في ظل تصاعد ضوضاء طبول الحرب واندفاع الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة وإسرائيل بإجبار دول منطقة الشرق الأوسط والكاريبي على الركوع أمام جبروت القوة العسكرية الضاربة وتسليم أوطانها وشعوبها وثرواتها لحماة ما يسمونه رموز المثل الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، ولكن المفارقة المؤلمة أن هذه البلدان المتحضرة سقطت في الإمتحان حين وضعت تلك المبادئ على الرف وبدأت بقمع الرأي الآخر واعتقال المتظاهرين وطرد الأساتذة من الجامعات الذين خرجوا إلى الشوارع ضد سياسة بلدانها المؤيدة لجرائم الإبادة التي ارتكبتها حكومة إسرائيل العنصرية في فلسطين المحتلة وخاصة في غزة واعتداءاتها المتكررة على بلدان عدة في المنطقة.

 أشعر بأن تكرار تجربة التخلص من نظام صدام الدكتاتوري عن طريق حرب مدمرة لتغيير النظام الإيراني ستخلق فوضى إنسانية كبيرة ليس في إيران فقط ولكن في عموم المنطقة لن يستفيد منها سوى أعداء الحرية والحياة والسلام، ولن يجنِ الشعب الإيراني سوى نظام يفرضه المحتل ويزرع معه كالعادة قنابل موقوتة تقسم البلاد إلى مجموعات عرقية متطاحنة لا تنتج سوى الفواجع والآلام لعموم الشعب، والعراق ونظام المحاصصة الطائفية والعرقية المقيت نموذج صارخ.

ومن جهة ثانية فالشعب العراقي الذي يعيش تحت ظل نظام حكم فقد استقلاليته وصلاحيته نتيجة خضوعه للإملاءات الأمريكية والإيرانية خاصة حيث وسعت طهران من هيمنتها على صناع القرار العراقي عبر أذرع ميليشياتها المسلحة العديدة والتي لن تفرض سياسة إيران على القرار السياسي العراقي فحسب ولكن أيضا تخفف من تأثير العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها من خلال توفير العملات الصعبة وتنشيط التجارة بين العراق وطهران وحتى سمسرة بيع النفط والغاز الإيراني. هذا الوضع الشاذ الذي فرض على العراقيين من الخارج وحول حياتهم إلى جحيم حيث تفشى الفساد والفقر والبطالة، ونراكم الثروات بيد قلّة من السياسيين والمتنفذين الفاسدين جعل عدد كبير من العراقيين يدعمون بشكل أو بآخر التخلص من نظام طهران الداعم لبغداد حتى لو أدى ذلك إلى حرب طاحنة.

ما نشهده اليوم يروز ظاهرة الرئيس ترامب النرجسية الذي لم يتورع عن محاولة التخلص من القوانين وهدم الأسس التي شرّعها العالم بعد الحرب العالمية الثانية لكي بجنبوا الكرة الأرضية وشعوبها هول الحروب العالمية مرة أخرى، واستهل ذلك بتقديم الدعم العسكري والمخابراتي والمالي والدبلوماسي لحكومة نتنياهو العنصرية بالضد من إرادة منظمة الأمم المتحدة ومجلس أمنها رغم توثيق جرائم الإبادة من قبل محكمة العدل الدولية. ولم يفق العالم بعد من جريمة تدمير غزة ولبنان وإيران ليتفاجأ بغزو قوات ترامب دولة فينزويلا واختطاف رئيسها وزوجته، ولكي يضيف نوع من الكوميديا السوداء هدد باحتلال جزيرة غرينلاند الاستراتيجية الغنية التابعة للدانمارك، وتهديد حكومات ودول كانت سابقا حليفا قويا للولايات المتحدة وفرض رسوم كمركية عالية عليها. أما على الصعيد الداخلي فقد شنّ الرئيس ترامب وطاقمه الحكومي حملة واسعة شنعاء ضد المهاجرين الشرعيين وغير الشرعيين وتسفير أعداد منهم إلى بلدانهم الأصلية مستخدما قوات أمن خاصة سميت مختصرا (آيس) مما أدى إلى وقوع مواجهات شبه يومية بينهم وبين نشطاء مدنيين والمدافعين عن الحريات الأساسية ومنظمات حقوق الإنسان أسفرت عن مقتل عدد من الأشخاص على يد تلك القوات، كما وضع الدستور والقوانين رهينة نزواته ومخاوفه من تسرّب ونشر ملفات الدعارة لصديقه أبستن وانتشار أخبارها المقززة واقتراب نار فضائحها إليه.

 لم يكفه ذلك فاتجه بترسانته العسكرية الضاربة من جديد نحو إيران بحجة الدفاع عن الحريات هناك وإرغام طهران على تنفيذ مطالبه بنزع سلاحها الصاروخي وعقد اتفاق نووي يلائم الغرب وإسرائيل. العالم كله يترقب حلول ساعة الصفر، كما يتمنى تجار الحروب والعديد من قصار النظر فشل الوساطات الإقليمية والدولية التي تحاول درء مخاطر هذه الحرب المدمرة. أخشى لو حقا غامر الطرفان بدخول هذا الجحيم فسوف تتكبد إيران وشعبها آلاما ومشاكل جمّة وتدميرا مرعبا، كما لن تنجُ المنطقة من تبعات هذه الحرب وآثارها، ولكن الشيء الأكيد بأن مستقبل إيران وشعبها سوف تتقاذفه أمواج من عدم الاستقرار والتبعية والتفتيت الجغرافي والعرقي.

كل ما نتمناه أن ينتصر صوت العقل والسلام من أجل خير الشعب الإيراني وشعوب المنطقة.

   ٣١ كانون الأول ٢٠٢٦