
تتواصل الجهود الدولية للتخفيف من حدة تصعيد التوترات بين أطراف العدوان على إيران،الى جانب التحذير من مغبة إرتكاب الحماقات والتعصيد المؤدي لإنزلاق المنطقة بأسرها في الحرب والفوضى الشاملة وتداعياتها الكارثية على الأمن والإستقرار والسلم الأقليمي والدولي.
وبفضل هذه الجهود يُقال ان الرئيس ترامب تراجع عن خططه، معلناً لمساعديه - وفقاً لـ"رويترز"- نقلآ عن مسؤول في البيت الأبيض- بأنه لا يريد حرباً طويلة الأمد، وأنه لا يخطط لإرسال قوات برية أمريكية لإحتلال مناطق في إيران.وقد سبق ذلك تمديد الفترة التي حددها لضرب منشاَت الطاقة الإيرانية من 48 ساعة،الى 5 أيام، ثم الى 10 أيام،الخ..
في هذا الظرف الخطير، تمادى الأرجنتيني رافائيل غروسي- المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية- بخروجه الفظ عن مهمته الأممية، كرئيس لوكالة دولية غير حكومية مستقلة تابعة للأمم المتحدة، مهمتها الرئيسية تشجيع الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، والحد من التسلح النووي. وتقوم بأعمال الرقابة والتفتيش والتحقيق في الدول التي لديها منشآت نووية وما يتصل بها بموجب اتفاقيات الوقاية مع أكثر من 140 دولة. وتعمل من أجل الأمن، والحث من الاستخدامات السلمية للعلوم والتكنولوجيا النووية،وتشارك بأهداف الألفية: تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية والبيئية،والإسهام الفعال لتحقيق السلام والأمن الدوليين.
فلم تصدر الوكالة الدولية بقيادته أي إدانة، ولا حتى إنتقاد بسيط لأمريكا وإسرائيل في شنهما الحرب على دولة هي عضو في الوكالة الدولية، بدون تخويل دولي،وخلافاً للقانون الدولي، ولمبادي وإتفاقيات ومعاهدات الأمم المتحدة، معرضين السلم والأمن الدوليين للخطر.
ولم تحاسب إسرائيل على إمتلاكها أسلحة نووية،حيث تؤكد تقاريردولية إمتلاكها 80- 120 رأساً حربياًنووياً، ولم توقع على معاهدة حظر إنتشار الأسلحة النووية، ولا تسمح للوكالة الدولية بالتحقق والتفتيش والرقابة، فارضة نفسها فوق القانون الدولي، ومتحدية سلطة الوكالة الدولية،بعلم وتجاهل الحكومات الغربية، بينما تتعرض الدول الأخرى للحرب والخراب والدمار لمجرد الشك بسعيها لبرنامج نووي للأغراض السلمية.
وبدلآ من ذلك، تواطئ غروسي على نحو مشين، وحرض على شن العدوان السافر على إيران لخدمة أهداف الصهيوني الفاشي نتنياهو، الذي ورط الرئيس الأمريكي في العدوان على إيران،مستغلآ غروره وإستهتاره وهوسه بجنون العظمة.
لقد قام غروسي بدور محرض مخزي في إشعال فتيل الحرب على إيران مرتين خلال 7 أشهر. فبناء على تقريره، شنت إسرائيل فجر 13/6/2025، ضربة مباغته،دون سابق إنذار، وفيما بعد شنت أمريكا هجوماً مدمراً واسعاً، كانتا قد أعدتا له مسبقاً. وشمل قصف منشآت نووية، وقواعد صواريخ، ومؤسسات حكومية مدنية، ومراكز قيادة. وإغتالت إسرائيل في ساعاته الأولى قادة عسكريين، وعلماء نوويين إيرانيين. وقُتل بالقصف العشوائي المئات من المواطنين الأبرياء، مقترفتين جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بذريعة "حق" إسرائيل" في الدفاع عن النفس" و "حقها في القضاء على البرنامج النووي الإيراني، لكونه يهدد إسرائيل"، وهو البرنامج، الذي أكدت الوكالة الدولية، قبل ذلك، وأكثر من مرة، بأنه للأغراض السلمية. وعدا هذا، يوجد خبراؤها في منشاَته، وتعمل فيها كاميرات المراقبة وأجهزة الرصد ليل نهار..
كان ينبغي ان يهز مثل هذا الحدث الرهيب أركان منظمة الأمم المتحدة، وان يعقد مجلس الأمن جلسة خاصة لإدانة هذا الفعل الشنيع، وتُحاسب رئيس الوكالة الدولية عليه..إلا أن ذلك لم يحصل، ولن يحصل بتأثير الإدارة الأمريكية المستهترة ، التي تواصل دعمها المطلق، وتشارك بجرائم الحكومة الصهيونية الفاشية الإسرائيلية ،إنتهاكاً صلفاً للقانون الدولي ولحقوق الإنسان وللسلم والأمن الدوليين.
وبالإستناد الى التقرير السري،الذي أُرسله غروسي الى أعضاء الوكالة الدولية، في27/1/2026،جاء فيه:" إن بعضاً من اليورانيوم الإيراني الأعلى تخصيبا، والقريب من الدرجة اللازمة لصنع الأسلحة، كان مخزنا في منطقة تحت الأرض داخل المنشأة النووية في أصفهان".على أثره أيضاَ شنت إسرائيل وأمريكا فجر السبت 28/2/2026، هجوماً جديداً مدمراً على إيران. وكررت الإدارة الأمريكية ألاعيبها المفضوحة،حيث كانت تتفاوض مع إيران في فيينا، وسربت معلومات للإعلام بان المفاوضات إيجابية وتحقق تقدماً نحو إتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني يرضي الطرفين، فأوقفت المفاوضات،وهاجمت مع ربيبتها إسرائيل إيران،وقتلت قادة سياسيين وعسكريين بارزين، وفي مقدمتهم المرشد الأعلى خامنئي، مع زوجته وأولاده وأصهاره وأحفاده، بذريعة ورود معلومات لترامب "تؤكد ان إيران ستضرب الولايات المتحدة، وستقتله" !!.. كذبها العديد من القادة العسكريين والسياسيين والإعلاميين الأمريكيين.
لقد فضحنا كل ذلك في مقال طويل من ثلاثة أقسام، بعنوان:"مصداقية الوكالة الدولية للطاقة الذرية على المحك من جديد"، في صفحة :اَراء وأفكار، لـ " المدى" الغراء، في أعدادها: 6105 و 6106 و 6111.
ولم يُحاسب غروسي أحد،ولم يتوقف عند حده، وإستكمل تحريضاته الإجرامية ضد إيران بإخطرها، وتشكل تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين، بدعوته لحرب نووية، زاعماً:" "ما لم تكن هناك حرب نووية، فلا يمكن لأي حرب أن تقضي على القدرة النووية لإيران".وقال في مقابلة على "سي بي إس" في 22/3/ 2026:" إن الحرب، حتى لو ألحقت أضرارا كبيرة، لا يمكنها إنهاء القدرات والطموحات النووية الإيرانية بصورة كاملة"، مضيفا:" أن ذلك لا يمكن أن يحدث إلا في حال حرب نووية تؤدي إلى تدمير لا يمكن تصوره"، وهو سيناريو قال إنه " يأمل ألا يقع أبدا".وفي المقابلة نفسها، أشار إلى " أن كثيرا من القدرات والبنية والمعرفة الصناعية الإيرانية ما زال قائما"..
وجاءت هذه التصريحات في ظل تصاعد التحذيرات بشأن سلامة المنشآت النووية الإيرانية خلال الحرب الجارية، بعد تأكيد الوكالة الدولية للطاقة الذرية نفسها تعرض (منشأة نطنز) لأضرار عند مداخلها، وإبلاغها من قبل هيئة الطاقة الذرية الإيرانية بسقوط مقذوف داخل (محطة بوشهر).وقد حدث ذلك 3 مرات.
وأعلنت هيئة الطاقة الذرية الإيرانية عن تعرض مصنع لإنتاج الكعكة الصفراء في أردكان بمحافظة يزد لهجوم أمريكي إسرائيلي.وأكد الجيش الإسرائيلي استهداف المنشأة المذكورة.
وقال مسؤول في محافظة مركزي الإيرانية إن هجوما نُفذ على مرحلتين استهدف مجمع آراك للماء الثقيل، في تطور يأتي وسط تصاعد المخاوف بشأن سلامة المواقع النووية الإيرانية خلال الحرب الجارية.
واستنكرت هيئة الطاقة الذرية الإيرانية في بيان لاحق:"صمت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إزاء هذه الأعمال الوحشية ". وقالت إنه "يثير الدهشة".وأضافت: "استهداف منشآتنا السلمية انتهاك واضح للقانون الدولي وتهديد خطير لأمن المنطقة".مع ان الوكالة الدولية للطاقة الذرية أكدت عدة مرات أن استهداف المنشآت النووية لا ينبغي أن يحدث تحت أي ظرف، بسبب ما قد يترتب عليه من مخاطر إشعاعية وأمنية واسعة.
وقد احتجّت إيران على تصريحات غروسي الأخيرة، واعتبرتها "تصريحات منحازة وغير مهنية تسهم في تعقيد الأوضاع وزيادة التوتر".وقال مساعد وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي، في منشور على منصة "إكس"، إن غروسي "لم يقم حتى الآن بأي عمل مفيد بشأن إيران"، وإنه "يفاقم الوضع بتصريحاته"، متسائلا :"هل هو مدير عام منظمة دولية أم محلل إعلامي؟".وأضاف:"أن طهران تعترض بشدة على التصريحات المنحازة والانفعالية، وتوجه بشأنها تحذيرا جديا".واتهم المسؤول الإيراني مدير الوكالة الدولية بعدم إدانة الهجمات على المنشآت النووية السلمية الإيرانية، بما في ذلك آخر هجومَين لمحيط محطة بوشهر، وقال إنه " بدلا من التحذير من آثار الحرب على البرنامج النووي الإيراني الخاضع للضمانات، صار يدل على طرق تدمير الأنشطة النووية الإيرانية المشروعة والقانونية".
وبذلك أساء غروسي لسمعة الوكالة الدولية للطاقة الذرية وإستقلاليتها وحياديتها وخدمتها للسلم والأمن الدوليين،وجعلها تتعامل بإزدواجية في تنفيذ مهماتها، وتحولت الى وكالة دولية مشكوك في مصداقيتها وفي معلوماتها وتصريحاتها، بل ومتواطئة بشكل لا لبس فيه في التزييف والتحريض ضد عضو من أعضائها تحت ضغط الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني.
حفاظاً على مكانة الوكالة الدولية ودورها الهام لابد ان يقوم الأمين العام للأمم المتحدة بتنحية مديرها العام روفائيل غروسي، ومحاسبته على تواطئه وتحريضاته الإجرامية المخالفة للقانون الدولي ولمهمات الأمم المتحدة.







