
الشباب العراقي والجاليات العربية والكلدانية والسريانية والآشورية أمام تجربة انتخابية تستحق التأمل
أعادت الانتخابات النصفية الأمريكية، التي جرت في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر 2026، طرح واحد من أهم الأسئلة المتعلقة بالحياة الديمقراطية: إلى أي مدى تستطيع المشاركة الشعبية، ولا سيما مشاركة الأجيال الشابة، أن تُحدث تحولاً في موازين القوى السياسية؟
وبحسب التقديرات التي نشرتها شبكة NBC News، فإن الحزب الديمقراطي يتجه إلى السيطرة على مجلس النواب الأمريكي، مع توقع حصوله على 259 مقعداً مقابل 176 مقعداً للجمهوريين. وهي أرقام تعكس، إن تأكدت، تحولاً مهماً في تركيبة المجلس، لكنها تظل تقديرات إعلامية ينبغي التمييز بينها وبين النتائج الرسمية المعتمدة.
ومع أن معرفة الأسباب الفعلية لهذا التحول تتطلب دراسة نسب المشاركة والتصويت بحسب الفئات العمرية والاجتماعية، فإن الانتخابات تفتح باباً واسعاً للتأمل في دور المواطن، وقيمة التنظيم الشعبي، وعلاقة الناخب بالمؤسسات السياسية.
ومن هنا يبرز سؤال يخص العراق بصورة مباشرة: ماذا يمكن للشعب العراقي، وبخاصة الشباب الذين صنعوا انتفاضة تشرين عام 2019، أن يتعلم من التجربة الانتخابية الأمريكية؟ وهل تستطيع المشاركة الشعبية الواسعة أن تغيّر موازين القوى في بلد ما زالت قوانينه الانتخابية ومؤسساته السياسية موضع خلاف وانتقاد؟

أولاً: من ساحات تشرين إلى صناديق الاقتراع
شكّلت انتفاضة تشرين العراقية عام 2019 محطة بارزة في تاريخ الاحتجاجات الشعبية الحديثة في العراق. فقد خرج عشرات الآلاف من الشباب، وانضمت إليهم قطاعات اجتماعية مختلفة، مطالبين بوطن تتحقق فيه المواطنة والعدالة الاجتماعية، وتُحترم فيه الحريات، وتنتهي فيه المحاصصة والفساد والتبعية السياسية.
لم تكن تشرين مجرد احتجاج على حكومة أو قرار سياسي، بل عبّرت عن أزمة ثقة عميقة بين قطاعات واسعة من المجتمع والنظام السياسي الذي تشكّل بعد عام 2003.
وقدّمت الانتفاضة صورة لجيل يمتلك الشجاعة والاستعداد للتضحية والقدرة على التنظيم والتعبير، لكنه واجه تحديات كبيرة في تحويل الحضور الاحتجاجي إلى تأثير سياسي ومؤسسي مستدام.
وهنا تكمن أهمية المقارنة مع التجربة الأمريكية.
فالدرس الذي يمكن استخلاصه من الانتخابات الديمقراطية لا يتمثل في الاعتقاد بأن كثافة المشاركة وحدها تكفي لإحداث التغيير، بل في فهم العلاقة بين الحراك الاجتماعي والتنظيم السياسي، وبين الإرادة الشعبية والقواعد التي تحوّل الأصوات إلى مقاعد وتمثيل فعلي.
لقد أثبتت تشرين قدرة قطاعات واسعة من العراقيين على التعبئة السلمية وطرح مطالب مشتركة. أما التحدي الأعمق فيتعلق بكيفية تحويل هذه الطاقة المدنية إلى حضور مستمر في الحياة العامة، سواء داخل المؤسسات المنتخبة أو خارجها، من خلال المجتمع المدني والنقابات والرقابة الشعبية والعمل الثقافي والإعلامي المستقل.
ثانياً: هل تستطيع المشاركة الشعبية قلب الموازين في العراق؟
يواجه هذا السؤال عقبتين أساسيتين: طبيعة القانون الانتخابي، ومدى استقلال المؤسسات المسؤولة عن إدارة الانتخابات.
ففي ظل نظام سانت ليغو المعدّل، باستخدام القاسم الأول 1.9، تتمتع القوائم الانتخابية الكبيرة بأفضلية نسبية على القوائم الصغيرة، ولا سيما في الدوائر التي تتنافس فيها الأحزاب على عدد محدود من المقاعد.
ولا يعني ذلك أن أصوات القوائم الصغيرة تُنقل حرفياً إلى الأحزاب الكبيرة، وإنما أن طريقة احتساب المقاعد قد تجعل حصول القوى الناشئة على تمثيل برلماني أكثر صعوبة.
ومن الطبيعي أن تثير هذه الصيغة تساؤلات بشأن عدالة التمثيل، خصوصاً عندما تكون المنافسة بين أحزاب تمتلك مؤسسات وموارد مالية وتنظيمية واسعة، وقوى سياسية أو مدنية حديثة التشكّل.
لكن المشكلة لا تتوقف عند القانون.
فهناك أيضاً مسألة ثقة المواطنين بالمفوضية العليا المستقلة للانتخابات، ومدى استقلالها عن القوى السياسية، وقدرتها على ضمان الشفافية في الاقتراع والعد والفرز وإعلان النتائج.
وهي قضية لا يمكن حسمها بالاتهامات أو التأكيدات السياسية المتبادلة، بل تحتاج إلى ضمانات مؤسسية قابلة للتحقق، تشمل استقلال القرارات، وشفافية الإجراءات، ونشر نتائج محطات الاقتراع، والسماح بالرقابة المستقلة، ووجود آليات فعالة للفصل في الطعون.
فما جدوى مشاركة جماهيرية واسعة إذا لم يطمئن المواطن إلى أن صوته سيُحتسب بصورة صحيحة، وأن المقاعد ستُوزع وفق قواعد عادلة ومعلنة؟
إن المشاركة الشعبية قادرة، من حيث المبدأ، على تغيير النتائج الانتخابية إذا تغيرت تفضيلات الناخبين، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة الاختلالات القانونية والمؤسساتية.
ولهذا فإن الدرس الأهم للعراق ليس مجرد زيادة أعداد المقترعين، وإنما بناء عملية انتخابية تستحق ثقتهم، وتجعل من المشاركة وسيلة حقيقية للتعبير عن الإرادة الشعبية.
ثالثاً: الشباب بين الاحتجاج والمشاركة السياسية
من القضايا التي تستحق الدراسة في التجربة الأمريكية دور الشباب والمتطوعين في الحملات الانتخابية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والنقاشات العامة، ومراقبة أداء المرشحين والمؤسسات.
ولا يجوز الجزم بأن الشباب هم الذين حسموا انتخابات 2026 دون بيانات انتخابية موثوقة، لكن التجارب الديمقراطية تؤكد أهمية انخراط الأجيال الجديدة في الشأن العام.
وهذا الانخراط لا يقتصر على التصويت، بل يشمل المبادرات المدنية والتوعية بالحقوق الدستورية، ومتابعة البرامج السياسية، والمطالبة بالشفافية والمحاسبة.
وبالنسبة إلى العراق، فإن تجربة تشرين تقدم مادة غنية للتفكير في العلاقة بين الحراك الاحتجاجي والعمل السياسي السلمي.
فليس مطلوباً من كل ناشط أن يتحول إلى مرشح انتخابي، كما أن العمل المدني لا ينبغي اختزاله في المنافسة على المقاعد البرلمانية. لكن من الضروري أن تتوافر أمام المواطنين جميعاً قنوات فعالة للتعبير والمشاركة والتأثير في القرارات العامة.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يُطرح على القوى السياسية العراقية هو: هل تستطيع المؤسسات القائمة استيعاب تطلعات الأجيال الجديدة وإتاحة منافسة متكافئة لها، أم أنها ما زالت تعمل وفق قواعد تحدّ من تجديد الحياة السياسية؟

رابعاً: الجاليات العربية والكلدانية والسريانية والآشورية في ميشيغان
في الجانب الآخر من المشهد الأمريكي، تبرز ولاية ميشيغان بوصفها واحدة من أهم مراكز الوجود العربي والكلداني والسرياني والآشوري في الولايات المتحدة.
ففي مدن ديربورن وديربورن هايتس وديترويت، إضافة إلى ستيرلنغ هايتس ووارن وتروي وساوثفيلد وغيرها، تعيش تجمعات سكانية كبيرة تنحدر أصولها من العراق ولبنان واليمن وفلسطين وسوريا وبلدان أخرى.
وتشير تقديرات مجتمعية متفاوتة إلى أن مجموع العرب والكلدان والسريان والآشوريين في الولاية قد يبلغ مئات الآلاف، وإن كان الوصول إلى إحصاء موحد أمراً صعباً بسبب اختلاف التعريفات الإثنية وطريقة تسجيل الأصول السكانية واحتمال التداخل بين التصنيفات.
ولا يمكن تحويل هذه التقديرات السكانية مباشرة إلى أرقام انتخابية، لأن السكان يشملون الأطفال وغير الحاصلين على الجنسية الأمريكية، فضلاً عن أن المؤهلين للتصويت لا يشاركون جميعاً في كل انتخابات.
ومع ذلك، فإن أهمية هذه الجاليات لا تكمن في أعدادها وحدها، بل في تاريخ حضورها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، وفي مشاركتها المتنامية في المؤسسات المدنية والسياسية.
لقد أصبحت قضايا التعليم والعمل والاقتصاد والهجرة والسياسة الخارجية جزءاً من النقاشات العامة داخل هذه المجتمعات، كما أن أبناءها لا يشكلون كتلة سياسية واحدة، بل تتنوع آراؤهم وانتماءاتهم وتفضيلاتهم الانتخابية.
وهذه الحقيقة مهمة لفهم طبيعة المشاركة الديمقراطية، التي تقوم على حرية الاختيار الفردي، لا على افتراض أن أبناء الأصل القومي أو الديني الواحد يصوّتون بالطريقة نفسها.
خامساً: عبد السيد والحضور العراقي والعربي في الحياة السياسية الأمريكية
من الشخصيات التي برزت في الحياة السياسية لولاية ميشيغان الدكتور عبد الرحمن عبد السيد، المعروف أمريكياً باسم عبد السيد (Abdul El-Sayed)، وهو طبيب وسياسي أمريكي من أصول مصرية، عُرف باهتمامه بقضايا الصحة العامة والعدالة الاجتماعية.
وتبرز تجربته في سياق اتساع مشاركة أبناء العائلات المهاجرة في الحياة السياسية الأمريكية، ووصول شخصيات من خلفيات ثقافية ودينية متنوعة إلى مواقع التنافس على المناصب العامة.
وقد كان عبد السيد من الشخصيات المرتبطة بالسباق السياسي على مقعد ميشيغان في مجلس الشيوخ الأمريكي عام 2026.
ولا تكمن أهمية هذه التجربة في الانتماء القومي للمرشح وحده، وإنما في قدرة المؤسسات الديمقراطية على إتاحة المجال للمنافسة السياسية أمام مواطنين ينحدرون من خلفيات اجتماعية وثقافية مختلفة.
أما تحديد النتيجة النهائية لسباق مجلس الشيوخ في ميشيغان، واسم المرشح الفائز، فينبغي أن يستند إلى النتائج الانتخابية الموثقة، لا إلى التوقعات أو الانطباعات الأولية.
وتقدم هذه التجربة فرصة للتأمل في دور الجاليات المهاجرة في المجتمعات الديمقراطية، وكيف تنتقل تدريجياً من الاهتمام بقضاياها الاجتماعية والخدمية إلى المشاركة الأوسع في الشأن السياسي العام.
سادساً: ما الذي يمكن أن يتعلمه العراقيون من هذه التجربة؟
على الرغم من الاختلاف الكبير بين النظامين السياسيين الأمريكي والعراقي، فإن هناك مبادئ عامة تستحق التأمل.
أولها أن الديمقراطية لا تكتمل بمجرد إجراء الانتخابات، بل تحتاج إلى مؤسسات مستقلة وقوانين منصفة ورقابة فعالة وثقة عامة بإمكانية تداول السلطة سلمياً.
وثانيها أن الشباب يمثلون طاقة مهمة في المجتمع، وأن مشاركتهم في الحياة العامة ينبغي ألا تبقى محصورة في فترات الاحتجاج أو المواسم الانتخابية.
وثالثها أن اختلاف الأصول القومية والدينية لا يمنع المواطنين من المشاركة في مؤسسات الدولة والمنافسة على المناصب العامة على أساس البرامج والكفاءة والحقوق الدستورية.
أما الدرس الرابع، وربما الأهم بالنسبة إلى العراق، فهو أن العلاقة بين المواطن وصندوق الاقتراع يجب أن تقوم على الثقة بأن صوت الفرد مصون، وأن النتائج قابلة للتحقق والمراجعة والمساءلة.
إن العراق، الذي شهد احتجاجات تشرين وما رافقها من تضحيات وآمال كبيرة، ما زال بحاجة إلى نقاش وطني واسع بشأن إصلاح قوانينه الانتخابية وتعزيز استقلال مؤسساته وضمان عدالة التمثيل السياسي.
كلمة أخيرة
قد تختلف التجربة الأمريكية عن التجربة العراقية في تاريخها ومؤسساتها وقوانينها، لكن السؤال الذي يجمعهما هو سؤال المواطن عن قدرته على التأثير في مستقبل بلاده.
ولا ينبغي أن تتحول المقارنة إلى دعوة لاستنساخ نموذج سياسي من بلد إلى آخر، بل إلى فرصة لفهم الشروط التي تجعل المشاركة الشعبية ذات معنى ونتائج ملموسة.
لقد طرحت انتفاضة تشرين سؤال الدولة التي يتطلع إليها العراقيون، ويبقى هذا السؤال مفتوحاً أمام المجتمع والقوى السياسية والمؤسسات الرسمية.
فالديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع تُفتح يوماً وتُغلق، وإنما منظومة تضمن للمواطن حرية الاختيار، وتحمي صوته، وتمنحه الحق في مساءلة من يحكم باسمه.
وعندما تتوافر هذه الشروط، تصبح الانتخابات أكثر من منافسة على المقاعد؛ تصبح وسيلة سلمية لترجمة الإرادة الشعبية إلى تمثيل سياسي، وتفتح الطريق أمام تجديد الحياة العامة وبناء مستقبل أفضل.







