
حين يفيض النهر، لا يطلب من البيوت بطاقات هويتها، ولا يتوقف عند أبواب المعابد ليميز بين تمثال بوذا ومئذنة مسجد وصليب كنيسة. وحين ترتجف الأرض، لا تفتح سجل العقائد قبل أن تهدم الجدار، ولا تسأل الطفل النائم عن صلاة أبيه، ولا الأم المذعورة عن المذهب الذي ورثته، ولا الشيخ العاجز عن الطريق الذي سلكه إلى الله. الطبيعة لا تعرف هذه الحدود التي رسمناها نحن، ولا تحمل قاموس الكراهية الذي وضعناه في أفواه الكوارث. إنها تتحرك بقوانينها العمياء، وقد تصيب بيت الصالح كما تصيب بيت الخاطئ، وتقتلع شجرة أثمرت للناس كما تقتلع أخرى لم تمنحهم غير الظل. لكن الإنسان، حين يعجز عن فهم الفاجعة، يحاول أحياناً أن يجعلها شاهداً لمصلحته، فيقف على أنقاض الآخر ليعلن انتصار معتقده، كأن موت الأبرياء برهان، وكأن الغريق خسر حياته في مناظرة لم يعلم أنه دخلها. انتشرت صور تماثيل بوذا الغارقة في فيضانات النيبال، فوجد فيها بعضهم مناسبة للتشفي، وقالوا إن الآلهة لم تستطع حماية نفسها. غاب عنهم أن المسجد قد تهدم في الزلزال، وأن الكنيسة قد احترقت، وأن المعبد قد ابتلعه الماء، وأن الكعبة نفسها أصابها عبر التاريخ حصار وعدوان وهدم، ولم يقل مؤمن عاقل إن سقوط الحجارة يعني سقوط الإيمان. فالمقدس لا تقاس حقيقته بصلابة الجدران، ولا تختبر مكانته بقدرة تمثال أو قبة أو مئذنة على مقاومة الماء والنار. الحجر مادة، مهما عظمت رمزيته، والإنسان هو القيمة التي أقيمت من أجلها دور العبادة، وشيدت في سبيل تهذيبها الرموز والمعابد. لذلك لا ينبغي أن نسأل، أمام مشهد الفيضان، لماذا لم يدافع التمثال عن نفسه، بل ينبغي أن نسأل: من يدافع عن الطفل الذي جرفته المياه؟ من يمد يده إلى الأم التي فقدت بيتها؟ من يعيد إلى الإنسان كرامته بعد أن صار رقماً في نشرة الأخبار؟ هناك يبدأ الامتحان الحقيقي للعقيدة، لا في الشماتة بالحجر الغارق، بل في إنقاذ الإنسان الذي كان يقف إلى جواره.
حين نحول الكارثة إلى محكمة
ما أسرع الإنسان إلى توزيع أحكام السماء حين تقع المصيبة بعيداً عن بيته، وما أبطأه في استعمال اللغة نفسها حين تدنو النار من ثوبه. عندما ضرب تسونامي شواطئ إندونيسيا وقتل عشرات الآلاف، ارتفعت أصوات تفسر الموجة بأنها عقوبة على ذنوب العباد. لم يتوقف أصحاب هذه الأحكام أمام الصياد الفقير الذي كان يخرج عند الفجر بحثاً عن قوت أطفاله، ولا أمام العاملة التي لم تملك من الدنيا إلا غرفة صغيرة وثياباً معلقة على حبل، ولا أمام رضيع لم يتعلم بعد معنى الذنب. صار الضحايا في خطاب الوعظ المتعجل متهمين، وصارت المأساة ملف إدانة، كأن الفقير الذي يعيش بعرق يومه هو من أفسد الأرض، وكأن أصحاب الثروات الهائلة، والحروب الكبرى، والمصانع الملوثة، وشبكات الاستغلال، يقيمون خارج دفتر الحساب. وحين وقعت الزلازل في مدن إسلامية، أو سقطت رافعة في مكة فقتلت عشرات الحجاج، خفتت لغة العقوبة، وحضرت لغة الابتلاء والشهادة والرحمة. هنا ينكشف الخلل، لا في الإيمان بحكمة تتجاوز فهم الإنسان، بل في تحويل هذه الحكمة إلى أداة انتقائية نرفع بها من نحب ونطعن من نكره. وقد عبّر نجيب محفوظ عن هذه الازدواجية بعبارة بالغة النفاذ: إذا مرض من نحب قلنا كفارة، وإذا مرض من نكره قلنا عقوبة، فلا توزعوا أقدار الله على هواكم. إن هذه الكلمات لا تنكر الإيمان، بل تحميه من أهوائنا، وتمنعنا من ارتداء ثوب القاضي ونحن لا نعرف من أسرار الوجود إلا قليلاً. الكوارث قد ترتبط بحركة الصفائح، أو باضطراب المناخ، أو بخطأ هندسي، أو بإهمال بشري، أو باستغلال جائر للطبيعة. وكلما اتسعت معرفتنا ظهرت أسباب كانت مجهولة، وسقطت تفسيرات تسرعت في اتهام الضحايا. واجبنا الأخلاقي ألا نضيف إلى موت الإنسان إهانة، وألا نجعل من جراحه منصة لإثبات تفوقنا. فالدين الذي لا يوقظ الرحمة في لحظة الخراب يتحول على ألسنة المتعصبين إلى قسوة، والوعظ الذي لا يمسح دمعة المنكوب يصبح ضجيجاً فوق أنقاض بيته.
بوذا الذي لم يطلب عرشاً
كثير من العدوانية يبدأ من اسم لم نفهمه، أو صورة حكمنا عليها قبل أن نقترب من معناها. هكذا نظر بعض المسلمين إلى تماثيل بوذا، فرأوا فيها آلهة ضخمة يعبدها الناس، ولم يحاولوا التمييز بين العبادة والتوقير، أو بين الرمز وما يمثله، أو بين التعاليم الأولى وما أضافته إليها الأزمنة والثقافات. والبوذية، في صورتها التاريخية والفكرية، تقليد روحي وأخلاقي واسع، تتداخل فيه الفلسفة بالدين، وتختلف مدارسه في الاعتقاد والطقوس والتأويل. لذلك لا يصح اختزالها في عبادة تمثال، كما لا يصح اختزال الإسلام في التعلق بضريح، أو المسيحية في صورة قديس معلقة على جدار كنيسة. لم يقدم بوذا نفسه إلهاً خالقاً، ولم يعلن أنه نبي بالمعنى الذي تعرفه الديانات الإبراهيمية. كان معلماً يبحث في معاناة الإنسان، ويرى أن جانباً كبيراً منها ينشأ من التعلق والرغبة الجامحة والوهم، وأن طريق التحرر يمر عبر الانضباط الأخلاقي، والتأمل، والوعي، وتخفيف أسر الشهوات. وكلمة بوذا تعني المستنير أو المستيقظ، فهي وصف لحالة من البصيرة وليست اسماً لإله ينازع السماء سلطانها. أما التماثيل الضخمة، فقد نشأت ضمن ثقافات ربطت عظمة الرمز بحجمه وحضوره البصري، فأصبح التمثال وسيلة لاستحضار المعلم وقيمه، لا جسداً حجرياً يملك دفع الفيضان أو إيقاف الزلزال. والانحناء أمامه، أو وضع الزهور عنده، قد يكون في وعي ممارسيه علامة توقير وامتنان، مثلما يقف إنسان باحترام أمام ضريح ولي، أو صورة قديس، أو قبر أب صالح. وقد تحولت بعض الممارسات، عبر القرون، إلى طقوس وقرابين وتصورات متباينة، لكن ذلك لا يمنحنا حق محاكمة مئات الملايين من خلال لقطة مبتورة أو تعليق ساخر. المعرفة الصادقة لا تطلب منا اعتناق معتقد الآخر، بل تمنعنا من تزويره. نستطيع أن نختلف معه، وأن ننقد أفكاره، وأن نبقى أوفياء لعقائدنا، من دون أن ننزع عنه إنسانيته أو نسخر من رموزه ساعة محنته. فالاختلاف النبيل لا يحتاج إلى جثة كي ينتصر، ولا إلى معبد غارق كي يثبت نفسه.
لكي يكون الإنسان بيتنا الأخير
الدين في ذروته تهذيب للنفس، لا تفويض مفتوح للحكم على مصائر العباد. إنه تدريب على مقاومة الغرور، لا وسيلة لمنحه لغة مقدسة. فإذا جعل المؤمن من كل كارثة تصيب الآخرين دليلاً على فسادهم، ثم جعل الكارثة التي تصيبه امتحاناً لفضيلته، فقد عبد هواه وهو يظن أنه يدافع عن الله. وإذا وقف أمام موت إنسان مختلف عنه فلم ير الجسد المرتجف ولا القلب الذي كان يحب ويخاف ويحلم، بل رأى فرصة لإعلان الغلبة، فقد أضاع جوهر الرحمة وسط صخب الشعارات. ليست الإنسانية عقيدة بديلة، ولا مساومة على إيمان أحد. إنها الأرض الأخلاقية التي تمنع العقائد من التحول إلى سكاكين. يستطيع المسلم أن يرى في المسجد بيتاً لله، والمسيحي أن يرى في الكنيسة فضاء للخلاص، والبوذي أن يرى في تمثال معلمه تذكرة بطريق الاستنارة، ويبقى الجميع قادرين على الاجتماع حول جسد جريح يحتاج إلى دواء، وطفل يحتاج إلى مأوى، ومدينة تحتاج إلى يد تعيد بناءها. ما قيمة أن نربح جدالاً فوق أنقاض قرية، ونخسر الإنسان الذي كان يمكن أن يكون أخاً لنا؟ وما جدوى أن نثبت هشاشة تمثال، بينما نكشف في اللحظة نفسها هشاشة الرحمة في قلوبنا؟ الطبيعة محايدة، لكن الإنسان ليس مضطراً إلى أن يكون محايداً أمام الألم. يستطيع أن ينحاز، لا إلى الزلزال ولا إلى الفيضان، بل إلى الضحية. يستطيع أن يجعل من الكارثة جسراً للتضامن، ومن الخوف لغة مشتركة، ومن النجاة عهداً بألا يترك أحداً وحيداً. عندما يغرق معبد، لا ينبغي أن ترتفع الضحكات، بل الأيدي. وعندما تسقط مئذنة، لا ينبغي أن يشمت المختلف، بل أن يفسح الطريق لسيارة الإسعاف. وحين تنهار كنيسة أو ينهدم منزل أو يجرف الماء تمثالاً، علينا أن نتذكر أن الحجارة، مهما قدست أو عظمت، يمكن تعويضها، أما الإنسان فلا تعيده هندسة ولا تنحت ملامحه يد. لعل أرفع ما يمكن أن نتعلمه من الكوارث أنها تفضح صغر خصوماتنا أمام اتساع الموت، وأن الناجي الحقيقي ليس من خرج من تحت الركام وحده، بل من خرج منه بقلب أقل كراهية. يومئذ فقط تنحاز الطبيعة لنا، لا لأنها أعفتنا من قوانينها، بل لأننا واجهنا قسوتها بما يجعلنا جديرين باسم الإنسان.







