شهدت العاصمة بغداد فجر يوم الأحد المصادف (28 حزيران 2026) عملية أمنية وقضائية خاطفة ومباغتة، تمثلت في إغلاق كامل للمنطقة الخضراء المحصنة وتطويق منازل ومقرات كبار المسؤولين ورجال الأعمال، في أضخم حملة منسقة تضرب شبكات الفساد المالي والسياسي في العراق منذ سنوات. الحملة جاءت بأوامر مباشرة من رئيس الوزراء علي الزيدي وبغطاء قضائي صارم.

الأجهزة الأمنية والعسكرية المشاركة في العملية تميز سلوكها الميداني بالسرية التامة والاعتماد على قوات النخبة العسكرية لتحييد أي تدخل سياسي أو حمايات مسلحة للمستهدفين. 

 لقد فرح الشعب العراقي باستجابة عفوية سريعة مؤكدا وقوفه الى جانب خطوات رئيس الوزراء وخرجت تظاهرات مؤيدة لذلك ومشددة على ان تستمر الحملة ولا تكتفي باعترافات وكيل وزارة النفط السابق عدنان الجميلي فالشعب يعرف ان اعترافاته لم تكن سوى مناسبة لبداية متواضعة او كما يقال القشة التي كسرت ظهر البعير. الفساد الإداري والمالي والسياسي في العراق هو ليست حالات فردية هو فساد منظومة سياسية .

 ان اعترافات الجميلي أكدت بما لا يقبل الشك ان العناصر الفاسدة التي ألقي القبض عليها ليست عناصر او مواطنين عاديين بل يشكلون جزءا من بنية النظام السياسية وبالتالي فأن مطالبات الشعب العراقي أن تأخذ حملة مكافحة الفساد بعدا شاملا وليس انتقائيا او مرتبطة باعترافات فاسد، وأن طموحات الناس ان تطال الحملة الرؤوس الكبار وقيادات العملية السياسية وأحزابها والتشريعية ويمثلون قيادات أحزاب حاكمة، وبالتالي فأن مطالبات الشعب العراقي لأن تأخذ حملة مكافحة الفساد بعدا شاملا وليس انتقائيا او مرتبطة باعترافات فاسد وأن طموحات الناس ان تطال الحملة الرؤوس الكبار وقيادات العملية السياسية واحزابها، وتمهد لعملية انقلاب ابيض على منظومة الفساد الحاكمة ومدعومة بنزاهة القضاء الذي يفترض هو الآخر أن لا يكون انتقائيا.

 لقد استطاع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي أن يستنهض مشاعر الغضب والفرح لدى الناس عند حدود معينة دون أن يرتقي بمستوى حجم الفساد وكارثته وكان سيناريو تخطيط عملية فجر الخضراء وطريقة الانقضاض على بعض الفاسدين والفاسدات وعرض الأموال المسروقة من مليارات دنانير ودولارات وذهب وسلاح وأراضي زراعية وعقارات سكنية قد زرعت الأمل للسير قدما في إكمال مشوار محاربة الفساد إلى نهايته، ولكن استرجاع الأموال واعتقال اللصوص من السياسيين لا يفضي بالضرورة الى إنهاء منظومة الفساد السياسية. 

 أنها خطوة المليون ميل في محاربة الفساد وأن الفرح باعتقال حفنة قليلة من الفاسدين مشروع جدا وإن كان حذرا وكما يقال فأن الأمور بخواتمها والمعتقلين على قدر اعترافات عدنان الجميلي وكيل وزارة النفط فهي لم تطال لحد الآن قيادات الفساد ورموزه من الصف الأول والثاني، ومع هذا فهي تشكل بادرة للتفريغ الانفعالي لشعب ابتلى بالفساد وقد سرق حاضره ومستقبله، فأن سارت الأمور بشفافية عالية وشملت جميع الفاسدين وجرت لهم محاكم علنية أمام الشعب فهناك بصيص أمل لاسترجاع أموال الشعب المنهوبة أما إذا انتهت كسابقاتها وعلى طريقة بوس عمك بوس خالك وطمطم لي واطمطم لك فأن الأمور لا تتجاوز حدود البعد الاستعراضي الذي اعتاد عليه العراقيين مع تنصيب كل رئيس وزراء جديد. 

 لعل حوبة العراق وأهله تكمل مشوار الحساب العسير لكل من سرق العراق وعبث بماله ولننتظر لنرى صدق نظام المحاصصة في محاربة الفساد واسترجاع حقوق العراقيين رغم ان سقف التوقعات لازال دون الطموح بسبب الإحباط المزمن. 

 أنقل هنا جزءا من تصريحات المستشار القانوني لرئيس الوزراء العراقي القاضي منير حداد، حيث أكد أن حجم الأموال المسروقة في البلاد منذ عام 2003، زاد على تريليوني دولار، وأن الحكومة بصدد توسيع حملتها في ملاحقة الفاسدين، مؤكدًا أن الاعترافات التي أدلى بها المتهمون قادت إلى فتح ملفات فساد جديدة طاولت أسماء مسؤولين كبار.

 وقال حداد إن "حجم الأموال المنهوبة من العراق منذ عام 2003 وحتى الآن يتجاوز حاجز تريليوني دولار، وإن أرقام السرقات وعقارات المتهمين تفوق مستوى العقل والمنطق"، مشيرًا في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء العراقية (واع)، مساء يوم الأربعاء المصادف (١أيلول2026)، إلى استمرار التحقيقات مع المتهمين، دون وجود إحصائيات نهائية عن عدد المحتجزين في ظل تزايد أعدادهم يوميًا.

 وأكد أن "المتهمين الرئيسيين الحاليين أدلوا باعترافات تفصيلية قادت الأجهزة الأمنية والقضائية إلى القبض على متهمين آخرين، حيث حاول بعض المطلوبين الإفلات والهروب خارج العراق أو اللجوء إلى إقليم كردستان الذي أبدى تعاوناً وسلّم ثمانية متهمين حتى الآن"، مضيفًا أن "قائمة المتهمين تضم فاسدين من كبار المسؤولين، من بينهم مسؤولون حاليون وسابقون ونواب، وأن الجرائم المنظورة لا تقتصر على الاختلاس التقليدي، بل تشمل أيضًا قضايا تضخم الثروة المالية غير الطبيعي التي تُصنف قانونيًا ضمن جرائم غسل الأموال".

 ووصف المبالغ المضبوطة بحوزة وكلاء وزارات ومسؤولين بأنها "لا تُقرأ ولا تصدّق"، لدرجة شراء زوجة أحد المتهمين عقارًا بقيمة خمسة ملايين دولار، فضلًا عن ضبط مسؤولين يمتلك كل منهم أكثر من خمسين عقارًا مسجلًا باسمه أو بأسماء عائلته"، مشيرًا إلى أن "القوانين العراقية المتعلقة بحماية المال العام تلزم بالمحاسبة والمحاكمة للمسبب والجهات التي كانت خلف تعيين هؤلاء الفاسدين أو وضعهم في مناصبهم الحساسة". 

 ان حديث السيد القاضي مستشار رئيس الوزراء يؤكد مجددا أن الفساد في العراق وحجم ضخامة ما تم العثور عليه من مال منهوب وممتلكات غير شرعية والحملة لا تزال في بدايتها تعود بالنقاش مجددا أن الفساد ليست فردي وليست مافيوي عادي مجرد من أي غطاء سياسي بل هو تحالف ثلاثي المال والسياسة والسلاح غير الشرعي في خدمة الفساد.

 يعد ملف الفساد في العراق من أكثر الملفات تعقيداً وتشابكاً، وهو ليس مجرد سلوكيات فردية منحرفة، بل تحول على مدى العقود الماضية إلى منظومة متكاملة ومحمية.

​تتداخل عدة عوامل سياسية، وبنيوية، واقتصادية تجعل من محاربة هذه الظاهرة مهمة غاية في الصعوبة، وأبرز هذه العوامل:

 ​1.نظام المحاصصة الطائفية والسياسية

​بعد عام 2003، بُني النظام السياسي في العراق على أساس "المحاصصة" (تقاسم السلطة والمناصب بين المكونات والأحزاب السياسية). هذا النظام حوّل الوزارات ومؤسسات الدولة إلى "إقطاعيات" أو "مغانم" للأحزاب الحاكمة، حيث تُستغل موارد الوزارة لتمويل الحزب أو الولاءات السياسية، مما يجعل أي محاولة لمحاسبة فاسد تنتمي لحزب ما بمثابة استهداف للمكون أو الحزب نفسه، فيتم حمايته سياسياً.

 ​2. "الدولة العميقة" وقوة السلاح

 ​تمتلك العديد من الجهات والأحزاب المتهمة بالفساد أجنحة مسلحة أو نفوذاً كبيراً داخل الأجهزة الأمنية. هذا التداخل بين المال الفاسد والسلاح يخلق بيئة من الترهيب؛ فالقضاة، والمحققون، والصحفيون الذين يحاولون فتح ملفات فساد كبرى غالباً ما يواجهون تهديدات بالقتل أو التصفية، مما يضعف القدرة على إنفاذ القانون.

 ​3. ضعف وتسييس الأجهزة الرقابية

 ​رغم وجود مؤسسات رقابية مثل "هيئة النزاهة" وديوان الرقابة المالية، إلا أن هذه المؤسسات نفسها لم تسلم من ضغوط المحاصصة. في كثير من الأحيان، يتم تعيين شخصيات في مناصب رقابية بناءً على الولاء الحزبي، مما يؤدي إلى تسييس ملفات الفساد واستخدامها كأدوات "ابتزاز" أو "تسقيط سياسي" بين الخصوم بدلاً من كونها أداة حقيقية للمحاسبة.

 ​4. ريعية الاقتصاد وغياب الأتمتة

 ​يعتمد العراق بشكل شبه كامل (بنسبة تتجاوز 90%) على الإيرادات النفطية التي تصب مباشرة في خزينة الدولة. هذا التدفق الهائل للأموال السائلة، مع غياب الحوكمة الإلكترونية (الأتمتة) والاعتماد على المعاملات الورقية والروتين البيروقراطي، يخلق بيئة مثالية للرشوة، والاختلاس، وتزوير العقود والمشاريع الوهمية.

 ​5. منظومة الفساد الصغير والقبول المجتمعي الاضطراري

 ​بسبب ضعف مؤسسات الدولة وتأخر المعاملات، تغلغل الفساد في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن (الفساد الصغير)، حيث يضطر المواطن أحياناً لدفع "الرشوة" أو الاستعانة بـ "الواسطة" لتسيير أبسط معاملاته القانونية أو للحصول على وظيفة. هذا الاضطرار خلق نوعاً من التعايش مع الظاهرة رغم الرفض الشعبي العارم لها.

​محاربة الفساد في العراق لا تتطلب مجرد إلقاء القبض على "الفاسدين الصغار"، بل تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية لتفكيك نظام المحاصصة، وتفعيل الأتمتة الرقمية لإلغاء التعامل البشري المباشر في المعاملات المالية، وحماية واستقلالية القضاء بشكل كامل. 

 إصلاح المنظومة السياسية في العراق يُعد أحد أعقد التحديات التي تواجه البلاد، نظراً لتجذر المحاصصة الطائفية والحزبية (المعروفة بـ "المكوناتية") التي تأسست بعد عام 2003، وتحولها إلى شبكات مصالح محمية بالسلاح والمال السياسي.

 الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يحدث بقرار مفاجئ، بل عبر مسارات متوازية تبدأ من تفكيك بنية الفساد وصولاً إلى بناء دولة المؤسسات. وأبرز المحاور الأساسية لتحقيق هذا الإصلاح:

 أولا- التأسيس لمسار الإصلاح البنيوي:                         

1.  تعديل القوانين الانتخابية وضمان استقلال  المفوضية

    الخطوة الأولى

   تشريع قانون انتخابي عادل يمنع صياغة الدوائر على مقاس الأحزاب الكبيرة، وتشكيل مفوضية انتخابات مستقلة حقاً من قضاة تكنوقراط، مع تفعيل رقابة دولية ومحلية صارمة لمنع التزوير وشراء الأصوات.

 2. تفعيل قانون الأحزاب وتجفيف منابع التمويل الفاسد

   الخطوة الثانية

   إلزام الأحزاب بالكشف عن مصادر تمويلها وحظر الأحزاب التي تمتلك أجنحة مسلحة أو تتلقى تمويلاً خارجياً، وتحويل العمل الحزبي إلى برامج تنموية بدلاً من الهويات الفرعية.

 3. حصر السلاح بيد الدولة وتعزيز سيادة القانون

   الخطوة الثالثة

   إنهاء ظاهرة المظاهر المسلحة خارج إطار الدولة، ودمج أو تفكيك الفصائل المسلحة لضمان عدم استخدام القوة العسكرية للضغط على القرار السياسي أو حماية الفاسدين.

 4. استقلال القضاء وتطهيره

   الخطوة الرابعة:

  إبعاد تعيينات القضاة والادعاء العام عن التوافقات السياسية، لضمان ملاحقة الحيتان الكبيرة للفساد دون خوف من الانتقام السياسي أو العشائري.

 ثانيا- آليات مكافحة الفساد الإداري والمالي:

 إلى جانب الإصلاح السياسي، هناك خطوات إجرائية ضرورية لوقف استنزاف ثروات البلاد:

 التحول الرقمي الشامل ( الأتمتة): إلغاء التعامل الورقي في دوائر الدولة، خصوصاً في المنافذ الحدودية، والضرائب، وعقود الدولة. هذا الإجراء يقلص الاحتكاك المباشر بين الموظف والمواطن وينهي الرشوة بنسبة كبيرة.

 تفعيل مبدأ "من أين لك هذا؟": إخضاع كبار المسؤولين والمقاولين والشركات التابعة للأحزاب لتدقيق مالي صارم ومقارنة ثرواتهم بمداخيلهم القانونية.

 إصلاح الخدمة المدنية: إلغاء التعيينات العشوائية القائمة على الولاء الحزبي، وتفعيل مجلس الخدمة الاتحادي ليكون التوظيف على أساس الكفاءة والشهادة فقط. 

 ​تعديل قانون العقوبات: إلغاء القوانين أو الثغرات التي تسمح بـ "العفو" عن مرتكبي جرائم الاختلاس وهدر المال العام مقابل تسويات مالية بسيطة لا تتناسب مع حجم الضرر. المحاسبة لا يمكن أن تتحول إلى مشروع مساومة؛ لأن جرائم الفساد لا تقتصر على خسارة الأموال العامة، بل تشمل إساءة استخدام السلطة، والإضرار بمؤسسات الدولة وثقة المواطنين بها. ولهذا فإن استرداد الأموال، على أهميته، لا ينهي القضية ولا يغني عن إثبات المسؤولية الجنائية والسياسية، وما يترتب عليها من آثار قانونية تضمن الردع وعدم تكرار الانتهاكات وحال حصول نوع من المساومات فأن المجرم قد يخرج من الحبس دون سجل جنائي مما يسهل له عودته مجددا إلى الحياة السياسية والاقتصادية وممارسة مختلف الأدوار وكأن شيء لم يحصل.

​​​ تعزيز الشفافية والرقابة المجتمعية

​إشراك المواطن والصحافة كشركاء في المراقبة.

​قانون حق الوصول إلى المعلومات: تشريع قانون يتيح للصحافة الاستقصائية والمواطنين الاطلاع على عقود الدولة، والمناقصات، والموازنات التشغيلية للوزارات (باستثناء الأمنية الحساسة).

​نظام "مُخبر" وطني آمن: إطلاق منصة إلكترونية مشفرة وسرية تتيح للموظفين والمواطنين الإبلاغ عن حالات الفساد، مع توفير "قانون حماية الشهود والمبلغين" لمنع استهدافهم عشائرياً أو وظيفياً.

​علنية المحاكمات لملفات الفساد الكبرى: بث محاكمات كبار الفاسدين عبر وسائل الإعلام لتعزيز ثقة الشارع العراقي بالقضاء ولردع الآخرين، لأن ابقاء التحقيقات طي الكتمان والسرية يعني ابقائها في ذات البيئة الفاسدة وقد تحرف مسارات التحقيق الشفافية والنزاهة كما حصل في مئات القضايا السابقة التي فلت فيها المجرمين من العقاب. 

​إن نجاح هذه المقترحات يعتمد بالدرجة الأولى على الإرادة السياسية الحقيقية المدعومة بضغط شعبي مستمر، فالتشريعات والتقنيات موجودة، لكن تفعيلها يحتاج إلى قرار شجاع يعزل المصالح الحزبية الفئوية عن إدارة الدولة ومواردها.

 وتكمن المشكلة الرئيسية في أن الكثير من الجهات والأحزاب المطالبة بالإصلاح هي نفسها المستفيدة من الوضع القائم. لذلك، فإن أي إصلاح حقيقي يحتاج إلى كتلة معارضة مؤمنة بالتغيير (تجمع بين وعي شعبي مستدام، وضغط دولي مدروس، ونخب سياسية جديدة عابرة للمكونات) تجبر النظام على تقديم تنازلات تدريجية.