ملاحظة استجابة لطلب بعض الاصدقاء لإعادة نشر ما تناولته في (ذكريات الزمن القاسي -الطبعة الأولى 2009-) عن انقلاب 8 شباط 1963، ولعدم توفر الكتاب في السوق. سأنشر قدر ما تسعفني أوضاعي هذه الحلقات المنقحة والمطورة عما كانت عليه في الطبعة الاولى، آملا أن أنجح في إعادة طبعها مرة ثانية بعد اكمالها. 

سجن الحلة قسم المعمل 

عندما وصلنا إلى السجن كان الوقت ليلا وجميع المعتقلين نيام وكانت القاعة مزدحمة بالمعتقلين فلم نجد مكانا نجلس فيه! نهض أحد المعتقلين وقدم نفسه لنا، إنه صاحب الحكيم (أبو بشرى) وهو كادر شيوعي من مدينة النجف، كان معتقلا قبل الانقلاب، وسبق وأن تعرفت عليه لأول مرة بعد ثورة تموز المجيدة عندما تم إطلاق سراح السجناء السياسيين، وجاء مرافقا لعمي محمد علي الذي كان مبعدا في قضاء بدرة بعد إنهائه عشر سنوات من السجن أيام النظام الملكي، وحينها عانقت صاحب الحكيم معتقدا إنه عمي، فعانقني مبتسما وأشار الى عمي الذي كان بجانبه!. 

بعد أن قدم صاحب نفسه لنا دعا المستيقظين إلى التراص لتوفير مكان للقادمين الجدد. أحدث وصولنا جلبة وضوضاء، فاستيقظ معظم النزلاء، وتحلقوا حولنا يستفسرون عن آخر الأخبار ولم نكن نعرف أكثر منهم لأننا من الذين اعتقلوا في الأيام الأولى من الانقلاب الدموي. وتم تدبير مكان لنا وسط المعمل (الرواق الطويل). كان المعمل مزدحما بالنزلاء من مختلف مدن الفرات الأوسط وحتى من بغداد، كان بيننا الطلبة، الفلاحون، العمال، الأساتذة، الأطباء، المحامون ومن جميع المهن كذلك كثير من العسكريين من مختلف الرتب. 

 بعد أيام من وصولنا لسجن الحلة وصل الصديق عيسى الحسيني. كان عيسى طالبا في السنة الأخيرة من دار المعلمين الابتدائية وأحد كوادر اتحاد الطلبة العام في كربلاء. اعتقل عيسى مع الراحل هاشم النقيب والراحل مهدي الصافي لنشاطهم الطلابي والشبابي، وحكم عليهم لمدة سنة قضوها في سجن كركوك، وأنهى عيسى مدة حكمه قبل الانقلاب بأيام، لكن سلطات السجن قررت إرساله إلى كربلاء ليطلق سراحه من هناك، وحدث الانقلاب وهو مازال في الموقف العام، ومن ثم نقل إلى سجن الحلة واعتقد بقي منسيا في السجن، مثل آلاف غيره كانوا محجوزين منذ أيام حكم عبد الكريم قاسم! كان عيسى يستلقي على فراشه دائما ولم يهتم بما يدور حوله. وفي أحد الأيام سرني، بان لديه راديو ترانزستور ويستمع منه للأخبار عما يجري في العراق، وأخبرني -طالبا كتم السر- بأنه وجد محطة تدعى (بكي إيران) وهي تتحدث عن مقاومة الشيوعيين في بعض مناطق بغداد والمدن الأخرى، وتتحدث عن الاعتقالات العشوائية والتعذيب، وتذيع نداءات وبيانات من الحزب. أفرحني ما سمعته منه وتفاهمنا لنتناوب في الاستلقاء على جانبنا ونضع المخدة فوق الراديو ونستمع للبث من بكي إيران، ونتبادل ما نسمعه من أخبار وتعليقات. وكنا يوميا بعد سماع النشرة الاخبارية ننقلها على الورق للزملاء في السجن وتنتشر هذه النشرة بين معظم المعتقلين. كما إننا أخبرنا الجميع عن هذه الإذاعة وموجة بثها، وعلمنا أن هناك أكثر من راديو متوفر بين المعتقلين.  

كنا نجلس طول اليوم في هذه القاعة (المعمل) المزدحمة ولا مجال للمشي والحركة فيها اطلاقا، والتهوية كانت رديئة، فالشبابيك الوحيدة كانت على ارتفاع أكثر من 2.5م ولا يمكن فتحها وهي تطل من كلا الجانبين على قاعات السجن الجديد والسجن القديم، فكان الهواء يدخل من الأبواب الموجودة في طرفي المعمل والتي تطل على الممر -رواق السجن- الذي يطوق أقسام السجن. تجاوز عدد النزلاء السبعمائة معتقل، وأدى هذا العدد لأزمة داخل قسم المعمل، ففي أي وقت تحاول أن تغتسل أو إن تذهب للمرافق تجد عشرين معتقلاً أو أكثر ينتظرون قبلك في صف طويل. ولتوضيح الصورة المزرية التي عانيناها في ظل الحكم البعثي الدموي في شباط 1963 على القارئ أن يوزع 24 ساعة (ساعات اليوم) على المعتقلين (أكثر من 500) ليرى حصة الفرد للاستفادة من حنفية واحدة ومرحاض واحد وسيجد حصة كل معتقل يوميا من الوقت للاستفادة من المرافق الصحية لا تتجاوز 3 دقائق باليوم ليغتسل بها ويقضي حاجته! كنا نعيش هذه الحالة المزرية طول اليوم، من ازدحام السجناء وعدم توفر المرافق الصحية المناسبة عددا ونوعية، هذه الأوضاع المزرية أوحت للشاعر الشعبي الرائع الراحل لطيف بربن من أهالي الحلة، بقصيدة شعبية رائعة صور فيها حياتنا داخل السجن وما نعانيه بأسلوب ناقد وساخر، تحدث فيها عن الازدحام وضيق المكان، عن المسطر (تعداد السجناء) وتصرف حراس السجن كعبد الله الشباب وأبو سبتي وغيرهم أثناء التعداد والمواجهات. مازلت أتذكر بعض أبيات تلك القصيدة، وربما سيتذكرها من عاشوا تلك الفترة في سجن الحلة فينشروها أو يرسلوها لي مشكورين لأدونها كاملة، فان مثل هذه القصائد توثق ما قدمه الشيوعيون وأصدقاؤهم من تضحيات ومعاناة وتصور حياتهم في السجون كما تصور همجية وحقد البعثيين ومن شاركهم بالانقلاب. بعد الطبعة الأولى حصلت على معظم القصيدة:                                                        

ألف آه من السره والكانه[1] 

الف آه من السرة والكانه 

ألف آه من السره لمن تجيك  
بطنك اتطورد ومكسور الأبريك  
تلكه ميه واكفه تتنه البريك  
والسره يوصل لعد عنانه  
.............  
إشلون شوغه لو ردت تنكل إبريج  
أمن الظهر تلزم سره لصيحة الديج  
أتكوم بطنك تربد وإلها صريج  
أتشوف كلمن حاير أبز.... بانه  
............. 
الدايره وكت الحجي تزمط  زمط  
أتكول خوش أمخضر إلكم دا نحط  
أخيار تازه الوحده كيلو ونص ضبط  
ومن تعضها جنها بيذنجانه  
.............   
من يجينه الليل تتلملم أهموم  
إنام مانكدر ولا نكدر نكوم  
إيصفطونه مثل تصفيط الهدوم  
ولو تحرك شخص راح إمجانه  
.............   
من تدك الشيلمانه للحساب  
أنكوم مسطر بالشمس ساعة عذاب  
يجي "جمعه "ويجي "عبد الله" الشباب  
و"أبو ناظم"  بالصفير إسبانه 

كانت ظروف الاعتقال كما هو الحال في جميع المعتقلات سيئة جدا ويعيش المعتقلون جوا من الارهاب والرعب لما نسمعه من أساليب تعذيب واغتصاب وممارسات قمعية. كان السجن مزدحما، وحصة الفرد الواحد من المكان لا تتجاوز 40سم. أما الطعام فكان رديئا جدا وفقيرا بالمواد الغذائية، لا أبالغ إذا وصفت وجبة البامية كمثال -وهي لا تختلف عن أي خضار آخر- في الغداء فأن حصة الفرد قد لا تتجاوز 3-6 حبات بامية رديئة جدا، مع كأس من ماء أصفر -مرق- لا أثر فيه للطماطم أو عصيرها (المعجون)، أما اللحم فهذا غير متوفر نهائيا، وأحيانا نعثر في مرق الخضار قطع قماش قذرة ويقال حتى جرذان!. أما الخبز فهو قليل ولا يشبع الكثيرين، وإذا توفر الرز بدل الخبز فهو أيضا لا يشبع ومن أردأ النوعيات. في العشاء يقدم لنا ما تبقى من مرق الغداء! وفي الفطور شوربة عدس خفيفة جدا بدون أي طعم! وكانوا أحيانا يأتون بنوعية رديئة من التمور لتكون وجبة طعام مع الخبز! ولهذا سمحت إدارة السجن لأحد السجناء الجنائيين أن يبيع التكة (قطع لحم صغيرة تشوى على الفحم)، وطبعا معها الطماطم والبصل ... لا أتذكر السعر لأني وأخي كفاح كنا معتمدين على ما تجلبه الوالدة من طعام في زيارتها لنا. ولكن أتذكر جيدا أن هذا السجين الجنائي كان يبيع حبة البصل الصغيرة بعشرة فلوس وهذا غال جدا فالكيلو لا يتجاوز سعره العشرة فلوس في ذلك الزمان! بالتأكيد كان يتقاسم الارباح مع المسؤولين. أما الرعاية الصحية فكانت معدومة، فالمريض يبقى يعاني طويلا، وأصحاب الامراض المزمنة كانوا يعتمدون على عائلاتهم لجلب ما يحتاجونه من علاج. أتذكر حالة أحد كبار السن، كان يعاني من انسداد أو ضيق بمجرى البول وكان يبكي من الألم وعدم قدرته على إفراغ مثانته، فكان يضطر الى استعمال سلك حديدي علّه ينجح في إفراغ مثانته! ولا ننسى أن هناك المئات من المعتقلين كانت عائلاتهم تجهل أنهم معتقلون أو حتى مكان اعتقالهم أو أنهم من مدن بعيدة وظروف العائلة لا تسمح بزيارتهم.  

كانت الاعتقالات تجري بطريقة عشوائية وبدون أية مقاييس سياسية أو جنائية. شملت الاعتقالات الشيوخ المسنين والأطفال والنساء. وكنت أرى أحد الشيوخ في عقده التاسع، وعندما نسأله عن سبب اعتقاله، يقول: يتهمونني بأن لي ميولا يسارية! بينما أنا أسير معتدلا ولا أميل لا يسارا ولا يمينا! ثم ينهض ويمشي أمامنا ليثبت لنا انه لا يميل لأية جهة، وربما كان هو يسخر من الانقلابيين بذلك! كان هذا الشيخ الطاعن بالسن ورغم ظروف اعتقاله يهتم بحلاقة وتحديد لحيته مستعينا بشفرة حادة وعود من قصب البردي دون أن يجرح نفسه، ونقف نحن الشباب نراقبه بدهشة من قدرته على الحلاقة بهذه الطريقة البدائية!. أما أموري عفلوك ابن مدينتي وجاري الذي اعتقل في اليوم الثاني من الانقلاب في كربلاء كرهينة بدل شقيقه الأصغر حمودي، وحمودي لم يبلغ بعد ستة عشر عاما، بقي أموري معتقلا حتى بعد أن سلم حمودي نفسه بضغط من والديه، ونقل أموري معنا إلى سجن الحلة. ولبساطته رفض أن يرتدي البجامة التي استلمها من عائلته، لأنها من لباس السياسيين كما يعتقد وتثبت عليه التهمة وهو ليس بالسياسي، وحتى يثبت عدم كونه سياسيا للحرس القومي الذين يزورون السجن ويقابلون السجناء من حين لآخر، حلق شعر رأسه وكشف عن آثار جروح في رأسه والتي تركتها ضربات السيوف في المناسبات الحسينية في عاشوراء، وكان يتقدم المعتقلين ليكشف عن هذه الآثار في رأسه للحرس القومي ويؤكد لهم انه حسيني ويرفض ارتداء البجامة التي يلبسها السياسيون ولا علاقة له بالسياسة! لم يسلم من اعتقالات الحرس القومي حتى الأطفال الذين اعتقلوا كرهائن بدل آبائهم أو أشقائهم وتعرض الكثيرون منهم للتعذيب حتى الموت كما حدث للشهيد فاضل الصفار وعمره لا يتجاوز ستة عشر عاما واستشهد أثناء التعذيب البربري أمام أعين أمه المناضلة نرجس الصفار وهو يرفض أن يرشد الحرس القومي لمكان إقامة أبيه -زوج أمه- الشهيد الخالد جمال الحيدري. 

في الفترة التي كنت فيها في سجن الحلة (ما بين أواسط شباط وأواخر نيسان) ، وفي أحد الايام من تلك الفترة ، زج بمجموعة (4-6) من شباب الديوانية، وكانت أعمارهم بين 15 و 19 عاما، وآثار التعذيب والضرب على أجسادهم ووجوههم واضحة. ولما تجمعنا حولهم مستفسرين عن سبب اعتقالهم، أخبرنا أحدهم وهو شاب في الصف الأول متوسط دون 16 عاما واسمه صبحي حسين، إنهم تأثروا كثيرا للتصفيات والإعدامات التي تعرضت لها قيادات الحزب الشيوعي، وقد أغاظهم تبجح الانقلابيين بادعائهم القضاء على الحزب الشيوعي وقيادته، فقرروا كتابة مناشير وبيانات ونشرها في المدينة ، ولكن نشاطهم هذا سرعان ما أكتشف لانعدام خبرتهم. وفي حديث متأخر لي مع أحد أبطال هذه المجموعة "صبحي حسين" عبر الفيس بوك يقول: كنت متقدا حماسا لنصرة الحزب بعد الهجمة الشرسة، وكنت أغلي غضبا من حصول الانقلاب الدموي. لذلك فكرت في توزيع نشرات بخط اليد تهاجم البعث والحرس القومي ولصقها على الجدران مدينة الديوانية. طرحت الفكرة على أحد أصدقائي واسمه عدنان فدعوس والذي أصبح بعد ذلك عسكريا برتبة لواء في الجيش. وفعلا قمت بخط النشرات ولصقها على الجدران ليلا ولعدة مرات. وهذا ما أثار الرعب في صفوف الحرس القومي وقوات الامن واستنفرهم. بعد ذلك طرأت على بالي فكرة طبع منشوراتنا على طابعة، ففكرت في الطابعة الموجودة في مدرستي المتوسطة. طرحت الفكرة على صديقين آخرين إذ أن العملية تحتاج لعدد أكبر من الاشخاص. فاتحت زميلي حليم عبد بالفكرة، وبدوره عرفني على طالب أكبر منا سنا يدرس في الاعدادية اسمه علي الشيباني، وهو الآن شاعر شعبي معروف. بعد مراقبة حذرة لحارس المتوسطة وتحركاته ومعرفة وقت خروجه من المدرسة ليلا لتناول عشائه، حينها خططنا لتنفيذ العملية. كلفنا عدنان فدعوس لمراقبة عودة الحارس، وأنا وعلي وحليم نتسلق سور المدرسة ونتوجه بسرعة الى مكان الطابعة. نجحنا وبسرعة بكسر الباب، ورغم أن الظلام كان سائدا، ولكن بحكم معرفتي لمكان الطابعة توجهت بسهولة صوبها مباشرة، وحملها علي بأحضانه لأنه أكبر منا سنا وأقوى بنية، وعبرنا السياج والطابعة معنا. وهكذا مارسنا نشاطنا في كتابة ونشر الاخبار والبيانات التي كنا نكتبها، مستفيدين من اذاعة بكي ايران -صوت الشعب العراقي- ومن المعلومات الفكرية البسيطة التي كنا نتمتع بها. فضحت مناشيرنا أساليب عصابات البعث في الاعتقال والتعذيب ودعونا الشعب الى مقاومة هذه العصابات المجرمة. وقد تركت هذه المناشير عصابات الحرس القومي ومنظمة البعث في رعب وارتباك شديدين. وبالرغم من بساطة أفكارنا وأسلوبنا وقلة مناشيرنا، فإن تلك المناشير تركت تأثيرا وضجة كبيرة بين أهالي الديوانية وأربكت الحرس القومي وقوى الأمن. للأسف لم تجد مجموعة الشباب هذه الطريق الى اي تنظيم حزبي يمكن ان يحتويها ويستفاد من حماسهم واستعدادهم للعمل، ويقوم بتوجيههم التوجيه الصحيح. فعملت هذه المجموعة منفردة بعيدا عن أية خبرة نضالية، وبدون اية تجربة تساعدهم في تجنب عيون عصابات الحرس القومي. حيث تم اكتشافهم وزجهم في الاعتقال وتعرضوا للتعذيب.  

بعد أيام من استقرارنا بقسم المعمل، وفي أحد الليالي نودي على الراحلين صاحب الحكيم و سامي عبد الرزاق لغرض التحقيق. وهب معظم المعتقلين وخاصة من كانت تربطه بهم علاقة سابقة الى توديعهم والشد على أياديهم. خيم الوجوم على بقية المعتقلين بعد فقدنا رفيقا قام بدور طوعي في تنظيم حياتنا ومعيشتنا في المعمل. ومرت أيام معدودة، عاد الينا الراحل سامي عبد الرزاق، وحدثنا عما شاهده من تعذيب للآخرين، وإن عائلته نجحت في إنقاذه من التحقيق وتبعاته من تعذيب جسدي ونفسي... في تلك الايام سمعنا باستشهاد شهيد خوجه نعمة، وسمعنا قصصا عن شراسة التعذيب الذي مورس معه، وكان من تلك الأساليب رش جسمه بالنفط وإشعاله مما أدى الى استشهاده!  

بعد أسبوعين من وجودنا في قسم المعمل سمح لنا بمقابلة الأهل، وكانت هذه المقابلة مرة بالأسبوع أو مرتين بالشهر. كانت الوالدة تعاني من صعوبات الوضع الاقتصادي، حيث فقدت العائلة موردها المالي الوحيد وهو راتب والدي الوظيفي، وحتى أخي كفاح هو الاخر فقد مصدره الوظيفي، أما أخي همام فقد فقدنا الاتصال معه في بغداد ولا نعرف مصيره. فكنت وأخي الأكبر كفاح نقتات على ما يقدم لنا من طعام السجن الرديء. وعندما سمحت إدارة السجن بزيارات عائلات السجناء، نجحت الوالدة طيب الله ثراها في زيارتها لنا مع بعض شقيقاتي وهي تحمل لنا مونة من الطعام (الكبة، الطماطة، البيض المسلوق، البطاطة المسلوقة) ما يكفي لحين الزيارة القادمة، إضافة لما جلبته لنا من ملابس وغيرها من احتياجات. وهكذا تكررت زيارات الوالدة لنا في السجن وفي كل مرة تحمل لنا ما يكفينا من الطعام. وعندما سألتها بتجنب مصاريف النقل وأن تختصر زياراتها لنا وتهتم بشؤون والدي وشقيقاتي ورعايتهن والبحث عن مصير أخي همام، أخبرتني بأن جاسم السائق أبدى استعداده بالمساهمة معه زميله السائق كاظم في نقلها مجانا، قائلا لها أن علي الشبيبي وعائلته يجب أن تبقى مرفوعة الرأس وأن تعيش كريمة النفس في ظل حكم الحرس القومي، وهكذا أوفيا هذين الطيبين بتعهدهما، وللأسف لم التق بجاسم أما كاظم فكان من مرتادي مقهى حميد التي نطلق عليها مقهى الغنم، لأن معظم روادها من تجار الماشية والقصابين. وكان كاظم لاعب دومنة بارع، ويتميز بقدرته السريعة على حساب النقاط، فما أن تكشف له قطع الدومنة ومهما كان عددها يعطيك في ثواني مجموع نقاطها دون نقص أو زيادة! وكنا دائما نلتقي في المقهى ونتابع بإعجاب لعبه مع الاخرين.  

 [1]- الكانة: يطلق السجناء على الملابس الرسمية المخصصة لهم والطعام المقدم لهم بالكانة. والأسماء الواردة في القصيدة -جمعة، عبد الله الشباب، وأبو ناظم- أسماء حقيقية لحراس سجن الحلة أيام شباط 1963. 

  

عرض مقالات: