
مشاركة المواطنين في كشف مرتشين وليس فاسدين في دائرة معينة أمر ممكن، كونهم يتعاملون معهم بشكل مباشر. فالمواطن العادي قد يبلغ عن موظف يطالبه برشوة لأنجاز معاملته، او يلاحظ تجاوزا اداريا في دائرة معينة اثناء مراجعته لها فيشتكي ذلك الموظف، وعليه فأن طلب رئيس الوزراء من المواطنين الابلاغ عن الفاسدين مقابل مكافئات مالية، يحمل بين طياته الكثير من التساؤلات، وبعض هذه التساؤلات قد تتحول الى الشك في مصداقية رئيس الوزراء في مكافحته أخطر عدو لشعبنا ووطننا، أي الفساد. والسؤال الذي على رئيس الوزراء الأجابة عليه هو: هل يمتلك المواطن أصلا القدرة على كشف الفاسدين..؟ الجواب وبكل ثقة هو: صعب جدا.
الفساد ايها السيد رئيس الوزراء، لا يمارس في الشارع ولا في دوائر الدولة حيث المراجعين العاديين، بل تراه مختبئا في حسابات مصرفية داخل وخارج البلد، في سجلات العقارات، في العقود الحكومية، في المناقصات والمزايدات، في التحويلات المالية وغسيل الأموال، في الخيول العربية، في أرتال السيارات الفارهة غالية الثمن، في مئات الكيلوغرامات من المصوغات الذهبية، تراه في ترف عيش من لم يكن يمتلك شروى نقير قبل أن يتبوأ منصبا مهما في الدولة. وهذه المعلومات لا يستطيع المواطن العادي الوصول اليها، لكن الدولة بمؤسساتها الرقابية والقضائية قادرة وتستطيع الحصول عليها عبر تلك المؤسسات. أذا ولو كانت الدولة جادة في مكافحة الفساد لما احتاجات الى انتظار بلاغات المواطنين على أهمية بعضها، والذين قد يتعرضون للمضايقات ولا نقول غيرها، من قبل أذرع الفساد المسلحة.
الدولة عندها هيئة للنزاهة على ما أظن، وديوان رقابة مالية ولا أدري إن كانت تعمل أم لا، وسلطة قضائية بدأت تتحرك قليلا، وأجهزة رقابية، وأجهزة أمنية رأيناها فيما أطلقت عليها صولة الفجر أو صولة الخضراء أو أي أسم آخر. ويكفي أن تُشكل لجنة مستقلة من قضاة وخبراء ماليين نزيهين ومستقلّين تتولى مراجعة الذمم المالية لكل من تولى منصبا عاما، بدءا من رؤساء وزراء سابقين ووزراء ونواب برلمان ومدراء عامّين وسفراء ومسؤولين كبار الى رجال دين ساهموا في العمل السياسي وأثرو على حساب مصالح الشعب، دون تمييز على اساس الطائفة أو القومية أو الدين أو الجهة الحزبية. وعلى طريقة " الجوز معدود والجراب مسدود"، يجب طرح السؤال التالي عليهم جميعا دون أستثناء: ما هو دخلك منذ أن توليت منصبك ولحين مغادرته؟ فإن كان راتب المسؤول معروفا وهو معروف طبعا، وإن كانت مدة خدمته معروفة وهي معروفة ايضا، واكتشفت لجان التحقيق قصورا وشركات وارصدة واموالا مدفونة في الجدران وتحت الأرض وغيرها داخل وخارج البلد، فهذه تحتاج الى اجهزة رقابية تمتلكها الدولة لكشفها، لا المواطن العاطل عن العمل، او الكاسب الفقير، أو تلك الأرملة الحالمة براتب الرعاية الأجتماعية، ليبلغ عنها مقابل مكافئة مالية، وكيف يستطيع اثباتها!؟
لقد شهدت الأيام الماضية كشف قضايا فساد أنتظرها شعبنا لأكثر من عقدين، تمّ من خلالها استرداد لأموال وممتلكات هي قطرة في بحر، كما تم اعتقال عدد من النواب و المسؤولين بالجرم المشهود. وهذا يؤكد أن الدولة قادرة على الوصول إلى الأدلة عندما تتوافر الإرادة السياسية. كما أن الرأي العام يتساءل باستمرار عن مصادر الثروات الضخمة التي ظهرت على بعض المسؤولين والشخصيات النافذة وأقاربهم بعد الأحتلال. وعلى الحكومة وهي تحقق في فساد هؤلاء اللصوص للمال العام، أن تعلن نتائج التحقيق على الرأي العام العراقي، لتكون صادقة وجادة في محاربتها للفساد كما تقول.
الدولة التي تستطيع أن تلاحق مواطن بسبب مخالفة مرورية، أو متجاوزا على أراضيها في العشوائيات، قادرة أيضا على معرفة كيف تحول مسؤول أو أحد افراد عائلته أو من أقاربه وهو يمتلك راتب محدود الى صاحب امبراطورية مالية. أن مكافحة الفساد لا تبدأ من المخبرين، بل بشعور كل مسؤول بالدولة من أن مصادر ثروته سوف تراجع من قبل هيئات مالية تابعة للدولة. مكافحة الفساد تبدأ عندما يعرف المسؤول أن منصبه لا يمنحه الحصانة من المحاسبة والملاحقة القضائية، مكافحة الفساد تبدأ عندما يطبق القانون على الوزير والغفير، ووقتها تتحول مكافحة الفساد التي ينتظرها شعبنا من شعار سياسي الى مشروع دولة جادة في تحقيق حياة افضل لشعبها. والكرة التي تريد رميها في ملعب الجماهير أيها السيد رئيس الوزراء الآن، تعود الى ملعبك انت من جديد.
السيد رئيس الوزراء: هل تعرف أن البرلمان العراقي هو واحد من اغلى برلمانات المنطقة والعالم؟ وأن معدل ما تم صرفه في الانتخابات الاخيرة لأختيار 329 نائبا وصل وفق بعض الأحصائيات الى نحو 3- 4 ترليون دينار تقريبا؟ لنقل أن المبلغ هو نصف ترليون دينار فقط، والذي يعادل مليون ومئة وخمسين الف دولار للنائب الواحد تقريبا. و لنضع أيها السيد رئيس الوزراءالكرة في ملعبك من جديد، لتحسب راتب البرلماني لأربع سنوات، ولماذا يترشح للبرلمان اذا كانت مجموع رواتبه لا تصل الى ربع ما صرفه..؟ أنه الفساد والأثراء غير المشروع وليس غيره، أن المحاصصة التي جاءت بكم الى السلطة هي أس الفساد، والذي لن ينتهي الا بانهياره.
" إن ظنّت بك الرعية حيفا فأصحر لهم بعذرك واعدل عنك ظنونهم بإصحارك" الأمام علي بن ابي طالب







