/
/
/
/

ما أن أركب سيارة  (التكسي) حتى يبدأ السائق بالتذمّر والشكوى من مراجعة الدوائر الرسمية وتحديدا  التي تهتم بشؤون المواطنين، مثل السفر والجنسية والعدل والتقاعد والمستشفيات وغيرها. كذلك حين أستقّل سيارة الكيّا أسمع تذمّر الركاب وبالأخص كبار السن رجالاً ونساءً، وذات يوم راجعت إحدى هذه الدوائر فغلبني الحزن والأسى ، حيث يشعرك الموظف المسؤول في هذه الدائرة بالذل والمهانة، وكأنك قادم من كوكب آخر ولا علاقة لك بهذا البلد أبدا ، فتيقنت أننا لا نعرف معنى التعامل الحقيقي بيننا كمواطنين مهما كانت وظائفنا!

قبل سنتين جاء احد أصدقائي المهاجرين ليستخرج هويات أحوال مدنية لأبنائه المولودين  في لندن ، ساعتها كان يمنّي نفسه بإكمال معاملته خلال يومين ، قلت له : من كل عقلك  ستنتهي بين يوم وليلة ؟! أجابني :ــ لماذا لا؟،،  مجرد أوراق ثبوتية  تسجل في السجل وتدخل ضمن القرص الالكتروني للحفظ ، ثم تخرج على شكل بطاقة. في لندن حينما سجلتهم لم يستغرق الامر أكثر من ربع ساعة ، فلماذا التأخير هنا ؟!

أجبته :ــ انك تعيش عالمك المثالي الحقيقي هناك مثلما أعيشه بداخلي ، حيث أتصور في بادئ الأمر أن كل معاملة تنتهي بسويعات ، لكنها تستمر أياما وشهورا حتى أصاب بالملل  فاتركها للزمن !

ناهيك عن معاملة الموظفين  للمراجعين ، إذ تجد اغلب موظفي دوائرنا  إن لم اقل جميعهم يتعاملون مع المراجعين من أبراجٍ عالية وبأنفةٍ  لا مثيل لها ،  فترى المراجع يقف كالمتسوّل  يستجدي كلمة من هذا الموظف أو ذاك لإنهاء معاملته ، والموظف لا يعير أهمية لمعاناة المراجع المسكين ــ وصاحب الحاجة أعمى ــ بإكمال معاملته والانتهاء منها. وفي بعض الأحيان يطلق الموظف كلمات استهزاء بالمراجع وكأنه قادم من عالم آخر ، دون أن يشعر أو يعي أن هذا المراجع كان أو قد يكون موظفا مثله أو أعلى  درجةً وظيفيةً ، لكن الظروف أجبرته على أن يراجع هذه الدائرة وتلك !

إذا أردنا أن نعرف الإنسانية الحقّة والشعور بالمسؤولية تجاه أنفسنا كمواطنين أولا وأخيرا علينا أن ننظر إلى  كيفية تعاملنا مع الآخرين حين نكون على كرسي هذه الوظيفة وتلك ، لأننا أولا وأخيرا مواطنون في بلد واحد ، فإكمال معاملة أي مراجع مع الابتسامة والكلام الجميل وبأسرع وقت ممكن دون التعامل بالروتين القاتل هي التي يتمناها الجميع كي نخدم ناسنا وبلدنا بالشكل الحقيقي الذي يُراُد منّا ! أمّا أن نذلّه  ونجعله متذمرا لاعناً الساعة التي ولدته فيها أمّه  في هذا البلد، فهذا عمل لا يرضاه كل ضمير حيّ !

احترام المُراجع وانجاز معاملته بالسرعة الممكنة بعيدا عن (روح وتعال باجر والى ما لا نهاية)  تجعل من بلدنا بلد محبة  وعمران ، فمثلما نريد أن يعاملنا الآخرون علينا أن نتعامل مع الناس وكلٌ من موقع عمله ووظيفته ، بهذا سنبني وطنا آمنا مزدهرا بالمحبة والخير والسعادة !

وللحديث بقية.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل