نشعر بأن الزمن لا يمضي حين يكون الركود العام عنوانا لحياتنا, ولكن الزمن يمضي في الواقع وإن كان يكرر نفسه كأن لا شيء يتغير, رغم أننا نعرف جيدا أن الثبات يستحيل إذ لا شيء ثابت غير قانون التغير ذاته. ولكن السلطات المتعاقبة في مصر منذ ما يزيد على القرن تقدم لنا الدليل تلو الآخر، يقول لنا إن قانون التغير وفلسفته لا ينطبقان عليها, إذ أن ممارساتها ضد الحريات العامة تظل ثابتة وراسخة كالجبال.
خاصمت السلطات منذ البداية كل جماعات حقوق الانسان, وأطلقت أبواقا في كل العهود، وبعضها راسخ رسوخ المنطق الذي يحرك هذه السلطات, فأخذوا يوجهون تهم الخيانة والعمالة للشباب الذين يسيرون هذه المنظمات دون أن يجربوا أبدا الدخول في حوار جدي حول ما تقدمه هذه الجماعات والمؤسسات من أفكار ووقائع وأخبار. وبدلا من أن تسعى السلطات إلى تحسين صورتها، وإذ تقول إن هؤلاء الشباب يشوهونها في العالم، تبادر إلى المزيد من الاساءة لنفسها, والمزيد من تشويه الصورة, ولا ينقل هؤلاء إلا الحقيقة حتى وإن كانت مؤلمة. وحدثت بعض المبالغات بطبيعة الحال، وهو شأن من يسعي للحصول علي المعلومات التي تحجبها السلطات عادة.
وتزداد الهوة اتساعا بين السلطات وهؤلاء الشباب التواقين للتحرر، والرافضين للقيود وأشكال الحصار السلطوي على حركة الجماهير، إذ أن ذلك كله يشكل نوعا من الوصاية لا يعترف بتطور الوعي الجماهيري، وبقدرة هذه الجماهير على الإمساك بوسائط العصر والتعامل معها دفاعا عن حقوقها وعن وجودها ذاته.
وتلجأ السلطات الي الأساليب القديمة ذاتها وهي تمارس منهجا عقابيا عفا عليه الزمن فتعتقل وتسجن وتنصب المحاكم، وتطلق بعض أبواقها لتشويه احتجاجات الشباب دون جدوي، ودون أن تدرك هذه السلطات انهيار مصداقيتها لا أمام العالم فحسب، وإنما أيضا أمام شعبها. وتزداد فجوة الثقة اتساعا وكأننا نعيش في عالمين منفصلين، بل متعاديين, وليس هناك أي توازن بينهما من حيث القوة والامكانيات.
وتستخدم السلطات قوتها وامكانياتها في ظل طابعها الاستبدادي والذي لا يعترف بالتنوع أو التعدد لكي تبطش بكل من يختلف معها إن في فلسفتها أو ممارساتها القمعية.
وحين تبادر بعض المنظمات الحقوقية للتعبير عن رفضها لهذه الأساليب التي تخاصم التاريخ والعصر، لا تجد هذه السلطات إلا سلاح الايذاء بالقمع خوفا من الحوار الصحي والموضوعي الذي لابد أن يفضي في آخر المطاف إلي الإقرار بوجود قيمة كبري تسمى قضية الحريات العامة المقصوصة الجناح.
ولا أسوق تعبير مقصوصة الجناح من باب المصادفة أو البلاغة اللغوية، ولكنها الحقيقة المادية التي لا ينكرها إلا أعمى. فرغم أن الدستور خص الحريات بباب كامل اختتمه بتجريم أي انتقاص من هذه الحريات تحت أي مسمى، يجري الانتقاص منها علي قدم وساق.
ولا أعرف إن كانت السلطة البيروقراطية الجامدة تدرك حجم الإهدار في طاقات البلاد حين تحاصر حركة هؤلاء الشباب وجهودهم الصادقة لتطوير واقع بلادهم لتتبوأ المكانة اللائقة بها في خريطة العصر. وهؤلاء الشباب يريدون أن يفخروا ببلادهم كموطن للعدالة والكرامة الانسانية والحرية حتى لا يبقي كل ذكر لها في العالم المعاصر مرتبطا فقط بماضيها المجيد، وكأن الزمن لا يمضي حيث تتسابق الشعوب والدول للاسهام في الحضارة الجديدة. وتدرك أن التضييق على شبابها، بل ومعاقبتهم لأنهم مختلفون لا يفضي إلا للركود والخصم من قدرة بلد ما على التقدم مستخدمة الحرية التي هي واحدة من قاطرات هذا التقدم، بل وأيضا أحد تجلياته الايجابية.
لا تزال الأساليب القديمة تعشش في تكوين ونفوس رجال الأمن الذين يعتبرون المخالفين والمعترضين أعداء, ونحن نعرف جيدا ما تفضي إليه هذه النظرة من كوارث وأذى لأسر وأفراد غالبا ما يكونون من خيرة شباب الوطن يكرسون طاقاتهم الخلاقة للنهوض به. في دائرة صمت تعلق قضية نشطاء حقوق الانسان الذين يتعرضون بين الحين والآخر لاتهامات ظالمة وممارسات قمعية لإخفاء الحقائق الأساسية حول الأوضاع في البلاد وفي السجون المصرية على نحو خاص, وما يقومون به من أجل تعرية الواقع الفعلي وصولا للحقائق هو صلب الدور الذي انتدبوا انفسهم له، وهو دور نبيل يعترف به العالم كله ما عدا حكومتنا.
ويشهد القاصي والداني لحركة حقوق الانسان في مصر أنها مبكرا جدا جددت مفهوم الحقوق بعد أن كانت بعض الجهات قد اختزلته في الحقوق الشخصية للأفراد. وطال التجديد الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، واتسع نفوذ هذه المنظمات لتزعج العقول الجامدة والقلوب القاسية التي لا تعرف الا تشغيل آلة القمع، ولكن دون جدوي لأن الدنيا تغيرت والسير الى الامام لا مفر منه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأهالي” – 2 كانون الأول 2020

عرض مقالات: