غصت وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الفضائية وهي تتناقل تصريح رئيس الوزراء العراقي بضرورة التخلص من العقلية الاشتراكية وكأن العراق اشتراكي أب عن جد وأن ما حدث بعد 2003 هو تحول صوب الاشتراكي او امتداد لحقبة ما قبل 2003 وكأنها اشتراكية.

 العتب ليست على السيد الزيدي فأنا على ثقة أن الرجل يعاني من أزمة في تعريف المصطلحات ويعكس ضعفا في فهم النظم الاقتصادية والاجتماعية في العالم وبالتأكيد فأن ما كان يقصده الزيدي هو غير ما وقع أثره في عقول المحللين وأن بساطة رئيس وزراء العراق لم تلق صبرا من قبل الكتاب والمعلمين فانهالوا عليه بما جادوا به من قدرات فكرية واقتصادية لتحليل نص ما صرح به. 

 هذه المفارقة بين بساطة الزيدي ومن تصدى لتصريحاته بالنقد والتحليل العميق تعكس الهوة الواسعة بين رئيس وزراء عراقي جاء في اللحظات الأخيرة من الاستعصاء السياسي لإنقاذ التحالف الإطاري من مأزقه السياسي والدستوري وبين النخب المجتمعية المثقفة بل وعموم الشعب التي ترى في أن ما يجري هو تحايل على الديمقراطية وامتهان للأغلبية المعارضة المجتمعية الرافضة لسنن النظام المحصصاتي المعادي للديمقراطية، والذي اعتاد العبث بنتائج الانتخابات وتوظيفها بما يبقي أزمة النظام قائمة في تدوير عدم الكفاءات وإبقائها في المناصب الحكومية او انتقاء خيارات الصدفة التي يوظف أدائها لخدمة منظومة الحكم السائدة. 

 العقلية الاشتراكية التي يدعو رئيس الوزراء الى مغادرتها" اذا كان لم يقصد بها الاشتراكية العربية المنبوذة القائمة على القمع ومصادرة الحريات" فهي تعني مغادرة الخدمات الصحية والتعليم والكهرباء والضمان الاجتماعي وملكية المجتمع لوسائل الإنتاج ومغادرة بناء البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية وعدم اعادة بناء الصناعات الوطنية بمختلف أشكالها وعدم تأمين فرص العيش الكريم وحرمان المواطن من فرص العمل والتشغيل وعدم الاهتمام في النهوض بمستوى البحث العلمي وعدم ربط التعليم عموما والجامعي بشكل خاص بحاجات المجتمع وعدم محاربة الفساد والتمادي في العبث في المال العام ، والتخلص من قدسية المرتبات الشهرية للعاملين والمتقاعدين وترك الأمر لرحمة القرارات الارتجالية واعتبار ذلك فتات موائد توزع كيف ما اتفق. 

 السيد رئيس الوزراء العراقي وهو القادم من الوسط الاقتصادي والناشط في سوق المال يفترض أن يعرف جيدا ان النظام السياسي في العراق يفتقد الى الهوية الاقتصادية فهو ليست باشتراكي قطعا ولا رأسمالي ولا هو انتقالي صوب تشكيلة اقتصادية ما. 

 وعلى الرغم من انه ​وفقاً للدستور العراقي الدائم لعام 2005، يتبنى العراق نظاماً اقتصادياً يهدف إلى الانتقال نحو اقتصاد السوق الحُر تشجيع الاستثمار، ودعم القطاع الخاص. وتنص المادة 25 من الدستور على أن الدولة تكفل إصلاح الاقتصاد العراقي وفق أسس اقتصادية حديثة وبما يضمن استثمار كامل موارده، وتشجيع القطاع الخاص وتنميته إلا ان هذا لم يحصل. اما الاشتراكية فهي بعيدة عنه بعد السماء عن الأرض. 

 عند تشخيص واقع الاقتصاد العراقي، تبرز مجموعة من المفارقات الغريبة التي تجعله حالة دراسية فريدة في علم الاقتصاد. العراق ليس بلداً فقيراً؛ بل هو أحد أغنى دول العالم بالثروات الطبيعية، ومع ذلك يعاني من أزمات هيكلية خانقة تنعكس على حياة المواطن اليومية.

​هذه الحالة تسمى اقتصادياً "المفارقات الهيكلية" أو "المرض الهولندي"، وتتلخص أبرز تناقضات الاقتصاد العراقي في النقاط التالية:

 ​1. موازنات انفجارية.. وبنى تحتية متهالكة

​هذا التناقض هو الأكثر وضوحاً للمواطن العراقي. تسجل الدولة بانتظام إيرادات مالية هائلة وموازنات تُوصف بـ "الانفجارية" نتيجة لارتفاع أسعار النفط وصادراته التي تتجاوز ملايين البراميل يومياً.

​التناقض: المقابل على أرض الواقع هو تراجع مستمر في الخدمات الأساسية، أزمات مزمنة في الكهرباء والمياه، قطاع صحي متهالك، ونقص في الأبنية المدرسية. المليارات تتدفق، لكنها تُستهلك في النفقات التشغيلية والفساد بدلاً من المشاريع الاستثمارية المستدامة.

 ​2. ريعية مطلقة: وسط نداءات مستمرة بالتنويع

​تتحدث جميع الخطط الحكومية المتعاقبة والمناهج الاقتصادية المعلنة عن ضرورة "تنويع مصادر الدخل" وعدم الاعتماد الكامل على النفط.

​التناقض: بالرغم من هذا الخطاب، تزداد ريعية الاقتصاد (أي اعتماده على مصدر واحد) بمرور السنين؛ حيث يساهم النفط بنحو 90% إلى 95% من إيرادات الموازنة العامة، وتكاد تندثر المساهمة الإنتاجية للقطاعين الزراعي والصناعي.

 ​3. التضخم الوظيفي.. مقابل شلل الإنتاج

​يمتلك العراق واحداً من أعلى معدلات التوظيف الحكومي في العالم مقارنة بعدد السكان، حيث تلتهم رواتب الموظفين والمتقاعدين والمجندين الجزء الأكبر من الموازنة العامة.

​التناقض: هذا الجيش الجرار من الموظفين (البطالة المقنعة) يرافقه تراجع حاد في كفاءة المؤسسات وشلل شبه تام في الإنتاج المحلي. الدولة تدفع رواتب هائلة لقطاع عام لا ينتج سلعاً، بل يدير بيروقراطية معقدة.

 ​4. بلد الرافدين.. يستورد الغذاء والماء!

​يمتلك العراق جغرافيا متميزة بوجود نهري دجلة والفرات، وملايين الدونمات من الأراضي الصالحة للزراعة، وتاريخاً طويلاً كـ "سلة غذاء" للمنطقة.

​التناقض: الأسواق العراقية تعتمد بنسبة تزيد عن 80% على المواد الغذائية والخضروات واللحوم المستوردة من دول الجوار (إيران، تركيا، ودول أخرى)، وحتى المياه المعلبة يتم استيراد أجزاء كبيرة منها أو تصنيعها بمواد أولية مستوردة نتيجة إهمال القطاع الزراعي وأزمات الجفاف وسوء إدارة ملف المياه.

​5. احتياطيات نقديّة قياسية.. وأزمات صرف محلية

​يمتلك البنك المركزي العراقي احتياطيات ضخمة من النقد الأجنبي (الدولار والذهب) تجاوزت في الآونة الأخيرة عتبة الـ 100 مليار دولار، وهو مؤشر على ملاءة مالية ممتازة للدولة.

​التناقض: على الرغم من هذه الوفرة والغطاء الكامل للعملة المحلية، يواجه الشارع العراقي أزمات متكررة في "سعر الصرف الموازي" وفجوة واضحة بين السعر الرسمي والأسعار في السوق السوداء، نتيجة قيود التحويلات الخارجية، التهريب، والاعتماد المطلق على الاستيراد لتلبية كل الاحتياجات اليومية.

 ​6. نبذ القطاع الخاص والتهافت على الوظيفة الحكومية

​في المعايير الاقتصادية الحديثة، يعتبر القطاع الخاص هو المحرك الأساسي للنمو ولخلق فرص العمل الحقيقية.

​التناقض: في العراق، ينظر المجتمع ورجل الشارع إلى القطاع الخاص بكثير من عدم الثقة وكونه "مغامرة غير مضمونة الأمان"، ليصبح الطموح الأول والوحيد للشباب والخريجين هو الحصول على "التعيين المركزي" أو الوظيفة الحكومية باعتبارها الملاذ الآمن للرزق، مما يعمق أزمة التمويل الحكومي ويقتل روح الابتكار والمبادرة الاستثمارية.

​وباختصار شديد فأن الاقتصاد العراقي يتحرك في حلقة مفرغة: نفط يُباع دولارات تدخل البنك المركزي تُحول إلى دينار عبر الموازنة لتدفع كرواتب الموظفون يشترون بها بضائع مستوردة تخرج الدولارات مرة أخرى خارج البلاد. هذا النموذج الاستهلاكي يمنع تراكم رأس المال الوطني ويجعل استقرار البلاد رهناً كاملاً بتقلبات أسواق النفط العالمية. 

 فنحن يا حضرة رئيس الوزراء ليست نظاما اشتراكيا وليست رأسماليا بل نظاما ريعيا وعلى طريقة عيشني اليوم وموتني بكري. وهنا يا حضرة رئيس وزراء العراق لن نتحدث عن الإهدار للمال العام من سرقات وفساد واهدار وقد بلغت في ابسط تقديراتها 1500 مليار دولار ، فهل هذا نظام اشتراكي ترغب في استئصاله أم انه نظام محاصصة فاسد بكل المقاييس وعليك بما تستطيع استئصاله فهو خير لك من الخلاص من الاشتراكية.