إلى الامتحان الخارجي (بكلوريا) وفعلاً اجتازه بنجاح وبسبب المطاردة والاضطهاد لم يتمكن من إكمال دراسته الجامعية .وفي سبعينات القرن المنصرم درس الصحافة من خلال عدة دورات صحفية في معهد الصحافة بألمانيا الديمقراطية
انتمى ابو كَاطع إلى صفوف الحزب الشيوعي العراقي في سنة 1948 م ومنذ انتمائه التصق اكثر بقضية الوطن والفلاحين وعموم الكادحين
وقد ثقف نفسه بالمطالعة ودراسة مختلف الكتب وخاصة الماركسية واتصل ببعض المثقفين والأدباء في مدينتي الحي والكوت حيث كان أغلب المثقفين وأهل العلم في تلك السنين هم من المعلمين والمدرسين الذين كانوا مشاعل تنوير في ظلمات الريف العراقي وهو ما أضاف له الكثير
بعد نجاح ثورة 14 تموز 1958 انتقل الياسري للسكن في بغداد وفتحت أمامه أبواب الصحافة والإذاعة بشكل واسع وانتسب إلى نقابة الصحفيين واتحاد الأدباء العراقي حيث نال شهرة واسعة من خلال برنامجه الاذاعي المشهور (احجيها بصراحة يبو كَاطع) الذي كان يبث من الإذاعة الرسمية الوحيدة للجمهورية العراقية كان يتحدث عبر المذياع باللهجة العامية الريفية معبراً عن طموحات وآمال ومعاناة ومشاكل الريف والعراق عموماً ومنع البرنامج بسبب سخط الزعيم منه حيث ورد إليه ان ابو كَاطع قال جملة (الحصان هو ذاك الحصان بس جلاله تغير ) وفهم وفسر قاسم الذي كان يقصده فتم منعه! في مجال الصحافة بدأ بنشر نتاجاته في الصحف المحلية التقدمية بداية خمسينيات القرن الماضي وبعد ثورة الرابع عشر من تموز اصبح الياسري ذا شأن كبير وله مكانه متميزة في الوسط الصحفي وعمل في عدة صحف منها الفكر الجديد ،البلاد، الحضارة ، صوت الأحرار ومحررا في صحيفة التآخي ثم طريق الشعب التي كان له زاوية خاصة فيها في الصفحة الأولى وله عمود ساخر يصدر يوميا اسماه (بصراحة ابو كَاطع) في بداية السبعينات أصبح مديرا لتحرير مجلة الثقافة الجديدة وكان معه نخبة من الأدباء والكتاب المعروفين منهم فاضل ثامر الفريد سمعان ياسين النصير وفي مجال الرواية حققت رباعيته (الزناد ، بلابوش دنيا ،غنم الشيوخ ، فلوس أحميد) شهرة واسعة وهي اول رواية تكتب باللهجة العامية العراقية وهي توثق بدقة تفاصيل الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية في الريف العراقي خاصةً وباقي البلاد عامة نشرت في عام 1972 ضمن منشورات الثقافة الجديدة وأعيد طبعها بعد 2003 من قبل دار الرواد المزدهرة
وايضاً هناك رواية أخرى وهي (قضية حمزة خلف ) نشرت عام 1983 بعد وفاته وأعيد طبعها في عام 2006 من قبل نفس الدار
خلف الدواح هو الاسم المستعار الذي ذيل به شمران نتاجاته ويقدم النقد السياسي للسلطة أبان فترة الجبهة الوطنية (تحالف الشيوعيين والبعث) وفي أغلب الأحيان كان (خلف الدواح ) يسبب الاحراج للجريدة
اعتقل ابو كَاطع أوائل عام 1962 م بسبب توقيعه على وثيقة (السلم في كردستان) التي كانت تطالب عبد الكريم قاسم بايقاف الحرب ضد الحركة الكردية وطاردت السلطات الكثير من المثقفين والأدباء العراقيين الموقعين على الوثيقة وأطلق سراحه قبل شهرين من انقلاب شباط المشؤم ليمكث في السجن قرابة العام
بعد الانقلاب في 8 شباط 1963اضطر الياسري للاختفاء حيث سكن فترة في دار أخيه ابو محسن ببغداد وبعدها انتقل للعيش والعمل الحزبي السري في أرياف الحي والكوت ونشط في تلك الفترة في اعادة التنظيمات كونه من العارفين بطبيعة المنطقة الجغرافية والاجتماعية إضافة لخبرته السياسية والتنظيمية
رحل ابو كَاطع (خلف الدواح ) في ظروف غير واضحة تماماً. فقد توفي في 17 اب 1981 عن عمر ناهز 55 سنة في حادث سير وهو ذاهب من جيكوسلوفاكيا إلى هنغاريا لزيارة ابنه الأكبر (جبران) وتم دفنه في مقبرة الشهداء الفلسطينيين في بيروت. وكان الحادث مريرا ومؤلما لرفاقه ومحبيه الكثيرين جداً، وقد نزل بعيداً عن وطنه الذي أحبه وعشقه مثله مثل غيره من الشيوعيين والوطنيين والمثقفين الذين كانوا يحلمون فقط بوطن حر وشعب سعيد. رحل ليترك لنا نحن الأجيال الجديدة من الشباب ارثاً ثقافياً كبيراً وتاريخاً ناصع البياض ومثالاً علينا ان نقتدي به وهو الإنسان الفلاح المثقف الوطني الذي اعتمد على نفسه في صناعة مجده ليحلق عالياً في سماء العراق
رغم ذلك الرحيل المفجع يبقى شمران الياسري علماً من اعلام الثقافة والسياسة في العراق، ترفع اسمه عالياً ابداعاته في تلك المجالات ويأتي ضمن هذا السياق تسمية الشارع المار بمحاذاة مقر اللجنة المركزية لحزبه الشيوعي ومن امام اتحاد الأدباء، نوعاً من الوفاء والتكريم لهذه القامة الباسقة من قامات الثقافة والسياسة في العراق والذي بقي محافظاً على فكره ومبادئه حتى آخر لحظات حياته.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل