هذه محاولة توصيف وليس تقييم، للحركة الانصارية للحزب الشيوعي العراقي، التي سجلت ملاحم وبطولات في نضالها لأجل الوطن الحر والشعب السعيد، مقدمة كواكب من الشهداء الشجعان في معارك بطولية ذادوا فيها بأرواحهم الشريفة عن مبادئهم ومواقفهم الصلبة. نقدم هذا التوصيف استنادا الى واقع المجتمع العراقي وتاريخ الحركة الوطنية ومقارنة بالحركات السياسية الأخرى، التي اعتمدت الكفاح المسلح كأسلوب نضالي. والمعروف ان الحزب الشيوعي العراقي، لجأ الى اعتماد الكفاح المسلح كأسلوب نضالي في فترتين، بدأت الأولى بعد انقلاب 8 شباط 1963، حيث تم اغتيال ثورة الرابع عشر من تموز 1958 وتعرض الحزب الشيوعي العراقي الذي ساند الثورة بحماس الى حملات تصفية شملت ليس منظماته وأعضاؤه، بل واعدام كوكبة من رفاق قيادة الحزب في مقدمتهم الشهيد الباسل سلام عادل. وبدأت الثانية عام 1978 بعد انفراط التحالف فيما عرف بالجبهة الوطنية والتقدمية بين الحزب الشيوعي وحزب البعث.

  1. في كلتا الفترتين، دعا وقاد الحركة الحزب الشيوعي، وهو حزب علماني، اممي، ماركسي، تقدمي، فكل هذه الصفات ساهمت في رسم ملامح الحركة بهذا الشكل او ذاك.
  2. ومن المفارقة القول ان كلا الفترتين كانتا للنضال ضد تعسف وحكم حزب فاشي شوفيني شمولي، آمن بالفكر الاشتراكي القومي، كالحزب النازي الهتلري، عرف باسم حزب البعث العربي الاشتراكي العراقي.
  3. بحكم كون الحزب الشيوعي العراقي حزب أممي، وابوابه مفتوحة لانتماء أي مواطن عراقي بلغ الثامنة عشر يقر بالنظام الداخلي والبرنامج للحزب، نلاحظ ان أعضاء حركة الأنصار ينتمون لكل مكونات الشعب العراقي القومية والدينية.
  4. كون الحزب الشيوعي العراقي حزب تقدمي، يؤمن بالمساواة بين الرجل والمرأة، وناضل كثير لنيل حقوقها في الحياة الاجتماعية والسياسية، نرى ان حركة الأنصار الشيوعيين ضمت الكثير من النساء كنصيرات، شغلنّ مكانة بارزة، وعملن بجدية ومسؤولية في مختلف المواقع وساهمن في اغلب المهام، وحتى في بعض العمليات العسكرية، وكان منهن شهيدات باسلات يفخر تأريخ الوطن بهن وليس الأنصار الشيوعيين وحدهم.
  5. بحكم كون الحزب الشيوعي قائد الحركة، وفي كلا الفترتين تعرضت منظماته لهجوم إرهابي بوليسي من قبل سلطة غاشمة، قامت باعتقال قياداته وتصفية بعضها، ففي عام 1963 استشهد كوكبة من قادة الحزب في مقدمتهم الشيوعي الباسل، سكرتير الحزب، الرفيق سلام عادل، فأن الحزب اعتمد الحركة الانصارية كركيزة لتجميع قواه وبناء منظماته وتعزيز نشاطه الإعلامي، هكذا قام الحزب في ثمانيات القرن الماضي باعتماد تحرير وطبع (طريق الشعب )، جريدة الحزب المركزية من أراضي كردستان ، وأيضا إذاعة (صوت الشعب العراقي ) ، كانت تبث من الأراضي العراقية في كردستان، وكل ذلك بحماية بنادق الأنصار الشيوعيين .
  6. بحكم، اعتماد الحزب الشيوعي، حركة الأنصار كحامي وركيزة لبناء منظماته واستعادة نشاطه، اعتمدت الحركة، وفق منطق العلوم العسكرية، استراتيجية دفاعية. إذ كان الحزب الشيوعي يدرك جيدا بان حركة الانصار ليس بمقدورها اسقاط النظام، فإمكانيات النظام الديكتاتوري، الضخمة، بتوظيف أموال تأميم النفط، وبناءه جيشا وصف بأنه رابع الجيوش في العالم، تجعل من السذاجة الاعتقاد بسقوطه بسبب مناوشات حرب الأنصار، لكن الحزب، آمن بأن الحركة ستكون أداة لتثوير المجتمع، وانطلاق انتفاضات جماهيرية، وهذا ما حصل في مدن كردستان، في الاعوام 1982 و1984 و1987 وغيرها.
  7. وبنفس الوقت، ان هذا الكلام لا يمنعنا من القول ان للحركة الانصارية معاركها العسكرية والمواجهات التي سجلت فيها صفحات نضالية باسلة في نضالات الانصار والتي كبدت النظام خسائر بالغة ولم يكن النصر لصالحه.
  8. وامتازت الحركة الانصارية بالتحاق المئات من خريجي الجامعات وطلاب الجامعات، وبينهم أصحاب شهادات عليا. وفي أحد المرات في قاعدة انصارية واحدة، ذكر الرفيق فخري كريم (خلال أيام عقد مؤتمر الحزب الرابع) في مقال له، أنه قام بإحصاء وجد فيه ان الأنصار المتواجدين هناك يتحدثون 11 لغة اجنبية من غير العربية والكردية. هذا التواجد لهذه الاعداد من المثقفين والمتعلمين، وبينهم عدد لا يستهان به من الكتاب والفنانين المحترفين، ساهم بكون الحركة امتازت بحياة ثقافية نشطة، فكانت ثقافة الأنصار، ثقافة مقاومة للعدوان والفاشية، حيث تعقد عشرات الندوات الثقافية، الشعرية والقصصية، والحوارية في مختلف الموضوعات، إضافة الى النشاط المسرحي والتشكيلي وبروز الصحافة الدفترية. وكل هذا قاد لتطور وبزوغ العديد من المواهب الأدبية والفنية، التي اغتنت بالتجربة لتكون فيما بعد أسماء لامعة وبارزة في الثقافة العراقية.
  9. ان ايمان الشيوعيين العراقيين بمبدأ حق الشعوب بتحقيق مصيرها، ووقوفهم الى جانب الحقوق المشروعة للشعب الكردي، ساعد كثيرا في احتضان الشعب الكردي للحركة ودعمها، وهو الشعب الذي عرف عنه الكرم والاباء.   ورغم سمة، وجود أعداد غفيرة من المثقفين في صفوف الحركة، وكونها تعمل وتنشط في وسط فلاحي تنتشر فيه الامية، إلا ان الحركة نجحت في بناء علاقات طيبة ومثمرة مع أبناء المنطقة، من أبناء شعبنا الكردي. ساعد في ذلك حجم الخدمات التي قدمها الأنصار لأبناء القرى، خاصة الانصار العاملين في الحقل الطبي، من ممرضين وأطباء، ودور الرفيقات النصيرات خصوصا في تقديم النصح والإرشاد في مختلف الحالات الصحية والاجتماعية، يضاف الى ذلك استبسال الأنصار في الدفاع عن القرى الكردية في مواجهة غدر وهجمات قوات النظام الديكتاتوري خصوصا من المرتزقة الجحوش وقوات الاستخبارات العسكرية. في مقابل كل هذا قدم أبناء الشعب الكردي، خصوصا الفقراء منهم، كل الدعم المادي والمعنوي، وطالما بادروا لحماية الانصار بتوفير المعلومات وانذارهم الأنصار، أحياناً، من تحركات ونيات قوات النظام الديكتاتوري، هذا من غير عمليات الايواء التي تكررت هنا وهناك. أيضا قيام حركة الأنصار بدعم انتفاضات شعب كردستان ضد الحكم الشوفيني بل وكانوا من المبادرين للمشاركة بفعالية في اندلاع تلك الانتفاضات المجيدة.
  10. رغم ان الحركة لم تنجح في تعريق نفسها، بإيجاد ركائز ومفارز عمل لها في المدن العراقية، بحكم إمكانيات وجبروت النظام، الا انه لا يجب اغفال ان الحركة حاولت ذلك، لكن عدم التوازن في القوى، وشراسة النظام وامكانياته الكبيرة المادية والموضوعية، في تجنيد وتسقيط ودس عناصر في عموم حركات المعارضة والمقاومة، لم يسهل المهمة. وفي حالات كان النظام يدس عملاء له في حركات سياسية حليفة للتجسس على أنصار حزبنا وليس على مقاتلي الحركة نفسها. وخلال هذا السعي، لتعريق عمل الحركة، لم تلجأ ولم يكن في حساباتها ان تقوم بأعمال تفجير او هجوم ضد مواقع مدنية في أي من مدن العراق.
  11. رغم ان الجيش العراقي، من بعد صعود جناح البكر ـ صدام وتحكمه في سياسات حزب البعث، وخصوصا مع بعد تفرد صدام حسين وحاشية ضيقة بمجريات الحكم، تحول الى جيش سلطة غاشمة واداة لتنفيذ مخططاتها المجنونة، في حروب داخلية وخارجية، في الانفال والحرب المهلكة مع "الجمهورية الإسلامية الإيرانية" وثم غزو الكويت، مما افقد الجيش كثيرا صفته كجيش عراقي وطني، إلا حركة الأنصار حرصت على رفع شعار ( الجنود إخواننا والنظام عدونا) ، وسعت الحركة وحققت نجاحات هنا وهناك في عقد علاقات صلات طيبة مع وحدات ومواقع الجيش والربايا والمعسكرات، وهذا رد مباشر على من يدعي كون حركة الأنصار استهدفت الجنود العراقيين من جيش صدام . لجأ الأنصار مثلا الى تكتيك ترك الرسائل مع رغيف خبز في طريق جنود الربايا. (كان يمكن ان يكون هذا لغما) ونجحوا في عقد صداقات، ولم يكن غرضها فقط المعلومات وجلب الادوية والصحف والمجلات، بل أصبح بعض الأنصار يتسلل الى الربايا ليتفرج على مباريات كرة القدم في تلفزيون الربيئة. وهناك قصص طريفة عديدة عن هذا.
  12. أيضا لابد من الحديث عن استقلالية حركة الأنصار الشيوعيين، فهي وإذ لم يكن لها عمق جغرافي صديق، لا في تركيا ولا إيران، والحدود السورية بلوغها يتم دائما بمغامرة مشوبة بالمخاطر، فإنها سياسيا امتازت بخضوعها فقط لقرار قيادتها السياسية، أي قيادة الحزب الشيوعي، فلم تكن للحركة أي عمليات عسكرية مشتركة ضد الجيش العراقي بالتنسيق مع عمليات الجيش الإيراني، وبذلت الحركة جدا لتجنب الوقوع في هذا المطب عن وعي، وهناك شواهد عن انسحاب قوات الانصار من استكمال نشاط عسكري عند وجود أي شك عند القيادات الميدانية. مثلا وجود تنسيق ما مع القوات الإيرانية بين قوى حليفة وقوات ايرانية، ففي أحد المرات انسحبت مفرزة شيوعية من استكمال عمل عسكري حين انتبهوا ان القوى الحليفة تستعين بجندي مخابر إيراني.
  13. وفي في إطار الصراع على مناطق النفوذ، بين القوى الكردستانية، الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني، حيث نجد عمليا ان الحزب الكردستاني ينشط في مناطق بهدينان، بينما الاتحاد الوطني في مناطق، سوران، فان الحركة الانصارية للحزب الشيوعي لم يستطع أحد منعها، وكانت قواتها متواجدية في كل مناطق كردستان.
  14. ولم تنجح الحركة في ان تكون حركة جماهيرية، فواصلت كونها حركة تضم الكادر الحزبي الشيوعي ولهذا فأن أي ضربة تتلقاها كانت تصيب الحزب بخسارة كبيرة. ويمكن القول هنا ان هذه الضربات كانت دوما تصيب العظم!

      *عن دورية (النصير الشيوعي) العدد صفر ، تموز 2021

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل