/
/
/
/

منذ انطلاق الانتفاضة في الأول من تشرين الأول ٢٠١٩ ظهرت قوى رافضة لها ومعادية وعاملة على إنهائها بأية وسيلة. ونتذكر ان العديد من المتنفذين كانوا متبرمين بها، وان البعض منهم لم يكن يقبل الا اقتصار المعارضة للحكومة على ما يجري داخل مجلس النواب، ولا يتفهم ولا يطيق التظاهر والاحتجاج. وإن حصل التظاهر فعلى المتظاهرين ان يقدموا مطالبهم مكتوبة الى " اولي الامر " لينظروا فيها ويتفضلوا بـ " "مكرمتهم " على المحتجين!
لم يكن العديد من تلك القوى مؤيدا او متعاطفا مع الانتفاضة، وإن كان يعلن كذبا غير ذلك. وكان وهو يدعي ذلك في العلن، يعمل في الواقع على إجهاضها وقمعها ما استطاع الى ذلك سبيلا.
وتكفي العودة الى ما كان البعض منهم يكتبه من تغريدات، ليتأكد المرء من حقيقة ما كانوا يضمرون. فمثلا يقولون برفض العنف ويشددون على سلمية التظاهر، ثم ها هم الآن طوروا ذلك بالدعوة الى ان تأخذ القوات الأمنية دورها كاملا في حماية المتظاهرين السلميين! وهذا ما لا يمكن ان نقرأه، ولن نجانب الحقيقة، الا على انه دعوة الى القتل العمد وتصفية حركة الاحتجاج، وانهاء الانتفاضة التي فاقت بسعتها وإعداد المشاركين فيها والتزامها بالسلمية والإصرار على الصمود والمطاولة حتى تحقيق النصر، فاقت كل تصورات المتنفذين الذين كانوا يتصورون انها" فقاعة " سرعان ما تنفجر كما قال أحدهم ذات يوم.
منذ اليوم الأول للانطلاقة المظفرة أكد المنتفضون سلميتها، ولكنها جوبهت بعنف وقسوة قل نظيرهما وساهمت فيهما قوى متعددة تتباكى اليوم وتذرف دموع التماسيح على "السلمية المفقودة ". وقد أصبح معروفا اليوم للداني والقاصي من قتل المتظاهرين عمدا، ومن استخدم الغازات المسيلة للدموع والرصاص الحي والمطاطي، ومن هو القناص المجهول المعلوم، وذلك الذي يواصل ترهيب المنتفضين عبر الخطف والاغتيال بكاتم الصوت وغيره وبالاعتقال والتغييب القسري! أولم تشر الى ذلك لجنة الامن والدفاع البرلمانية عند زيارتها معتقل مطار المثنى؟!
وفِي خط مواز للقمع ولكاتم الصوت تتواصل مساعي المضغوطين، الداخليين والخارجيين، لتشويه حقيقة المنتفضين، حيث يلجؤون الى التزوير والكذب وإلصاق التهم الباطلة بهم. فهم بنظر هؤلاء القتلة ومن يسايرهم " أوباش" و"قردة " وما شابه، وهم "مرتزقة ومندسون وبعثيون وينفذون مؤامرة أمريكية وإسرائيلية"!
تلك هي حقيقة مواقفهم من الانتفاضة، رغم كل مطالباتهم المعسولة باستمرارها وادعائهم الاتفاق مع مطالبها! والأمر الخطير الآخر هو ادعاء جهات رسمية وغير رسمية من المتنفذين بان "التظاهرات خرجت عن سلمتها "! فهذا افتراء آخر يراد من ورائه تبرير القمع ضد المنتفضين، ولا إثر فيه للحرص على سلمية الانتفاضة.
ان من الممكن في حركة بهذا السعة ان تحصل بعض الاندفاعات غير المقبولة والمرفوضة بل وحتى المدانة، لكنها لا يمكن ان تكون المعيار والاساس في التعامل مع انتفاضة مجيدة، جلها من الشباب الذي لم يعد يطيق ما حصل ويحصل من مآسٍ وكوارث حلت بالشعب والوطن. ومن هنا إصرارها على التغيير الشامل وعودة الوطن الى أهله وناسه، وطنا يتسع لجميع أبنائه من دون حواجز طائفية وعرقية ودينية وقومية، ويكون سيد نفسه وقراره.
ان مسؤولية إهدار الدماء الزكية ظلما وعدوانا، وما قد يقع من تطورات خطيرة اضافية، تتحملها اساساً السلطات الثلاث والأجهزة المعنية، التي لم تقم بواجبها في حماية المنتفضين والمواطنين والممتلكات العامة والخاصة.
وان أقصر طريق لحقن الدماء وتجنيب الوطن ما هو أسوأ انما يمر عبر الاستجابة الكاملة لمطالب المنتفضين العادلة، وكفى مماطلة وتسويفا ومراهنة على الوقت والطقس والتعب، فهذا أبعد من ان يؤثر في شباب قرر ان لا يتراجع مهما ارتفع الثمن.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل