تصدر مرشح اليمين المتطرف فلافيو بولسونارو الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية ، بحصوله على 47% من الاصوات، متقدمّا بأكثر من مليوني صوت على الرئيس المنتهية ولايته، الذي يواجه معسكره ايضّا انتكاسات في البرلمان وعلى مستوى الولايات .

توشك البرازيل أن تصبح الدولة الثامنة على التوالي في أمريكا الجنوبية التي تمنح الفوز الرئاسي لتيار يميني مستعد للتحالف مع ترامب، إذ يواجه الرئيس اليساري المنتهية ولايته لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، صعوبات جمة للحفاظ على السلطة في الانتخابات في الجولة الثانية في 25 اكتوبر/تشرين اول المقبل. وقد سجل معسكره السياسي بأكمله نتائج متواضعة في كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ وعلى مستوى الولايات في بلد يربو عدد سكانه على 212 مليون نسمة، مما يجعله ثقلاّ ديموغرافياّ جيوسياسياّ واقتصادياّ بارزاّ في القارة.

في يوم الاحد 4 أكتوبر/تشرين اول، وخلال الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية تفوق منافسه المنتمي إلى اليمين المتطرف، فلافيو بولسونارو، بأكثر من مليوني صوت على مرشح " حزب العمال" الذي سيحتفل قريبا بعيد ميلاده الحادي والثمانين. وقد حصل السيناتور البالغ من العمر 45 عاما وهو نجل رئيس الدولة السابق جايير بولسونارو، الذي يقضي عقوبة بالسجن لمدة سبعة وعشرين عامّا بتهمة محاولة الانقلاب، على 47% من الاصوات( اكثر من 56 مليون صوت)، مقابل 45.2%( ما يقرب من 54 مليون صوت)إلى لولا.

مقارنة بانتخابات عام 2022، حين واجه لولا بولسونارو الأب، يبدو تراجع موقفه جلياّ. ففي ذلك الوقت ، كان قد حصل على 48.4% من الاصوات مقابل 43.2% لجايير بولسونارو، وحقق الفوز بصعوبة في الجولة الثانية بفارق يقل عن نقطتين مئويتين. أما هذه المرة، فهو من يعاني من التأخر، ودون وجود رصيد واضح من الاصوات يمكن التعويل عليه. ومن بين الترشيحات الثلاثة التي تجاوزت نسبة 2% ينتمي اثنان إلى تيار الوسط، بينما يُصنف الثالث وهو ريتان سانتوس من حزب أقصى اليمين .

وسط هتافات أنصاره المحتشدين أمام مقر حزب العمال في ساو باولو، وصف لولا، الذي يخوض سباقا انتخابيا للمرة السابعة سعيا لولاية رابعة، النتيجة بأنها غير متوقعة، وقال معبراّ عن خيبة أمله " كنت واثقاّ من الفوز من الجولة الأولى" واضاف " سنبرز ما تم انجازه وما يتوقع المجتمع منا القيام به، فلا يوجد أحد سوانا قادر على منح المجتمع البرازيلي مستقبلاّ".

يكمن مفتاح الفوز للولا في الجولة الثانية المقررة في 25 أكتوبر، في قدرته على اقناع جزء من الناخبين الذين أحجموا عن التصويت في الجولة الاولى ، إذ لم يتوجه نحو 33 مليون شخص إلى صناديق الاقتراع ،أي ما يعادل 21.08% من أجمالي الناخبين. وتُعد هذه النسبة الأعلى السجلة في الجولة الأولى منذ 1998 وأن كانت قريبة من النسبة السجلة قبل اربع سنوات التي بلغت 20.95%. علاوة على ذلك، وضع 2.3 مليون شخص أوراقا بيضاء ( أي 1.84% من اجمالي الاصوات) في حين بلغت نسبة الاصوات الملغاة 2.93% وهوما يمثل اكثر من 5.6 مليون ناخب ومقارنة بعام 2022، فإن " البرازيل الثالثة" حسب تعبير عالم السياسة فريدريك لوالت، لا تجد نفسها لا في " اللولية" نسبة إلى لولا ولا في "البولسونارية" نسبة إلى بولسونارو.

صرح لولا، الذي تفاخر بأنه " بارع في المبارزات" قائلاّ " سنبذل قصارى جهدنا لحث الناس على التوجه إلى صناديق الاقتراع ، إذ من الضروري للغاية أن يُدلي السكان بأصواتهم في هذه المرحلة التاريخية التي تمر بها البرازيل" وأضاف " غداّ تبدأ حملة جديدة". حاول لولا تسليط الضوء على انجازاته الاقتصادية وبرامجه الاجتماعية في الايام الاخيرة من حملته الانتخابية ، لكنه عانى من تداعيات البقاء طويلاّ في السلطة ومن رفض حزب العمال بسبب فضائح الفساد وانعدام الأمن، وفي حين ركز منافسه على ارتفاع أسعار اللحوم والرز والفاصوليا وعلى مشكلة انعدام الأمن .

أعلن فلافيو بولسونارو من مقر حملته الانتخابية في برازيليا، نهاية حقبة حزب العمال وقال مؤكداّ " هذا ما يجب استخلاصه اليوم " البرازيل تريد التغير" واصفا أرثا كارثيا تمثل " أعداد قياسية من النساء اللواتي قُتلن، أعداد من البرازيليين المثقلين بالديون، ومن الضرائب المرتفعة، وحالات اليأس، والشركات التي أغلقت ابوابها" . وأوضح أنه يعتزم حظر أي إمكانية لإعادة انتخابه في حال فوزه بالمنصب إذ قال " تكفيني ولاية واحدة لأضع البرازيليين والبرازيليات في صلب حكومتي ، واتمكن بذلك من التصدي لمشاكل البرازيل الحقيقية وحلها " كما تعهد بإصدار عفو عن والده إذا ما وصل هو نفسه إلى السلطة .

أعلن الكاتب أغوستو كوري مرشح حزب افانتي( الوسطي) الذي حل في المركز الثالث بحصوله على 3.4 مليون صوت، أنه لن يوجه ناخبيه بشأن التصويت ، حيث كتب على حسابه في شبكات التواصل الاجتماعي " سألتزم الصمت"

تُظهر نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية انقساما جغرافياّ في البلاد، فقد حلّ لولا في المركز الأول في جميع الولايات الشمالية ، باستثناء ولاية واحدة في اقصى الشمال . ويعكس هذا المشهد القاعدة الانتخابية التقليدية لمرشح حزب العمال في المناطق الطرفية للبلاد وضوحي المدن الكبرى حيث تتركز الفئات السكانية الاقل حظاّ من حيث الثروة والنفوذ، ومع ذلك فإن هذه المواقع تشهد تراجعاّ، إذ خسر لولا ما بين نقطتين وثلاث نقاط في الولايات الشمالية مقارنة بعام 2022 ،

يهمين منافسه المنتمي إلى اليمين المتطرف على المناطق الوسطى والجنوبية ، إذ يحقق فلافيو الفوز وعلى وجه الخصوص في الولايات الثلاث التي تضم أكبر ثلاثة تجمعات حضرية في البلاد وهي ولايات ميناس جيرايس( حيث كان والده قد حل ثانيا قبل اربع سنوات) وريو دي جلنيرو، وساو باولو بفارق يصل إلى نحو 14 نقطة في الولايتين الأخيريتين.

صّوت البرازيليون يوم الاحد أيضاّ لتجديد كامل اعضاء الكونغرس وثلثي أعضاء مجلس الشيوخ ،وكذلك لتجديد مجالس التشريعية في الولايات البرازيلية المختلفة وانتخاب حكامها. ولا تزال النتائج غير مكتملة، إلا أن القوى المحافظة حققت فوزاّ في الانتخابات التشريعية ، ولا سيما في مجلس الشيوخ، حيث انتخب عضوان أخران من عائلة بولسونارو، السيدة الاولى السابقة ميشيل بولسونارو وكارلوس بولسونارو وهو شقيق فلافيو. ومهما كانت التطورات، سيمتلك تيار بولسونارو اليميني نفوذاّ فيما يتعلق بالتعينات الحكومية، وسيكون قادراّ على قيادة حملة للمطالبة بالعفو عن اعضائه الذين أدينو على خلفية محاولة الانقلاب عام 2022 .

من بين الحكام المنتخبين في الجولة الاولى، يُعد رافائيل فونتيليس 41 عام، المنتمي لحزب العمال والحاصل على أكبر نسبة من الاصوات 70% حيث اعيد انتخابه حاكما لولاية في شمال البلاد ، وغالبا ما ينظر اليه باعتباره احد الورثة المحتملين للولا في صفوف حزب العمال . كما انُتُخب اثنان اخران من رفاقه في نفس المنطقة . غير أن هذه الانتصارات الثلاثة لا تعكس بأي حال واقع الانتخابات التي جرت لاختيار حكام الولايات الفيدرالية الست والعشرين، وهناك مرشح اخر من حزب العمال حاضراّ في الجولة الثانية، اما بقية المناطق، فتهمين قوي اليمين واليمين المتطرف بشكل واسع ، حيث تصدرت هذه القوى النتائج في قرابة عشرين ولاية وقد حسم الفوز بالفعل في خمسة مناطق .

حققت شخصيات من حزب الجمهورين وهو حزب حليف لبولسونارو انتصارات من الجولة الاولى في ولاية ساو باولو وكذلك ةلاية ميناس. كما اشارت " ال باييس" الاسبانية ، إلى أن فوز اليمين المتطرف في ولاية ساو باولو، التي تضم وحدها خمس السكان يحمل دلالة رمزية مزدوجة، فمن ناحية يكمن ذلك في حجم الفوز، إذ لم تشهد انتخابات من هذا النوع حسما من الجولة الاولى منذ اثنى عشر عاماّ. من ناحية اخرى ، يتعلق الامر بطبيعة الفائز حيث طالما مٌنى اليسار بالهزيمة أمام مرشحي تيار يمين الوسط . وأن فوز مرشح اليمين المتطرف بهذه السهولة يظهر " كيف ذاب اليمين التقليدي في فلك بولسونارو"

 ستكون لنتائج الجولة الثانية تداعيات إقليمية لا يمكن إنكارها، في حال عادت ثاني أكبر اقتصاد في القارة إلى نهج " البولسونارية" . كما سيُعد ذلك انتصاراّ لإدارة ترامب التي أكدت مجدداّ عزمها على بسط سيطرتها على أمريكا اللاتينية . لقد صَبت النتائج الرئاسية السبع الاخيرة التي جرت في انحاء القارة، منذ عودة ترامب إلى البيت الابيض ، في مصلحته وهي ( انتخابات، بوليفيا، تشيلي، كوستاريكا، الاكوادور، هندوراس وبيرو).

ستشكل الهزيمة في 25 أكتوبر إلى لولا نهاية مسيرة استثنائية بدأت بالعمل النقابي في أواخر سبعينيات القرن الماضي، هي مسيرة تحول خلالها إلى أحد أبرز القادة على الساحة الدولية بعد توليه رئاسة بلاده بثلاث دورات بين عامي 2003 و 2010 ، تلتها عودة لافتة عام 2023,

 ميديا بار 05 اكتوبر/تشرين اول 2026