ليس من السهل على شعب دفع ثمناً باهظاً من دماء أبنائه، وخاض عقوداً من النضال والثورات والانتفاضات، أن يرى مكتسباته السياسية والعسكرية عرضة للخطر بسبب استمرار الصراعات الحزبية وعدم استكمال بناء مؤسسات وطنية موحدة في إقليم كوردستان.

فالقرار الأميركي بوقف المعونات المالية المخصصة لقوات إقليم كوردستان، على خلفية عدم إحراز التقدم المطلوب في توحيد قوات البيشمركة وتنظيمها، ينبغي ألا يُنظر إليه بوصفه مجرد خلاف مالي بين واشنطن وأربيل، بل باعتباره جرس إنذار سياسياً وعسكرياً يستحق التوقف عنده طويلاً.

وبحسب المعلومات المتداولة، كانت الولايات المتحدة قد صرفت خلال العام الحالي نحو 61 مليون دولار من المعونات المخصصة للبيشمركة، فيما ارتبط استمرار الدعم منذ سنوات بمطالب أميركية واضحة تتعلق بإصلاح قوات البيشمركة، بعيداً عن الانقسام الحزبي بين القوات المرتبطة بالحزب الديمقراطي الكوردستاني وتلك المرتبطة بالاتحاد الوطني الكوردستاني.

وهنا يبرز السؤال الذي لا يجوز الهروب منه:

إلى متى تبقى البيشمركة، التي هي رمز لنضال الشعب الكوردي، موزعة عملياً بين نفوذ الأحزاب بدلاً من أن تكون قوة وطنية موحدة تابعة لحكومة وبرلمان إقليم كوردستان؟

البيشمركة ليست ملكاً للحزب الديمقراطي الكوردستاني، وليست ملكاً للاتحاد الوطني الكوردستاني، ولا لأي حزب أو عائلة سياسية. إنها نتاج تاريخ طويل من تضحيات الشعب الكوردي، وقد سقط عشرات الآلاف من الشهداء من أجل أن يصل كوردستان إلى ما وصل إليه اليوم. ومن هنا فإن تحويل هذه القوة إلى تشكيلات مرتبطة بهذا الحزب أو ذاك لا يضر فقط بسمعة الإقليم أمام حلفائه، وإنما يهدد أحد أهم أسس الكيان السياسي الكوردي نفسه.

لقد حان الوقت لكي يتحمل الحزب الديمقراطي الكوردستاني، بوصفه القوة السياسية الأكثر نفوذاً في حكومة الإقليم، مسؤوليته في هذا الملف، كما يتحمل الاتحاد الوطني الكوردستاني مسؤوليته أيضاً. فلا يجوز أن تكون المصالح الحزبية أو حسابات النفوذ أهم من المصلحة القومية العليا للشعب الكوردي. وما الذي يمنع بعد كل هذه السنوات من وجود جيش كوردستاني موحد؟ ماالذي يمنع أن يكون قرار السلاح والحرب والسلم بيد المؤسسات الشرعية وحدها؟ وما الذي يمنع أن يرتدي المقاتل زياً واحداً ويحمل عقيدة عسكرية واحدة ويأتمر بأوامر وزارة البيشمركة، بدلاً من أن يبقى ولاؤه التنظيمي مرتبطاً بهذا الحزب أو ذاك؟ إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يدفع المواطن الكوردي ثمن صراع لم يختره، وأن تتعرض المكتسبات التي تحققت منذ انتفاضة 1991 وما بعدها للخطر بسبب الإصرار على إبقاء مؤسسات الإقليم موزعة بين مراكز القوى الحزبية. والدعم الأميركي، مهما بلغت أهميته ليس أبدياً. والتحالفات الدولية تقوم على المصالح والالتزامات المتبادلة، وليست شيكاً مفتوحاً لأي طرف. ولذلك فإن الاعتماد الحقيقي يجب أن يكون على بناء مؤسسات قوية وموحدة تستطيع حماية الإقليم سواء استمر الدعم الخارجي أو توقف.

وعلى القيادات السياسية وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني أن تدرك أن التاريخ لن يغفر لمن يضع المكاسب الحزبية فوق المصالح القومية لشعب قدم تضحيات هائلة من أجل حريته وكرامته.

وإذا كان قرار وقف الدعم الأميركي إنذاراً، فيجب أن يكون إنذاراً أخيراً يدفع أربيل والسليمانية إلى إنهاء ازدواجية القوات، وتوحيد البيشمركة فعلياً لا شكلياً، قبل أن يأتي يوم تكون فيه خسارة الدعم المالي أصغر الأثمان التي سيدفعها شعب كوردستان.