تُعتبر ثورة 1936-1939 الكبرى في فلسطين من بين أهم الثورات المناهضة للاستعمار التي واجهتها الإمبراطورية البريطانية في فترة ما بين الحربين العالميتين. وجاءت هذه الثورة نتاج تراكم مشاعر الغضب والإحباط لدى العرب الفلسطينيين على مدى أعوام طويلة، وفشل محاولات قيادة الحركة الوطنية

الفلسطينية في دفع الحكومة البريطانية إلى الاضطلاع بدور يكون أقل تحيّزاً لمشروع الحركة الصهيونية الرامي إلى إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين. كما اندلعت وسط موجة ثورية معادية للاستعمار اجتاحت عدداً من البلدان العربية، ولا سيما مصر وسورية، ما بين سنتَي 1935 و1936.

 *مقدمات الثورة:*

شهدت فلسطين في عشرينيات القرن العشرين هبات عديدة ضد الاستيطان اليهودي، من أبرزها "هبة البراق"، في الأسبوع الأخير من آب/أغسطس 1929، التي اندلعت رداً على محاولة اليهود السيطرة على الحائط الغربي للحرم القدسي، وعدم الاكتفاء بحق الزيارة والصلاة عنده. وخلافاً للهبات السابقة، امتدت هذه الهبة إلى معظم المدن الفلسطينية، وشملت الأحياء اليهودية في كل من الخليل وصفد ونابلس وبيسان، ما أسفر عن سقوط مئات القتلى والجرحى من العرب واليهود على حد سواء، وذلك قبل أن تتمكن السلطات البريطانية من قمعها بصعوبة بالغة.

في أعقاب "هبة البراق"، راحت تبرز بدايات تحوّل الحركة الوطنية الفلسطينية إلى طريق الكفاح ضد الاستعمار البريطاني، وهو تحوّل تعمق بفضل الدور المتعاظم لأعضاء حزب الاستقلال العربي، الذي تشكّل في آب/أغسطس 1932، ورأى في الاستعمار البريطاني "أصل البلاء". وتجلّى هذا الطابع المناهض للاستعمار البريطاني في التظاهرات والصدامات التي وقعت في مدينتَي القدس ويافا، في تشرين الأول/ أكتوبر 1933، والتي كانت موجهة بالذات ضد الوجود البريطاني في فلسطين.

كانت فلسطين قد شهدت، في النصف الأول من الثلاثينيات، مجموعة من التحوّلات التي صبت في اتجاه تدعيم أسس مشروع الوطن القومي اليهودي. فما بين سنتَي 1930 و1935، قدم إلى فلسطين حوالي 150 ألف مهاجر يهودي، كانت نسبة كبيرة منهم من أصحاب رؤوس الأموال ومن العمال المهرة والفنيين. وفي سنة 1935 وحدها، وصل إلى فلسطين 62 ألف مهاجر، وبلغت تحويلات رؤوس الأموال اليهودية 15 مليون جنيه، ما أعطى دفعة قوية للاقتصاد اليهودي. بينما صار الاقتصاد العربي يواجه أزمة خانقة، إذ تدهورت زراعات وصناعات عديدة، كزراعة الخضروات والتبغ وصناعة التبغ وزيت الزيتون، وبات اليهود يستحوذون على أكثر من نصف الأراضي المزروعة بالحمضيات. وأدّى توجّه المؤسسات اليهودية إلى استملاك أكبر مساحة من الأراضي إلى بروز فئة اجتماعية جديدة في الريف هي فئة "الفلاحين المعدمين"، وإلى تزايد ظاهرة الهجرة من الريف إلى المدينة بحثاً عن العمل المأجور، وذلك في الوقت الذي كانت فيه المدن الفلسطينية تعاني من تفاقم ظاهرة البطالة بين صفوف العمال العرب، نتيجة توسع المنظمات الصهيونية في تطبيق سياسة "العمل العبري".

في ظروف هذه المزاحمة اليهودية الشديدة، تصاعد نضال العمال العرب وتوسع حجم تنظيماتهم النقابية، وتشكّلت حاميات عمالية لمجابهة سياسة الهستدروت الرامية إلى طرد العمال العرب من أماكن عملهم، كما اندلعت العديد من المعارك الدموية بين الفلاحين المعدمين ورجال الشرطة والمستوطنين اليهود، وراحت تنتشر بعض فرق الأنصار المسلحة في الجبال، ومن أبرزها الفرقة التي شكّلها الشيخ عز الدين القسّام، الذي كان لمقتله، في العشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 1935 على تلال قرية يعبد في منطقة جنين، في مواجهة مع القوات البريطانية أثر عميق في فلسطين كلها، وساهم في التحفيز على الثورة، وخصوصاً أن الكثيرين من أتباعه كانوا لا يزالون مستعدين لحمل السلاح لمقاومة الوطن القومي اليهودي والحكم البريطاني في أول فرصة تسنح لهم.

 *مرحلتان تمرّ بهما الثورة*

أدت هذه التحركات كافة، إلى جانب المظاهرة الحاشدة التي جرت في حيفا في 21 تشرين الثاني/نوفمبر 1935 لتشييع الشهيد عز الدين القسام، إلى تمهيد الطريق أمام الإضراب العام الذي دعت إليه لجنة وطنية في نابلس في 20 نيسان/أبريل 1936، وذلك عقب انتشار خبر مقتل أربعة فلسطينيين، بينهم امرأة، في يافا على يد مستوطنين يهود. ثم راحت تظهر، في اليوم التالي، لجان قومية مماثلة في كل من حيفا ويافا وغزة ثم في القدس وبقية المدن الفلسطينية. كما تشكّلت بعض اللجان المتخصصة كلجان الإسعاف ولجان مساعدة المنكوبين ولجان مقاطعة البضائع اليهودية.

تخوفاً من انتقال قيادة الحركة الثورية إلى أيدي القيادات المحلية الميدانية، التقى زعماء الأحزاب العربية، في 25 نيسان/أبريل 1936، وأعلنوا عن تشكيل اللجنة العربية العليا برئاسة المفتي محمد أمين الحسيني، التي دعت إلى "مواصلة الإضراب العام إلى أن تغيّر الحكومة البريطانية سياستها الحاضرة تغييراً جوهرياً"، وتستجيب لمطالب الحركة الوطنية العربية المتمثّلة في: وقف الهجرة اليهودية وقفاً تاماً؛ ومنع انتقال الأراضي إلى اليهود؛ وإنشاء حكومة وطنية مسؤولة أمام مجلس نيابي. وفي 14 أيار/مايو، وأمام استمرار تعنت الحكومة البريطانية، دعت اللجنة العربية العليا الشعب إلى البدء بتنفيذ قرار الامتناع عن دفع الضرائب ابتداء من اليوم التالي، فرد المندوب السامي البريطاني واكهوب بالموافقة على عدد جديد من تصاريح الهجرة لليهود، بلغ 4500 تصريح، وعلى افتتاح ميناء تل أبيب ليحل محل ميناء يافا. وكانت هاتان الخطوتان بمثابة شرارة انطلاق عمليات فرق الأنصار المسلحة في الجبال والأرياف، وتحوّل الاضطرابات إلى ثورة صريحة ضد الحكم البريطاني. وقد استمرت هذه المرحلة الأولى من الثورة حتى 12 تشرين الأول/أكتوبر 1936، عندما دعت اللجنة العربية العليا إلى وقف الإضراب العام والاضطرابات بعد توسط عدد من الملوك والأمراء العرب لديها.

أما المرحلة الثانية من الثورة، فقد انطلقت في نهاية أيلول/سبتمبر 1937، إثر اغتيال حاكم لواء الجليل، لويس أندروز، في أثناء ذهابه إلى الكنيسة في الناصرة، إذ قامت سلطات الانتداب، رداً على عملية الاغتيال باعتقال  عشرات العرب، وأصدرت، في 1 تشرين الأول/أكتوبر 1937، بلاغاً  رسمياً اعتبرت فيه اللجنة العربية العليا وجميع اللجان القومية غير شرعية، وأقصت محمد أمين الحسيني عن منصب الإفتاء وعن رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى، كما اعتقلت عدداً  من الزعماء العرب ونفتهم إلى جزر سيشل، بينما نجح المفتي في الهرب عن طريق البحر إلى لبنان ليلة 14 تشرين الأول/أكتوبر. وهكذا، اشتعلت الثورة من جديد، وتواصلت حتى عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية في أيلول/سبتمبر 1939. وكانت معارك الثورة في مرحلتها الثانية، التي برز خلالها الدور الطليعي للفلاحين، أشد عنفاً وأكثر اتساعاً من معارك المرحلة الأولى، حتى شملت كل بقاع فلسطين، إذ قام الثوار بهجمات عسكرية منظمة على المدن، وتمكنوا من احتلال بعضها، ولم يخرجوا منها إلا بعد معارك ضارية مع القوات البريطانية. كما اتسعت في تلك المرحلة الهجمات الفلسطينية المركزة على المستعمرات الصهيونية، ولجأ الثوار إلى أعمال النسف والتدمير وتفجير المتفجرات في الدوائر الرسمية ووسائل المواصلات والبنى التحتية.

 *الإجراءات القمعية البريطانية*

ما أن اندلعت الثورة، حتى قررت السلطات البريطانية وضع أنظمة الطوارئ موضع التنفيذ، ففرضت منع التجول ليلاً، داعية السكان إلى ملازمة بيوتهم من الساعة السابعة مساءً حتى الساعة الخامسة فجراً، واعتبرت كل شخص يطلق النار على أي جندي أو رجل بوليس، أو يلقي قنبلة، أو يعطّل عمل ميناء أو سكة حديد أو محطة كهرباء، أو طريق عام، أو يخرّب خط تلفون أو تلغراف، "مجرماً"، وإذا ثبت أنه ارتكب إحدى هذه المخالفات يحكم عليه بعد إدانته أمام محكمة الجنايات الكبرى إما بالإعدام أو بالسجن المؤبد. وفي حال قيام سكان البلدة أو القرية بالتستر على "الجرم"، فإنه يجوز للحاكم أن يفرض على سكان هذه البلدة أو القرية غرامة مشتركة إما نقداً، وإما بأخذ دواب، أو أغنام أو ماعز، أو حبوب أو أي محصولات زراعية. ولم يعد في إمكان أي جريدة أن تطبع وتنشر في فلسطين ما لم يحصل صاحبها أولاً على تصريح موقع من حاكم اللواء المختص.

من ناحية ثانية، قامت الحكومة البريطانية بتعزيز وجودها العسكري في فلسطين، إذ استقدمت وحدات

عسكرية جديدة من مالطة، كما استقدمت وحدات من المشاة ومن الدبابات والمصفحات من بريطانيا، بما رفع عدد أفراد الجيش البريطاني في فلسطين إلى نحو 15 ألف جندي، يضاف إليهم ستة آلاف من رجال الشرطة، وأربعة آلاف من قوة حرس الحدود. ولما تكامل عديد القوات، أصدرت الحكومة يوم 30 أيلول/سبتمبر 1936 مرسوماً يقضي بفرض الأحكام العرفية، تمّ بموجبه تشديد الرقابة على المطبوعات، ومراقبة المرافئ والمطارات، والنقليات البرية، والتجارة، والصناعة. وبعد انطلاق المرحلة الثانية من الثورة، في نهاية أيلول/سبتمبر 1937، استدعت سلطات الانتداب من البنغال إلى فلسطين تشارلز تيغارت، الخبير البريطاني في حرب العصابات، وقررت، بهدف الحد من مشاركة أبناء البلدان العربية المجاورة لفلسطين في الثورة، إقامة "خط تيغارت"، وهو عبارة عن أسلاك شائكة بطول 80 كيلومتراً على حدود فلسطين مع سورية ولبنان، و40 كيلومتراً على حدود فلسطين مع شرق الأردن، يحتوي على مصائد ألغام، وعلى 15 برجاً مجهزاً بالحراس ومعدات الكشف. وصارت السلطات تلجأ، أكثر فأكثر، إلى نسف ما تختاره من بيوت بالديناميت وتفرض على سكانها ما تشاء من غرامات. فخلال أشهر الإضراب، نسفت السلطات عدداً كبيراً من البيوت في مدن اللد، والخليل، ونابلس، وغزة، والمجدل، وصفد، وبيت لحم، وخان يونس، وقلقيلية، وفرضت غرامات مالية كبيرة على سكانها. كما نسفت السلطات عشرات البيوت في القرى، وفرضت غرامات نقدية وعينية على حوالي 250 قرية، إذ فرضت على سكان قرية "عزون"، على سبيل المثال، تقديم 300 دجاجة، و500 بيضة وخمسة خراف.

وتمثّل أوضح مظهر لإجرام السلطات البريطانية في نسف البلدة القديمة في مدينة يافا وذلك بعد أن وجد الثوار ملجأ لهم في أزقتها الضيقة ومنازلها القديمة المتلاصقة، فقررت الحكومة وضع حد لوجودهم فيها. ففي 18 حزيران/يونيو 1936، حشدت السلطة في المدينة نحو 1200 جندي ورجل شرطة، وحضر حاكم اللواء الجنوبي وقائد حامية يافا ومدير الشرطة للإشراف على عملية نسف البيوت، واستلم الجيش زمام المحافظة على أمن الطرق الموصلة إلى المدينة بعد أن سدّها بالأسلاك الشائكة. وكان ذلك اليوم من أرهب الأيام التي مرت على يافا، إذ أسفرت العملية عن نسف 220 بيتاً، وعن تشريد ما يقرب من 6 آلاف فلسطيني وفلسطينية.

 وأنشأت السلطات، مع تزايد عدد المعتقلين، معتقلاً جديداً في عوجا الحفير في صحراء النقب، على مقربة من الحدود المصرية، بعيداً عن العمران، ثم أنشأت معتقلاً آخر في صرفند قرب مدينة الرملة، وحوّلت سجن عكا إلى السجن المركزي في فلسطين. وقد اشتُهر سجّانو ذلك السجن بسوء معاملتهم للمعتقلين السياسيين، كما اشتُهر معتقلوه باللجوء المتكرر إلى سلاح الإضراب عن الطعام. وكانت سلطات الانتداب تنفّذ في هذا السجن عمليات إعدام الثوار، وهي لم تتوانَ عن إعدام عدد من كبار السن، من أشهرهم الشيخ فرحان السعدي، أحد زعماء فرق الأنصار، الذي كان قد تجاوز لدى إعدامه السبعين من العمر. وبحسب بعض التقديرات، بلغ عدد الثوار الذين أُعدموا، في الفترة الواقعة بين تشرين الأول/أكتوبر 1936 وكانون الثاني/يناير 1939، 45 ثائراً.

كما لجأت السلطات البريطانية إلى أساليب أخرى للتفريق بين العرب والإيقاع بين المسلمين والمسيحيين، وبين المدينيين والقرويين، وكان من أخطر مظاهر سياسة "فرّق تسد" إثارة حالة من الاحتراب الداخلي في فلسطين، من خلال تنظيم فصائل لمحاربة الثوار عُرفت باسم "فصائل السلام"، وقد ارتدى أعضاء هذه الفصائل البزات العسكرية، ورافقوا الجنود إلى الجبال لإرشادهم إلى مواقع اختباء الثوار. وفي أجواء الاحتراب الداخلي التي نشأت في البلاد، تزايدت الاغتيالات السياسية، التي كانت تستهدف في الماضي عملاء المخابرات البريطانية وسماسرة الأراضي، ثم صارت تستهدف المخاتير والوجهاء، أو حتى أبناء الطبقة الوسطى المدينية أو أبناء الوجهاء والأعيان.

 *تعزيز التعاون مع المنظمات الصهيونية*

قررت سلطات الانتداب، منذ بدء الإضراب العام والعمليات المسلحة، إضفاء الطابع الشرعي على منظمة "الهاغانا" من خلال تجنيد حراس قرويين لحماية المستعمرات اليهودية. فكان ذلك بداية مؤسسة الخفارة

(هنوطروت )، التي كان إنشاؤها بمثابة انعطاف في تاريخ "الهاغانا"، إذ وصل عدد أفرادها، في منتصف حزيران/يونيو 1936، إلى 1300 خفير، تمّ تسليمهم بنادق حربية. وفي كانون الثاني/يناير 1939، نُظّمت "شرطة المستعمرات اليهودية" في عشر كتائب، وعيّن لكل كتيبة قائد بريطاني من ضباط الشرطة، يعاونه مفتش معيّن من قبل الوكالة اليهودية. وفي آذار/مارس 1939، تشكّلت، بناء على أوامر من قائد الجيش البريطاني في البلد، "لجنة الدفاع عن المستعمرات اليهودية"، من ممثل عن الجيش، وممثل عن الشرطة وممثل عن الوكالة اليهودية، وكانت مهمتها الاهتمام بكل ما يتعلق بالدفاع عن المستعمرات، وتنظيم "شرطة المستعمرات اليهودية". وفي تموز/يوليو 1939، ضمت الخفارة نحو 22000 من أبناء التجمع الاستيطاني اليهودي في فلسطين.

 *اللجوء إلى مناورات سياسية مختلفة*

حاولت الحكومة البريطانية تطويق الثورة بسياج عربي، فأوعزت إلى الملوك والأمراء العرب بالتوسط لدى اللجنة العربية العليا لحثها على الدعوة إلى وقف الإضراب العام والاضطرابات. وهكذا، وجّه الملك ابن سعود والملك غازي والأمير عبد الله في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر 1936 نداءً مشتركاً دعوا فيه إلى حل الإضراب ووقف الثورة و "الاعتماد على النيات الطيبة لصديقتنا بريطانيا العظمى التي أعلنت أنها ستحقق العدالة". وفي اليوم التالي نشرت اللجنة العربية العليا نداء الملوك والحكام العرب، وأعلنت، أنها بعد حصولها على موافقة اللجان القومية، قررت أن تدعو الأمة إلى وضع حد للإضراب والاضطرابات.

وكما هي عادتها في مواجهة الهبات والانتفاضات التي كان يقوم بها العرب الفلسطينيون، لجأت سلطات الانتداب، في مواجهة الثورة، إلى تشكيل لجنة للتحقيق في الأحداث برئاسة اللورد بيل، وصلت إلى القدس في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 1936 في أجواء مشحونة، ورفعت تقريرها إلى الحكومة البريطانية في 22 حزيران/يونيو 1937، ونشرته الحكومة في 7 تموز/يوليو. وقد شكّل ذلك التقرير صدمة كبيرة للحركة الوطنية الفلسطينية، إذ هو لم يلبِ أي مطلب من مطالبها الثلاثة، المتمثّلة في وقف الهجرة اليهودية، ومنع انتقال ملكية الأراضي إلى اليهود، وتأليف حكومة وطنية مسؤولة أمام مجلس تمثيلي. بل اقترح، في المقابل، تقسيم فلسطين إلى دولتين: واحدة عربية تُضم إلى شرق الأردن، والأخرى يهودية تكون أبوابها مشرعة أمام هجرة اليهود، في حين تبقى الأجزاء ذات الأهمية الدينية أو الإستراتيجية تحت الانتداب البريطاني، على أن يُستبدل نظام الانتداب بنظام معاهدات مع الدولتين العربية واليهودية. وكما كان متوقعاً، فقد استقبلت الأغلبية الساحقة من العرب الفلسطينيين التقرير المذكور باستياء شديد، وعبّرت عن رفضها الحازم له.

وفي 9 تشرين الثاني/نوفمبر 1938، اعترفت الحكومة البريطانية في بيانها السياسي بصعوبة إنشاء دولة عربية مستقلة، وأخرى يهودية، وأعربت عن رغبتها في توجيه الدعوة إلى ممثلين عن عرب فلسطين والدول العربية المجاورة، وعن الوكالة اليهودية، للتداول معهم في مدينة لندن حول السياسة المقبلة، بما فيها مسألة الهجرة إلى فلسطين. وعلى هذا الأساس، افتتح مؤتمر لندن في 7 شباط/فبراير 1939، بحضور ممثلين عن العرب واليهود، لكن المؤتمر لم يحقق النتائج المرجوة منه، الأمر الذي دفع الحكومة البريطانية، في 17 أيار/مايو 1939، إلى إصدار "الكتاب الأبيض"، الذي اعتبرت فيه أن الهدف هو أن تتشكل، خلال عشرة أعوام، حكومة فلسطينية مستقلة، ترتبط مع بريطانيا بمعاهدة تضمن للبلدين مصالحهما التجارية والحربية، والتشاور مع عصبة الأمم بقصد إنهاء الانتداب، مشترطة أن يساهم العرب واليهود في حكومة الدولة المستقلة، على وجه يضمن صيانة المصالح الأساسية للطرفين، وأن يسمح بدخول 75000 مهاجر يهودي خلال الأعوام الخمسة القادمة، اعتباراً من أول نيسان/أبريل 1939، ويمنح المندوب السامي سلطة تنظيم انتقال الأراضي. وقد استقبل الزعماء الصهيونيون ذلك "الكتاب الأبيض" بالرفض التام، بينما برز داخل اللجنة العربية العليا موقفان: موقف الأغلبية التي رأت قبوله كحل مرحلي، وموقف الأقلية، بزعامة المفتي، التي رفضت قبوله.

 *استخلاصات عامة*

كانت الثورة، عند صدور "الكتاب الأبيض"، قد بدأت تعاني من ضعف واضح، نتيجة عجز الثوار عن الحصول على الأسلحة والذخائر، وتفاقم حالة الاحتراب الداخلي بين الفلسطينيين، والتغيّر الذي طرأ على موقف فرنسا، التي كانت حكومتها تغض الطرف في السابق عن نشاط الثوار الفلسطينيين المنطلق من سورية، واستشهاد أو انسحاب أو اعتقال عدد من قادة الثورة البارزين.

وقد مهّد إجهاض الثورة الكبرى التي شهدتها فلسطين خلال سنوات 1936-1939 الطريق أمام وقوع نكبة فلسطين في سنة 1948. إذ تمّ، من جهة، إضعاف الحركة الوطنية الفلسطينية، وتشتيت قواها السياسية، وتحطيم قواها العسكرية، ومن جهة أخرى تعزيز القوة السياسية والعسكرية لمجتمع المستوطنين اليهود في فلسطين. وكان الاستعمار البريطاني، بآلته العسكرية الضخمة، هو العامل الرئيسي في حسم مصير الثورة، وهو ما تعترف به الرواية الإسرائيلية، التي تعتبر أنه لولا الدرع العسكري البريطاني والتعبئة الجزئية للجيش البريطاني النظامي، في بريطانيا نفسها، لما تمكّن مجتمع المستوطنين اليهود من الصمود أمام الثورة الفلسطينية الكبرى، وأنه لولا التعاون العسكري البريطاني لما تمكّن هذا المجتمع من تطوير قوته وإحراز النصر في المواجهة الحاسمة والشاملة التي جرت في سنة 1948.

 *المصادر:*

- "الثورة العربية الكبرى في فلسطين 1936-1939 (الرواية الإسرائيلية الرسمية)"، ترجمه عن العبرية أحمد خليفة. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية- الكويت، جامعة الكويت، 1989.

 

- خلة، كامل محمود. "فلسطين والانتداب البريطاني 1922-1939". بيروت: منظمة التحرير الفلسطينية – مركز الأبحاث، 1974.

- السفري، عيسى. "فلسطين العربية بين الانتداب والصهيونية" (كتابان في مجلد واحد).، يافا: مكتبة فلسطين الجديدة، 1937.

- الشريف، ماهر. "الإضراب التاريخي وثورة عام 1936 في فلسطين. نماذج عن بيانات ونداءات التعبئة والتحريض"، "صوت الوطن"، العدد 17، كانون الثاني 1991، ص 44-50.

- الشريف، ماهر وعصام نصار. "تاريخ الفلسطينيين وحركتهم الوطنية".

بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2018.

- كبها، مصطفى. "ثورة 1936-1939 والذاكرة الشعبية الفلسطينية". "عرب 48"، 10 تشرين الأول/أكتوبر 2010 .

- كنفاني، غسان. "ثورة 36-1939 في فلسطين : خلفيات وتفاصيل وتحليل". "شؤون فلسطينية"، العدد 6، كانون الثاني/ يناير 1972.

- الكيالي، عبد الوهاب. "تاريخ فلسطين الحديث". بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1970.

-  Charif, Maher. « Comment les Autorités du mandat britannique ont étouffé la révolte de 1936-1939 en Palestine », In : Colonisations et Répressions, ouvrage dirigé par Chanson-Jabeur, Chantal, Alain Forest et Patrice Morlat, Paris, Les Indes Savantes, 2015.