في هذا اليوم، الأول من تشرين الأول، تمر الذكرى السابعة لانتفاضة تشرين المجيدة، التي يحتفي بها كل عام الوطنيون  العراقيون الأصلاء والشرفاء، وفاءً واحتراما وتقديراً لشهدائها الأبرار ولجرحاها البواسل..

  ولعل أقوى ضربة موجعة تلقتها الطغمة الحاكمة  حين شارك الملايين من العراقيين والعراقيات في حراك تشرين، معلنين رفضهم وإدانتهم الصريحة لمنظومة الفساد والمحاصصة الطائفية والإثنية ونهب أموال الدولة وتقاسم المغانم، مطالبين بوطن يعيشون فيه حياة حرة كريمة، ودولة مدنية ديمقراطية حقيقية تؤمن لكل المواطنين ظروفاً معيشية أفضل، وعدالة اجتماعية، ومستقبل زاهر.

بدلا من الاستجابة للمطالب المشروعة لملايين المواطنين، أوعزت السلطة الجائرة لجحافل قواتها القمعية ومليشياتها المارقة، بالتصدي  للمتظاهرين والمعتصمين السلميين، واقترفت بكل استهتار وحقد وكراهية أبشع المجازر، في ساحات التحرير والخلاني ووهران بالثورة وعلى جسري الجمهورية والأحرار ببغداد وعلى جسر الزيتون، وأمام مقر مديرية شرطة ذي قار، بالناصرية، وفي  ساحات الاحتجاج في الكوت والعمارة والبصرة والنجف وكربلاء والديوانية والحلة وبعقوبة  والسماوة، مستخدمة الرصاص الحي والانشطاري والصجمي وكاتم الصوت، والقنابل "الدخانية" الغازية السامة والقاتلة، وأسلحة أخرى محرمة دولياً، وقتلت بدم بارد 1200 شاب وشاب، وجرحت أكثر من 30 ألف اَخرين، منهم نحو 7 اَلاف أصيبوا بعاهات جسدية مستديمة. الى جانب المئات من المختطفين والمعتقلين والمعذبين والمغيبين. ولم يسلم من القمع الدموي، على أيدي القوات القمعية الآثمة، وبلطجية المليشيات المسلحة، حتى الأطفال الصغار والصبيان والفتيان..

وأثبت القتلة من أحزاب الإسلام السياسي الشيعي بأنهم متدربون وممارسون للقمع الدموي والقتل العمد على أيدي ضباط الأجهزة القمعية لنظام البعث الفاشي، الذين أعاد المالكي منهم نحو 28 ألفاً ووضعهم في مؤسسات حساسة. وأثبتت الطغمة الحاكمة أنها لا تتورع عن اقتراف  المجازر والإبادة الجماعية، لحماية كرسي الحكم، وهي لم تأت سوى لخراب المجتمع ولنهب أموال الشعب، ولن تبني وطن يتسع للجميع، ولا دولة يعيش فيها الجميع متساوين في الحقوق والواجبات. وأرجعت العراق مائة عام للوراء.

لقد ولِدَت انتفاضة تشرين المجيدة من رحم الشارع العراقي وهمومه. وجاءت عفوية، لا وصاية عليها من قبل الأحزاب السياسية، وبعيدة كل البعد عن التحزب والطائفية والعشائرية والتعصب المذهبي والقومي. وبذلك لجمت أفواه من اتهموا ثوار تشرين بأنهم "جوكرية" و"عملاء سفارات "و "أبناء رفيقات"، وما الى ذلك من إساءات وتشويه سافر للحقيقة.

لقد أعلن ثوار تشرين الشجعان بصوت ملايين العراقيين والعراقيات رفضهم للمنظومة السلطوية الفاسدة، ولنهج المحاصصة الطائفية والإثنية وتقاسم المغانم. وعبروا، رغم قلة التجربة والخبرة النضالية، خاصة التنظيمية، عن وعي ونضوج وإدراك جيد لطبيعة المهمة التي نهضوا بها، وسبل مجابهة المنظومة السلطوية، وكشفوا حقيقتها وعروها كسلطة مستبدة وجائرة لا تتورع عن سفك دماء أبناء وبنات الشعب لمطالبتهم بحقوقهم المشروعة.

وكانت السلطة قد اختلقت، تنصلا من مسؤولية قتل المتظاهرين السلميين " طرفاً ثالثاً" مجهول الهوية، وأرادت طيلة السنوات المنصرمة إقناع السذج بلن قاتل شباب تشرين "شبح "، وان الدم الذي غطى ساحات بغداد والناصرية والبصرة والعمارة والحلة والنجف وكربلاء والكوت وبعقوبة والديوانية والسماوة، وغيرها، "لا تعرف" من سفكه، ولا "من أمر بسفكه"، بينما شاهد الملايين قوات الشغب وسوات والمسلحين الملثمين وبزي أسود ( المليشيات) هم من كانون يقتلون ويصيبون المتظاهرين السلميين.

وبما ان حبل الكذب قصير، فها ان "الطرف الثالث" قد انكشف، بلسان أحد زعامات "الإطار التنسيقي" الشيعي، هادي العامري، قد اعترف بكلمة مكتوبة بأن "المقاومة الجهادية"، أي المليشيات الشيعية المارقة، هي التي قامت بالقمع الدموي وقتل  المئات من شباب وشابات حراك تشرين "دفاعاً عن النظام السياسي" إياهم.

من ردود الفعل على تصريحه:

    علق أ. عدنان الطائي:" أخيراً عرفنا من هو الطرف الثالث قالها العامري بلا مواربة : "المقاومة" . وكانت السلطة تلوك بخطاب الإنكار، وتغليف القناص بهوية "المجهول"، المجهول الذي هشم جماجم الشباب اليافعين، واخترق صدورهم بالرصاص، وخطف الناشطين وغيبهم، وطارد من نجى منهم بكواتم الصوت..

  العامري تعمد تعريف "المقاومة" من خلال وظيفتها.. وهذا إقرار واعتراف جاء بعد تغول السلاح ونجاح ممارسات الترهيب، وتفكيك جبهات الاعتراض ".

وكتب د. رائد فهمي :"ان اطلاق القوى السلطوية توصيف "الفتنة" على الاحتجاجات والنشاط المعارض يهدف إلى نزع شرعية المحتجين، بنقل الخلاف من مجال السياسة والمطالب والحقوق إلى مجال التهديد والفوضى، وبالتالي تبرير مواجهتها وقمعها".

وتحت عنوان:" أقمار تشرين، أهؤلاء فتنة ؟، كتب أ. فلاح المشعل: "زهور البلاد وأبطالها، وجوهٌ طافحة بالحب للعراق، وأرواحٌ حالمة بعراقٍ يخلو من الفاسدين والعملاء والقتلة!

  بربكم، هل هذا الجمال المتنوّر، المتضوع بأريج الحرية من أجل وطنٍ حر، وأحلامٍ تتسلق المستقبل، أهؤلاء فتنة ؟

   ثوار انتفاضة تشرين يمثلون الطليعة الواعية، الشجاعة، المعبرة عن حقيقة الرفض الشعبي الوطني العام لنظام المحاصصة والانحراف عن الدستور والحق والعدالة !

  أهؤلاء يُقتلون باسم "المقاومة"، للحفاظ على نظام اللصوص الأراذل الذين استباحوا البلاد، ونهبوا خيراتها، وأفقروا شعبه ا؟

    أية "مقاومة" تلك التي تدافع عن أفسد نظام سياسي في التاريخ ؟!"..

وعلق أ. حسين العامل:" المقاومة التي تقمع تظاهرات سلمية دعمها الشعب وباركتها المرجعية الدينية ، هي مقاومة ليست وطنية !"..

ووصف د. محمد نعناع:" تشرين كانت الفرقان الوطني، وكانت بوصلة حب الوطن، وسفينة النجاة التي من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهلك في دهاليز العمالة والفساد والطائفية، وما صولة الفجر عنك ببعيد "..

وكتبت الشابة لوديا ريمون:" يا من تملكون ذاكرة تشبه ذاكرة السمكة: تذكروا تشرين قبل أن تخونوا دماءها وتخونوا من بقى حيا منها..أنا كنت هناك، كنت واحدة من أولئك الذين وقفوا في الساحات، ورفعوا أصواتهم بوجه الخوف، وحلموا بوطن لا يحكم بالخوف ولا يُدار بالرصاص..

    كنت بين أولئك الذين خرجوا لا ليأخذوا سلطة، ولا ليحملوا سلاحا.. بل ليقولوا: نريد وطنا

    ولهذا بعد كل هذه السنوات أقولها بفخر: أنا ابنة تشرين… وأتشرف بما أحمله في ذاكرتي وانا شابة اني كنت جزءا منها.

   قد تستطيعون دفن الأجساد…لكنكم لن تستطيعوا دفن تشرين وطمس هويتها الوطنية  !

  وقد تستطيعون إسكات الشوارع…لكنكم لن تستطيعوا إسكات ذاكرة جيل كامل عرف حقيقة مقاومتكم الجبانة

   أنا فخورة اني كنت هناك.. وأخجل فقط من يوم يصبح فيه نسيان دماء تشرين فضيلة.

   تشرين لم تكن فتنة... تشرين كانت صرخة وطن…

   تشرين لم تكن فتنة…تشرين كانت وطنا ونحن كنا أبناءه!

  تشرين لم تنتهِ بانتهاء الاعتصامات، بل تحولت إلى جذوة مقدسة تستعر في نفوس الأجيال".

   ودعا الاتحاد الديمقراطي العراقي الى "محاسبة قانونية عن جرائم القتل والتعذيب والإخفاء القسري التي رافقت قمع الاحتجاجات.وأكد أن جرائم قتل المتظاهرين وتعذيبهم وإخفائهم لا تسقط بالتقادم"..

  وحتى يتحقق ذلك، ستظل دماء شهداء تشرين والام جرحاها أمانة وطنية بأعناق كل الشرفاء، ولن تتحقق العدالة والإنصاف من دون كشف الحقيقة كاملة ومحاسبة المسؤولين عن قتل وجرح الآلاف من شبيبة العراق المطالبين بحقوقهم المشروعة !.

 وستبقى انتفاضة تشرين الخالدة محطة بارزة في نضال شعبنا من أجل التغيير الشامل، وشعلة متوقدة تضيء الطريق نحو الدولة المدنية الديمقراطية الحقيقية، دولة المؤسسات الدستورية، الضامنة لحقوق الإنسان والحياة الكريمة المزدهرة والمستقبل الأكثر إشراقة للغالبية العظمى من المواطنين العراقيين.

   وسيواصل شعبنا استذكار ثوارها بكل فخر واعتزاز لدورهم البطولي، الذي جعل من ثورة الحراك التشريني السلمية ان تشكل بامتياز منعطفاً نضالياً هاماً وعلامة مضيئة فارقة في تأريخ العراق المعاصر، وحملت روح التحدي والأصرار على تحقيق المطالب العادلة للغالبية العظمى من المواطنين والمواطنات في الحياة الحرة الكريمة، والقضاء على  دولة  الفوضى والفساد والمحاصصة الطائفية والإثنية وسرقة أموال الشعب وتقاسم المغانم وإفقار الغالبية العظمى منه.