دراسة في الذكاء الاصطناعي وإعادة تشكّل علاقات الإنتاج في الرأسمالية الرقمية

المقدمة

يشهد العالم المعاصر تحولات تكنولوجية متسارعة أعادت تشكيل بنية الاقتصاد وأنماط الإنتاج والعمل، حتى أصبحت البيانات والخوارزميات والذكاء الاصطناعي عناصر أساسية في تطور الرأسمالية الراهنة. ولم يعد أثر التكنولوجيا مقتصرًا على تطوير وسائل الإنتاج ورفع إنتاجية العمل، كما ظهر خلال الثورة الصناعية، بل امتد إلى إنتاج المعرفة، وتنظيم الأسواق، وإدارة العمل، وتوجيه الانتباه، والمشاركة في صنع القرار. وفي سياق هذه التحولات برزت مفاهيم مثل «الرأسمالية الرقمية» و«اقتصاد المنصات» و«اقتصاد البيانات»، للتعبير عن مرحلة أصبحت فيها المعرفة والبيانات والقدرة الحاسوبية موارد إنتاجية ومصادر متزايدة للثروة والسلطة.

وتثير هذه التحولات إشكالية نظرية مركزية: هل تمثل الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي قطيعة مع التحليل الذي قدمه ماركس وإنجلز لتطور الرأسمالية، أم تعبران عن مرحلة نوعية جديدة من تطور القوى المنتجة يمكن فهمها في ضوء مفاهيم المادية التاريخية؟ ويتفرع من هذا السؤال بحث الكيفية التي أعادت بها الخوارزميات والبيانات والبنية الحاسوبية تشكيل العلاقة بين التكنولوجيا والعمل والملكية، ومدى استمرار التناقض بين الطابع الاجتماعي للإنتاج والاستحواذ الخاص على نتائجه في ظل الرأسمالية الرقمية.

ويُعد مفهوم القوى المنتجة من المفاهيم الأساسية في الفكر الماركسي؛ لأنه يربط تطور القدرات المادية والمعرفية للمجتمع بالتحولات التي تطرأ على بنيته الاقتصادية والاجتماعية. ولا تقتصر القوى المنتجة على الآلات والأدوات، بل تشمل قوة العمل البشرية، والمعرفة العلمية، والخبرة التقنية، وتنظيم العمل، وأشكال التعاون، وسائر القدرات التي تسهم في إنتاج الثروة الاجتماعية. غير أن هذه القوى لا تتطور بصورة مستقلة عن المجتمع، وإنما داخل علاقات إنتاج تاريخية تحدد أشكال الملكية والسيطرة، وتنظم عملية العمل وتوزيع الموارد ونتائج الإنتاج.

ولم يتبلور هذا المفهوم في مؤلفات ماركس وإنجلز دفعة واحدة، بل تطور في سياق تحليلهما لصعود الرأسمالية الصناعية وتحولاتها. ففي «الأيديولوجيا الألمانية» ارتبط بالتأسيس المادي لفهم التاريخ، من خلال ربط أشكال الحياة الاجتماعية بالنشاط المادي وتقسيم العمل وأنماط الملكية. وفي «البيان الشيوعي» اكتسب بعدًا تاريخيًا أوضح، إذ ظهرت الثورة المتواصلة في أدوات الإنتاج بوصفها سمة ملازمة للرأسمالية ومصدرًا لقوتها وتناقضاتها. وقدّم إنجلز، في «حالة الطبقة العاملة في إنجلترا»، تحليلًا واقعيًا للآثار التي أحدثها الإنتاج الصناعي في العمل والمدينة والسكن والصحة ومجمل الحياة الاجتماعية.

وتعمق هذا التحليل في «الغروندريسه»، ولا سيما في المقطع المعروف بـ«مقطع الآلات»، حيث تناول ماركس اندماج العلم والمعرفة الاجتماعية في وسائل الإنتاج، وتحول المعرفة الاجتماعية العامة إلى قوة إنتاجية مباشرة. ثم قدّم في «رأس المال» تحليله الاقتصادي الأكثر اكتمالًا للآلة والصناعة الكبرى، موضحًا دور التكنولوجيا في رفع الإنتاجية وإنتاج فائض القيمة النسبي وإعادة تنظيم عملية العمل وتعميق خضوع العامل لرأس المال. ويتيح هذا المسار النظري الانتقال من تحليل الآلة الميكانيكية إلى بحث الخوارزمية والذكاء الاصطناعي بوصفهما شكلين معاصرين لتجسد المعرفة الاجتماعية في وسائل الإنتاج.

ولا يعني هذا الانتقال أن ماركس تنبأ بالذكاء الاصطناعي أو باقتصاد المنصات، كما لا يعني إمكان إسقاط مفاهيم القرن التاسع عشر على الواقع المعاصر من دون مراعاة الاختلافات التاريخية والتقنية. فالذكاء الاصطناعي يتميز بقدرته على معالجة كميات واسعة من البيانات، والتدخل في بعض المهام المعرفية واللغوية والتحليلية، والمشاركة في تنظيم العمل والخدمات وصنع القرار. ومع ذلك، توفر مفاهيم القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج وفائض القيمة ورأس المال الثابت و«العقل العام» أدوات نظرية تساعد على فهم موقع هذه التكنولوجيا داخل الرأسمالية المعاصرة، والكشف عن العلاقات الاجتماعية التي تنظّم ملكيتها واستخدامها وتوزيع ثمارها.

وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن الانتقال من الآلة الميكانيكية إلى الخوارزمية لا يمثل خروجًا كاملًا عن المنطق الذي حلل به ماركس تطور الرأسمالية، بل يعبر عن مرحلة نوعية جديدة من تطور القوى المنتجة تعيد فيها الرأسمالية إنتاج تناقضاتها ضمن شروط تقنية أكثر تعقيدًا. فكما ارتبط استخدام الآلة الصناعية بزيادة الإنتاجية وإعادة تنظيم العمل وتعظيم تراكم رأس المال، أصبحت البيانات والخوارزميات والذكاء الاصطناعي تؤدي وظائف مماثلة، مع امتداد تأثيرها من الإنتاج المادي المباشر إلى إنتاج المعرفة وتنظيم الأسواق ومراقبة العمل والمشاركة في صنع القرار.

غير أن الذكاء الاصطناعي لا يمثل قوة مستقلة تقود حتميًا إلى التحرر أو إلى مزيد من السيطرة. فهو يتيح إمكانات واسعة لتقليص زمن العمل الضروري، وتحسين الخدمات العامة، وتطوير البحث العلمي، وتوسيع الوصول إلى المعرفة، وتعزيز القدرة على تخطيط الموارد وتنسيقها. لكنه قد يُستخدم كذلك لتقليل العمالة، وزيادة كثافة العمل، وتوسيع المراقبة الرقمية، وتركيز الملكية والسلطة الاقتصادية. ولذلك لا تتحدد نتائجه الاجتماعية بخصائصه التقنية وحدها، بل بعلاقات الملكية والعمل والسلطة، وبالمؤسسات التي تحدد أهداف استخدامه والكيفية التي توزَّع بها مكاسب الإنتاجية والمخاطر الناجمة عنها.

وتهدف الدراسة، انطلاقًا من ذلك، إلى تتبع تطور مفهوم القوى المنتجة في فكر ماركس وإنجلز، وتحليل العلاقة التي أقاماها بين التكنولوجيا والعمل وعلاقات الإنتاج، ثم اختبار القدرة التفسيرية لهذه المفاهيم في قراءة الرأسمالية الرقمية والذكاء الاصطناعي. كما تبحث الشروط الاجتماعية والمؤسسية التي يمكن أن تجعل تطور القوى المنتجة أساسًا لتحسين حياة الإنسان وتوسيع حريته، من خلال مناقشة ملكية البيانات والخوارزميات والبنى الحاسوبية، وتقليص زمن العمل، والتخطيط الاجتماعي، والمشاركة الديمقراطية، ومخاطر البيروقراطية والمراقبة. ولا تُطرح الاشتراكية هنا بوصفها نتيجة تلقائية للتقدم التقني، بل باعتبارها إمكانًا تاريخيًا مشروطًا بتغيير علاقات الملكية والقرار وتنظيم العمل.

وتعتمد الدراسة المنهج التاريخي التحليلي، من خلال تتبع المفهوم في النصوص الأساسية لماركس وإنجلز، وربطه بسياقاته النظرية والتاريخية، ثم توظيف نتائجه في تحليل التحولات التي يشهدها الاقتصاد الرقمي المعاصر، مع الاستفادة من الدراسات والتقارير الحديثة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والعمل والبيانات والمنصات والبنية الحاسوبية. وتقوم هذه المقاربة على التمييز بين النص الماركسي في سياقه التاريخي والاستخدام المعاصر لمفاهيمه، بما يمنع تحويلها إلى صيغ جامدة أو نبوءات تقنية، ويحافظ في الوقت نفسه على قدرتها النقدية والتفسيرية.

وتنتظم الدراسة في ثمانية فصول مترابطة. تتناول الفصول الخمسة الأولى تطور مفهوم القوى المنتجة في «الأيديولوجيا الألمانية» و«البيان الشيوعي» و«حالة الطبقة العاملة في إنجلترا» و«رأس المال» و«الغروندريسه». وينتقل الفصل السادس من الآلة إلى الخوارزمية، من خلال تحليل موقع البيانات والذكاء الاصطناعي في القوى المنتجة المعاصرة. ويبحث الفصل السابع تناقضات الرأسمالية الرقمية وإمكانات الذكاء الاصطناعي وحدوده، بينما يناقش الفصل الثامن الشروط الاجتماعية والمؤسسية لإعادة تنظيم العلاقة بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج، ولا سيما الملكية الاجتماعية للبنية الرقمية، وتقليص زمن العمل الضروري، والتخطيط الخوارزمي، والمشاركة الديمقراطية، ومخاطر البيروقراطية والمراقبة.

الفصل الأول: «الأيديولوجيا الألمانية» والتأسيس النظري لمفهوم القوى المنتجة

تمثل «الأيديولوجيا الألمانية» (1845–1846) منعطفًا أساسيًا في تطور فكر ماركس وإنجلز، إذ انتقلا فيها من نقد الفلسفة المثالية الألمانية إلى تأسيس تصور مادي للتاريخ والمجتمع. فلم يعد التاريخ يُفسَّر انطلاقًا من تطور الأفكار أو أشكال الوعي، بل من النشاط المادي الذي ينتج البشر من خلاله شروط حياتهم. ومن ثم، أصبح إنتاج وسائل العيش نقطة البداية لفهم نشوء العلاقات الاجتماعية والمؤسسات السياسية والأشكال الفكرية، بدل النظر إليها بوصفها قوى مستقلة تتحكم في حركة التاريخ.(1)

وفي هذا الإطار، تبلور مفهوم القوى المنتجة بوصفه تعبيرًا عن القدرات المادية والبشرية التي يمتلكها المجتمع في مرحلة تاريخية معينة. وتشمل هذه القدرات قوة العمل وأدوات الإنتاج والخبرات العملية وتقسيم العمل وأشكال التعاون التي تتيح للمجتمع إنتاج شروط وجوده. ولذلك لا تظهر القوى المنتجة، في «الأيديولوجيا الألمانية»، باعتبارها عناصر تقنية منعزلة، بل بوصفها قوى اجتماعية تتطور من خلال نشاط البشر وعلاقاتهم المتبادلة.(2)

ويرتبط تطور القوى المنتجة بتطور تقسيم العمل وأشكال التعامل الاجتماعي؛ فكل مرحلة جديدة في تقسيم العمل تُحدث تغيرًا في تنظيم النشاط الإنتاجي وفي العلاقات القائمة بين الأفراد والجماعات. ومع اتساع الإنتاج والتبادل، تتجاوز القوى المنتجة الحدود المحلية، وتزداد المجتمعات والمناطق اعتمادًا بعضها على بعض. وهكذا لا يعود التاريخ مجرد تعاقب للأفكار والأنظمة السياسية، بل يصبح مسارًا ماديًا تتفاعل فيه وسائل الإنتاج وتقسيم العمل وأشكال التعاون والملكية.

غير أن القوى المنتجة الناشئة من النشاط المشترك للبشر قد تظهر أمامهم بوصفها قوة مستقلة لا يسيطرون عليها؛ لأن تقسيم العمل والملكية الخاصة يفصلان المنتجين عن شروط إنتاجهم وعن النتائج الاجتماعية لنشاطهم. ومن هنا برز أحد التناقضات الأساسية التي سيطورها ماركس في أعماله اللاحقة: فالقوى التي ينتجها المجتمع بصورة جماعية لا تخضع بالضرورة لسيطرته الواعية، بل قد تتحول، في ظل علاقات اجتماعية محددة، إلى قوة تهيمن على المنتجين أنفسهم.

ولا تقدم «الأيديولوجيا الألمانية» الصياغة الاقتصادية المكتملة للعلاقة بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج، لكنها تضع أسسها النظرية من خلال الربط بين تطور القدرات الإنتاجية وأشكال تقسيم العمل والملكية والتعامل الاجتماعي. وقد منح ماركس هذه العلاقة صياغة أكثر تحديدًا في «مقدمة مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي» سنة 1859، حين بيّن أن قوى الإنتاج المادية تدخل، عند مرحلة معينة من تطورها، في تناقض مع علاقات الإنتاج القائمة، فتتحول هذه العلاقات من أشكال ساعدت على نمو القوى المنتجة إلى قيود تعوق استمرار تطورها.(3)

ولا يعني هذا التناقض أن التحول الاجتماعي يقع بصورة آلية بمجرد تطور القوى المنتجة؛ لأن الانتقال من نمط إنتاج إلى آخر يرتبط كذلك بالصراعات الاجتماعية وبأشكال الوعي والتنظيم والعمل السياسي. لكنه يعني أن هذه الصراعات لا تنشأ في فراغ، بل تتطور في ارتباط بالشروط المادية والتناقضات الموضوعية داخل نمط الإنتاج نفسه. وبذلك وفرت «الأيديولوجيا الألمانية» الأساس النظري الذي سمح لماركس وإنجلز بالانتقال من نقد الفلسفة المثالية إلى تحليل الحركة التاريخية للمجتمع الرأسمالي.

ويظهر هذا الانتقال بصورة أكثر وضوحًا في «البيان الشيوعي»، حيث لم تعد القوى المنتجة مفهومًا عامًا لتفسير التاريخ فحسب، بل أصبحت مدخلًا لتحليل الدينامية الخاصة بالرأسمالية. فقد بيّن ماركس وإنجلز أن استمرار البرجوازية مشروط بإحداث ثورة متواصلة في أدوات الإنتاج، وأن التطور الذي تطلقه الرأسمالية يولّد، في الوقت نفسه، تناقضات تعجز عن السيطرة عليها بصورة دائمة.

الفصل الثاني: «البيان الشيوعي» والثورة المتواصلة في أدوات الإنتاج

إذا كانت «الأيديولوجيا الألمانية» قد وضعت الأسس النظرية لفهم القوى المنتجة ضمن التصور المادي للتاريخ، فإن «البيان الشيوعي» (1848) نقل هذا المفهوم إلى تحليل الحركة التاريخية للرأسمالية. ففي الفصل الأول منه، «البرجوازيون والبروليتاريون»، يبين ماركس وإنجلز أن البرجوازية لم تكتفِ بإحلال نمط إنتاج جديد محل العلاقات الإقطاعية، بل جعلت التغيير المستمر في أدوات الإنتاج شرطًا لبقائها وتوسعها. وفي هذا السياق يكتبان:

«لا تستطيع البرجوازية أن توجد من دون أن تُثوِّر باستمرار أدوات الإنتاج، ومن ثم علاقات الإنتاج، أي مجموع العلاقات الاجتماعية.»(4)

تكشف هذه العبارة عن إحدى السمات التاريخية المميزة للرأسمالية؛ إذ لم يعد تجديد وسائل الإنتاج تحولًا عارضًا يقع في فترات متباعدة، بل أصبح عملية متواصلة تدفع إليها المنافسة والسعي إلى زيادة الإنتاجية وتوسيع الأسواق. فكل رأسمال يجد نفسه مضطرًا إلى تطوير أدواته وأساليب إنتاجه لكي يحافظ على موقعه في مواجهة رؤوس الأموال الأخرى. وبذلك يتحول الابتكار التقني من إمكانية متاحة إلى ضرورة يفرضها منطق النظام الرأسمالي نفسه.

ولا يفسر ماركس وإنجلز هذا التطور بالتقدم العلمي المجرد، بل يربطانه بالعلاقات الاجتماعية التي تنظّم الإنتاج. فالتكنولوجيا، في ظل الرأسمالية، لا تتطور استجابة للحاجات الاجتماعية وحدها، وإنما وفق متطلبات المنافسة وتراكم رأس المال. ومن ثم، تُوظف الآلات ووسائل النقل والاتصال وأساليب تنظيم العمل في زيادة الإنتاجية وخفض كلفة السلعة وتسريع دوران رأس المال وتعزيز القدرة على السيطرة على الأسواق.

ولا تظل آثار هذه الثورة محصورة داخل عملية الإنتاج، بل تمتد إلى مجمل العلاقات الاجتماعية. فتوسع الصناعة الكبيرة يؤدي إلى إضعاف الحرف والمنتجين الصغار، وإدماج أعداد متزايدة من السكان في العمل المأجور، وتوسيع الأسواق إلى نطاق عالمي. كما يعيد تشكيل الروابط الاقتصادية والاجتماعية، ويجعل المجتمعات والمناطق المختلفة أكثر اعتمادًا بعضها على بعض. وهكذا تقترن الثورة في أدوات الإنتاج بتحول تاريخي أوسع يشمل تنظيم العمل وبنية الطبقات واتساع السوق العالمية.

ويترتب على ذلك تعاظم الطابع الاجتماعي للإنتاج؛ إذ يصبح إنتاج السلع قائمًا على تعاون أعداد كبيرة من العاملين وعلى ترابط المؤسسات والقطاعات والأسواق، في حين تبقى وسائل الإنتاج ونتائج العمل خاضعة للملكية الخاصة. ومن هنا ينشأ التناقض بين الطابع الاجتماعي المتزايد للعمل والإنتاج وبين الاستحواذ الخاص على نتائجه، بحيث تتحول القدرات التي يطورها المجتمع بصورة جماعية إلى وسائل لتعزيز سلطة رأس المال وتوسيع تراكمه.

ولا يقدم «البيان الشيوعي» التكنولوجيا بوصفها قوة تحررية أو قمعية في ذاتها، بل يربط وظيفتها الاجتماعية بعلاقات الإنتاج التي تنظّم استخدامها. فهي توسع قدرة المجتمع على إنتاج الثروة وتخلق إمكانات مادية لتخفيف أعباء العمل، لكنها تُستخدم، تحت سيطرة رأس المال، في إعادة تنظيم الإنتاج بما يخدم المنافسة والتراكم. ولذلك لا يفضي التقدم التقني تلقائيًا إلى توزيع أكثر عدالة للثروة أو إلى تحرير العاملين من الضرورة الاقتصادية.

وتتجلى تناقضات هذا التطور في الأزمات الدورية التي يعرضها «البيان الشيوعي» بوصفها أزمات ناجمة عن فرط الإنتاج. فالرأسمالية تطور قدرات إنتاجية هائلة، لكنها تخضع استخدامها لحدود الربح والطلب القادر على الدفع. ولهذا تبدو القوى المنتجة، في أوقات الأزمات، أكبر من أن تستوعبها علاقات الملكية والسوق القائمة، فتتعطل وسائل الإنتاج وتُتلف السلع وتنتشر البطالة، لا بسبب عجز المجتمع عن الإنتاج، بل بسبب عجز العلاقات الرأسمالية عن توظيف قدرته الإنتاجية بما يلبي الحاجات الاجتماعية.

وبذلك كشف «البيان الشيوعي» الشكل الخاص الذي تتخذه العلاقة بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج داخل الرأسمالية، حيث تصبح الثورة المتواصلة في أدوات الإنتاج مصدرًا لقوة النظام ومصدرًا لتناقضاته في الوقت نفسه. غير أن هذا التحليل النظري يكتسب دلالته الاجتماعية الملموسة من خلال دراسة النتائج التي أحدثتها الثورة الصناعية في حياة العمال؛ وهي النتائج التي تناولها إنجلز في كتابه «حالة الطبقة العاملة في إنجلترا».

الفصل الثالث: إنجلز والثورة الصناعية والآثار الاجتماعية لتطور القوى المنتجة

يمثل كتاب فريدريك إنجلز «حالة الطبقة العاملة في إنجلترا»، الصادر سنة 1845، إحدى المعالجات المبكرة للعلاقة بين الثورة الصناعية والتحولات الاجتماعية التي رافقتها. وقد استند إنجلز في هذا العمل إلى معايشته المباشرة للأوضاع الصناعية في مانشستر، وإلى الوثائق والتقارير الرسمية، فلم يقتصر على وصف أوضاع الطبقة العاملة، بل سعى إلى تفسيرها بوصفها نتيجة للتحولات التي أحدثها الإنتاج الصناعي والآلي في تنظيم العمل والبنية الاجتماعية للرأسمالية. وقد عرض هذه التحولات في مقدمة الكتاب، ثم تناول نتائجها في الفصول المخصصة للبروليتاريا الصناعية والمدن الكبرى وفروع الصناعة المختلفة.(5)

وأدرك إنجلز أن الثورة الصناعية لم تكن مجرد إحلال للأدوات الميكانيكية محل العمل اليدوي، بل انقلابًا عميقًا في أنماط الإنتاج والعمل والحياة الاجتماعية. فالآلة لم ترفع القدرة الإنتاجية فحسب، وإنما أسهمت في اقتلاع العمال من بيئاتهم التقليدية، ودفعهم إلى المدن الصناعية، وإخضاع نشاطهم لإيقاع المصنع وتقسيمه الصارم للعمل. وفي وصفه لهذا التحول يكتب:

«لقد رأينا في المقدمة آنفًا، كيف أن السكان العاملين في تشغيل مواد النسيج قد سُلخوا أولًا من نمط حياتهم السابقة... إذ كاد العمل الآلي أن يخلف العمل اليدوي في كل مكان، وأصبحت الأعمال اليدوية تُدار بمساعدة البخار أو الماء، فيما يحمل كل عام مزيدًا من التحسينات.»(6)

يكشف فعل «سُلخوا» عن أن الانتقال إلى الصناعة الآلية لم يكن تحولًا مهنيًا محدودًا، بل اقتلاعًا اجتماعيًا أصاب مجمل حياة المنتجين. فقد العاملون قدرًا كبيرًا من استقلالهم السابق، وأُدمجوا في نظام المصنع، حيث تحدد الآلة سرعة العمل وإيقاعه، ويخضع العامل لرقابة أكثر انتظامًا وتقسيم متزايد للمهام. وبذلك لم تعد الأداة امتدادًا مباشرًا لمهارة العامل، بل أصبح العامل يؤدي وظيفة جزئية داخل منظومة إنتاجية تتحكم في حركته ووقته.

وتجاوزت آثار هذا التحول حدود المصنع إلى بنية المجتمع بأكملها. فقد أدى انتشار الإنتاج الآلي إلى إضعاف الحرف التقليدية وتراجع استقلال المنتجين الصغار، كما أسهم في الهجرة إلى المدن، ونمو الأحياء العمالية، وتكوين طبقة واسعة تعتمد في معيشتها على بيع قوة عملها. واقترنت هذه التحولات بتفاقم مشكلات السكن والصحة والبطالة وعدم الاستقرار، وبإعادة تشكيل الأسرة والعلاقات بين الفئات الاجتماعية.

ولا يعزل إنجلز الآلة عن العلاقات الاجتماعية التي تتحكم في استخدامها. فالمشكلة لا تكمن في ارتفاع الإنتاجية في ذاته، بل في خضوع هذا الارتفاع لنظام يقوم على الملكية الخاصة والمنافسة والسعي إلى الربح. ولذلك لم تتحول الزيادة الكبيرة في القدرة الإنتاجية إلى تحسن مماثل في حياة العمال، بل ترافقت مع إطالة يوم العمل، وتشغيل النساء والأطفال، والضغط على الأجور، والاستغناء عن بعض العاملين، وزيادة تبعية العمل لرأس المال.

ويكشف هذا التحليل عن التناقض بين الإمكان المادي الذي تتيحه الصناعة والنتائج الاجتماعية لاستخدامها الرأسمالي. فمن الناحية التقنية، تسمح الآلة بإنتاج مقدار أكبر من الثروة في وقت أقل، لكنها لا تؤدي تلقائيًا إلى تخفيف العمل أو تحسين شروط الحياة؛ لأن آثارها تتحدد وفق علاقات الملكية والعمل، والأهداف التي توجه استخدامها، والطريقة التي توزَّع بها مكاسب الإنتاجية. وبذلك قد يترافق التقدم التقني مع اتساع الفقر والحرمان لدى الفئات التي تنتج الثروة نفسها.

وتكمن أهمية كتاب إنجلز في أنه منح التحليل المادي للتاريخ أساسًا اجتماعيًا وتجريبيًا ملموسًا. فقد كشف، قبل صدور «البيان الشيوعي»، أن الثورة التي تحدثها الرأسمالية في أدوات الإنتاج تعيد تشكيل المدينة والعمل والأسرة والصحة والسكن والعلاقات الاجتماعية. ولهذا لم يكن الكتاب مجرد وصف إنساني لمعاناة العمال أو تمهيد لتحليل ماركس اللاحق، بل كان إسهامًا مستقلًا في تكوين النقد الماركسي للرأسمالية الصناعية. كما برهن، من خلال الوقائع الاجتماعية، على أن تطور القوى المنتجة لا يمكن تقويمه بمعيار ارتفاع الإنتاجية وحده، بل يجب النظر كذلك في الجهة التي تتحمل كلفة هذا التطور والجهة التي تستحوذ على نتائجه.

وقد منح ماركس هذه العلاقة بين الآلة والعمل ورأس المال صياغة اقتصادية أكثر تحديدًا في «رأس المال»، حين درس الآلة والصناعة الكبرى من حيث ارتباطهما بإنتاج فائض القيمة النسبي، وإعادة تنظيم عملية العمل، وتعميق خضوع العامل لمنطق التراكم.

الفصل الرابع: ماركس والآلة في «رأس المال» — التكنولوجيا وإنتاج فائض القيمة

يبلغ تحليل الآلة والصناعة الحديثة في «رأس المال» صيغته الاقتصادية الأكثر اكتمالًا، إذ ينتقل ماركس من وصف الآثار الاجتماعية للتصنيع إلى الكشف عن القوانين التي تحكم استخدام التكنولوجيا داخل نمط الإنتاج الرأسمالي. فالآلة ليست مجرد ابتكار يرفع كفاءة الإنتاج، بل صورة تاريخية تتخذها القوى المنتجة عندما تُدمج في عملية هدفها إنتاج فائض القيمة وتراكم رأس المال. ولذلك لا تتحدد وظيفتها الاجتماعية بخصائصها التقنية وحدها، وإنما بعلاقات الملكية والعمل التي تنظّم استخدامها.

ويستهل ماركس المبحث الأول، «تطور الآلات»، من فصل «الآلات والصناعة الكبرى»، بالإشارة إلى مقولة أوردها الاقتصادي الإنجليزي جون ستيوارت ميل في كتابه «مبادئ الاقتصاد السياسي»:

«من المشكوك فيه أن تكون سائر الاختراعات الآلية التي ابتُدعت حتى الآن قد خففت من عناء الكدّ اليومي لأي كائن بشري.»(7)

ويعقب ماركس على هذه المقولة موضحًا أن تخفيف عناء العامل ليس الغاية من الاستخدام الرأسمالي للآلة؛ فهي تُوظف، في المقام الأول، لزيادة إنتاجية العمل وإنتاج فائض القيمة النسبي. وهنا يميز ماركس بين القدرة المادية الكامنة في التكنولوجيا والوظيفة التي تؤديها داخل علاقات الإنتاج الرأسمالية. فمن الناحية التقنية تستطيع الآلة اختصار الوقت اللازم للإنتاج وتخفيف الجهد البشري، لكنها تتحول، تحت سيطرة رأس المال، إلى وسيلة لزيادة القيمة التي يستحوذ عليها مالك وسائل الإنتاج.

ويرتبط استخدام الآلة بإنتاج فائض القيمة النسبي من خلال تقليص زمن العمل الضروري قياسًا إلى زمن العمل الفائض. فعندما تؤدي زيادة الإنتاجية إلى خفض قيمة السلع الداخلة في إعادة إنتاج قوة العمل، تنخفض قيمة قوة العمل نفسها، ويتقلص الجزء من يوم العمل الذي يعوض العامل خلاله قيمة أجره، بينما يتسع الجزء الذي ينتج فيه فائض القيمة للرأسمالي. ومن ثم، لا يقتضي رفع معدل فائض القيمة إطالة يوم العمل بالضرورة؛ إذ يمكن تحقيقه كذلك بتغيير النسبة الداخلية بين العمل الضروري والعمل الفائض.

غير أن الآلة، وفق نظرية القيمة عند ماركس، لا تخلق قيمة جديدة بصورة مستقلة؛ فهي تنقل إلى السلعة جزءًا من قيمتها بقدر ما تُستهلك في عملية الإنتاج، بينما يظل العمل الحي مصدر القيمة الجديدة، بما فيها فائض القيمة. وتكمن أهمية الآلة بالنسبة إلى رأس المال في أنها تمكّن كمية معينة من العمل البشري من إنتاج كتلة أكبر من السلع، وتخفض قيمة الوحدة المنتجة، وتمنح الرأسمال الذي يستخدم التقنية الجديدة قبل انتشارها العام أفضلية تنافسية مؤقتة.

ولا يقتصر أثر الآلة على زيادة كمية الإنتاج، بل يمتد إلى إعادة تنظيم عملية العمل بأكملها. فالمصنع الحديث ليس مجرد مكان يجتمع فيه العمال مع أدوات أكثر تطورًا، بل منظومة تقنية تحدد سرعة العمل وتسلسله وتقسيمه. وفي الإنتاج الحرفي كان العامل يستخدم الأداة ويوجه حركتها بمهارته، أما في النظام الآلي فيصبح نشاطه تابعًا لحركة الآلات ومتطلبات استمرارها، فتتراجع استقلاليته ويغدو جزءًا داخل تنظيم إنتاجي تتحكم فيه بنية المصنع.

ويؤدي هذا التحول إلى إضعاف جانب من المهارات الحرفية، وتجزئة العمل، وتوسيع إمكان تشغيل فئات جديدة من قوة العمل في مهام لا تتطلب مستوى التدريب السابق نفسه. كما تتيح الآلة لرأس المال زيادة شدة العمل وإخضاع العمال لرقابة أكثر انتظامًا. وهكذا لا يظهر التقدم التقني بوصفه توسعًا في سيطرة الإنسان على الطبيعة فحسب، بل يتحول، داخل المصنع الرأسمالي، إلى توسع في سلطة العمل المتجسد في الآلات على العمل الحي.

وترتبط المكننة كذلك بإزاحة جانب من قوة العمل، لكنها ليست العامل الوحيد في تكوين ما تسميه ترجمة فالح عبد الجبار «فيض السكان النسبي» أو «الجيش الصناعي الاحتياطي». ففي تحليل ماركس، ينشأ هذا الفيض من حركة التراكم الرأسمالي وارتفاع حصة وسائل الإنتاج قياسًا إلى قوة العمل؛ إذ يستطيع رأس المال، مع زيادة الإنتاجية، توسيع الإنتاج من دون زيادة العمالة بالنسبة نفسها. وبذلك تنتج عملية التراكم بصورة مستمرة فئات عاطلة أو ناقصة التشغيل، يمكن جذبها عند توسع الإنتاج والاستغناء عن جانب منها عند انكماشه.(8)

ولا يمثل الجيش الصناعي الاحتياطي ظاهرة عارضة، بل يؤدي وظيفة في حركة التراكم؛ إذ يسهم وجوده في زيادة المنافسة بين العاملين والضغط على الأجور وإضعاف قدرتهم التفاوضية. وهكذا ينتج تراكم رأس المال، إلى جانب تراكم الثروة ووسائل الإنتاج، فائضًا نسبيًا من السكان العاملين قياسًا إلى حاجته المتغيرة إلى العمل.

وفي الوقت نفسه، يزيد التطور التقني حجم وسائل الإنتاج اللازمة للدخول في المنافسة، ويسهم في تركيز رأس المال ومركزة رؤوس الأموال القائمة في وحدات إنتاجية أكبر. وينتج من ذلك اتساع التناقض بين الطابع الاجتماعي المتزايد للإنتاج، القائم على تعاون أعداد كبيرة من العاملين وتراكم المعرفة الاجتماعية، وبين الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والنتائج المتولدة عنها.

ويكشف تحليل ماركس، بذلك، أن الآلة توسع القدرة الاجتماعية على إنتاج الثروة وتتيح ماديًا اختصار زمن العمل، لكنها تُستخدم، في ظل العلاقات الرأسمالية، لتعظيم فائض القيمة وإعادة تنظيم العمل وفق مقتضيات التراكم. ولا يرجع هذا التناقض إلى التكنولوجيا في ذاتها، بل إلى العلاقات الاجتماعية التي تحولها إلى رأسمال يواجه العامل بوصفه قوة مستقلة عنه. ويتخذ هذا التحليل بعدًا أوسع في «الغروندريسه»، حيث يناقش ماركس اندماج العلم والمعرفة الاجتماعية في وسائل الإنتاج وتحولهما إلى قوة إنتاجية مباشرة.

الفصل الخامس: «العقل العام» (General Intellect) والمعرفة الاجتماعية بوصفها قوة إنتاجية مباشرة

على الرغم من أن مخطوطات «الغروندريسه» كُتبت بين عامي 1857 و1858، قبل نشر المجلد الأول من «رأس المال» سنة 1867، فإن تناولها بعد تحليل الآلة تفرضه البنية المنهجية للدراسة؛ إذ يتيح الانتقال من الوظيفة التي تؤديها الآلة في إنتاج فائض القيمة إلى الأساس المعرفي والاجتماعي المتجسد فيها.

وتظهر هذه المسألة بوضوح في المقطع الذي اصطلح الباحثون على تسميته «مقطع الآلات» (Fragment on Machines)، وهو جزء من «فصل رأس المال» في الدفتر السابع من المخطوطات، وليس عنوانًا وضعه ماركس لفصل مستقل. ويناقش ماركس في هذا المقطع تحول وسائل العمل إلى منظومة آلية تتجسد فيها المعرفة العلمية المتراكمة، ويكتب:

«يكشف تطور رأس المال الثابت إلى أي درجة أصبحت المعرفة الاجتماعية العامة قوةً إنتاجية مباشرة، وإلى أي درجة أصبحت شروط الحياة الاجتماعية نفسها خاضعةً لسيطرة العقل العام، وأُعيد تنظيمها وفقًا له.»(9)

ولا يدل مفهوم «العقل العام» على عقل مجرد أو وعي فلسفي منفصل عن الواقع، بل يشير إلى المعرفة الاجتماعية المتراكمة التي يطورها المجتمع من خلال العلم والخبرة والتعاون والتنظيم. وتتجسد هذه المعرفة في الآلات ووسائل الاتصال وأساليب الإدارة وتقسيم العمل، فتتحول من معرفة موزعة بين الأفراد إلى قدرة إنتاجية موضوعية مدمجة في وسائل الإنتاج. ولذلك لا يقيم ماركس تعارضًا بين الآلة والمعرفة، بل ينظر إلى النظام الآلي بوصفه أحد الأشكال المادية التي تتجسد فيها المعرفة الاجتماعية.

ويترتب على هذا التحول تغير موقع العمل المباشر داخل عملية الإنتاج. فمع تطور الصناعة الكبيرة، لا يعود إنتاج الثروة المادية متناسبًا بصورة مباشرة مع مقدار الجهد العضلي أو عدد ساعات العمل المبذولة، بل يعتمد بدرجة متزايدة على مستوى العلم والتكنولوجيا، وعلى القدرة على تنظيم قوى الطبيعة والتعاون الاجتماعي. ويتحول العامل تدريجيًا من فاعل مباشر يستخدم الأداة إلى مراقب ومنظم لعملية إنتاج تتولى فيها المنظومة الآلية جانبًا متزايدًا من النشاط التنفيذي.

غير أن هذا التحول لا يعني تخلي ماركس عن نظريته في القيمة، بل يكشف عن ضرورة التمييز بين إنتاج الثروة المادية وإنتاج القيمة داخل الرأسمالية. فالعلم والآلة يستطيعان مضاعفة كمية القيم الاستعمالية المنتجة في وقت معين، لكن الآلة لا تخلق من ذاتها قيمة جديدة، وإنما تنقل جزءًا من قيمتها إلى المنتج، بينما يظل العمل الحي مصدر القيمة الجديدة وفائض القيمة. ومن هنا ينشأ التناقض بين ازدياد اعتماد الثروة المادية على العلم وتراجع الحاجة النسبية إلى العمل المباشر، وبين استمرار النظام الرأسمالي في قياس الثروة على أساس زمن العمل.

ويكشف مفهوم «العقل العام» كذلك عن الطابع الاجتماعي المتزايد للقوى المنتجة. فالمعرفة العلمية ليست نتاج رأسمال منفرد، بل حصيلة تراكم تاريخي شاركت فيه أجيال من الباحثين والعمال والمهندسين، إلى جانب المؤسسات التعليمية والعلمية وأشكال التعاون الاجتماعي. غير أن هذه المعرفة، عندما تتجسد في رأس المال الثابت، تظهر في مواجهة العامل بوصفها قوة مملوكة لرأس المال ومستقلة عنه. وبذلك يستحوذ رأس المال على القدرة المعرفية التي طورها المجتمع، ويعيد تقديمها داخل عملية الإنتاج باعتبارها خاصية من خصائصه.

وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في تحليل الاقتصاد الرقمي المعاصر، حيث أصبحت البرمجيات والبيانات والخوارزميات والشبكات والقدرات الحاسوبية عناصر أساسية في تنظيم الإنتاج والخدمات. فالذكاء الاصطناعي لا يقوم على آلة منفردة، بل على تراكم واسع للبحوث العلمية والمعرفة الرياضية والعمل البرمجي والبيانات والبنية التحتية. ومن هذه الزاوية يمكن قراءته بوصفه صورة معاصرة لتجسد المعرفة الاجتماعية في القوى المنتجة، من دون الادعاء بأن ماركس تنبأ بالتقنيات الرقمية الراهنة.

ولا يلغي هذا التشابه النظري الاختلاف التاريخي بين الآلة الصناعية والذكاء الاصطناعي. فالأخير لا يقتصر على تنفيذ العمليات الميكانيكية، بل يمتد إلى معالجة اللغة والصور والمعلومات، وإدارة العمليات، والمساعدة في اتخاذ القرار؛ أي إلى مجالات كان يُنظر إليها تقليديًا بوصفها أنشطة ذهنية. ولذلك يمثل الذكاء الاصطناعي انتقالًا نوعيًا في أشكال تجسد المعرفة الاجتماعية، مع بقائه خاضعًا للسؤال نفسه عن ملكية القوى المنتجة والسيطرة عليها والأهداف التي توجه استخدامها.

كما لا يؤدي اندماج العلم والمعرفة في الإنتاج تلقائيًا إلى تجاوز الرأسمالية. فهذا الاندماج يوسع القدرة على إنتاج الثروة وتقليص زمن العمل الضروري، لكنه قد يتحول، إذا بقي خاضعًا للملكية الخاصة، إلى وسيلة لزيادة فائض القيمة وإزاحة العمال وتعميق السيطرة على عملية العمل. أما تحويل الإمكان التقني إلى وقت متاح وحرية اجتماعية، فيتطلب تغيير العلاقات التي تنظّم ملكية المعرفة ووسائل الإنتاج وتوزيع مكاسب الإنتاجية. وانطلاقًا من هذا الأساس، ينتقل الفصل التالي من تحليل الآلة و«العقل العام» إلى بحث الخوارزميات والبيانات والذكاء الاصطناعي بوصفها مكونات للقوى المنتجة في القرن الحادي والعشرين.

الفصل السادس: من الآلة إلى الخوارزمية — الذكاء الاصطناعي وتطور القوى المنتجة في القرن الحادي والعشرين

يكشف التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي عن مرحلة نوعية جديدة في تاريخ القوى المنتجة، تتجاوز حدود المكننة الصناعية التي حللها ماركس في القرن التاسع عشر من دون أن تلغيها. فإذا أدت الثورة الصناعية إلى نقل جانب متزايد من الجهد العضلي والمهارات اليدوية إلى الآلة، فإن الثورة الرقمية توسع نطاق الأتمتة ليشمل بعض المهام المعرفية والرمزية، مثل تحليل البيانات، والتعرف على الأنماط، ومعالجة اللغة والصور، والتنبؤ، ودعم اتخاذ القرار. وبذلك لم يعد التطور التقني مقتصرًا على مضاعفة القدرة الفيزيائية للإنتاج، بل أصبح يشمل أتمتة جانب من العمليات الذهنية الداخلة في تنظيمه.

ولا يقوم الذكاء الاصطناعي على الخوارزمية وحدها، بل يعتمد على منظومة مادية ومعرفية متكاملة تشمل البيانات والبرمجيات والرقائق الإلكترونية ومراكز الحوسبة وشبكات الاتصال والطاقة، فضلًا عن عمل الباحثين والمهندسين والمبرمجين والعاملين في جمع البيانات وتصنيفها ومراجعتها وصيانة البنية التحتية. ولذلك لا يمثل الاقتصاد الرقمي انتقالًا من الإنتاج المادي إلى عالم غير مادي، وإنما شكلًا جديدًا من الترابط بين المعرفة والعمل والبنية التقنية.

ويؤدي إدماج الذكاء الاصطناعي في الإنتاج والخدمات إلى إعادة تنظيم عدد من العمليات الاقتصادية، من خلال توظيف الأنظمة الخوارزمية في معالجة المعلومات، والتنبؤ، وتنسيق بعض العمليات، ودعم القرارات. وتعتمد هذه التطبيقات على تضافر البيانات والخوارزميات والمهارات البشرية مع الأجهزة والبرمجيات والبنية التحتية اللازمة لتدريب النماذج وتشغيلها على نطاق واسع. وبذلك تغدو البيانات والبرمجيات والقدرة الحاسوبية مكونات متزايدة الأهمية في تطور القوى المنتجة، إلى جانب الآلات والطاقة والمواد والعمل البشري، من دون أن تمثل بدائل كاملة عنها.(10)

ويختلف النظام الخوارزمي عن الآلة الصناعية التقليدية في أن وظيفته لا تقتصر على تنفيذ حركة ميكانيكية محددة ومتكررة، بل تشمل معالجة المعلومات وإنتاج مخرجات احتمالية استنادًا إلى الأنماط المستخلصة من البيانات. ومع ذلك، لا يعني وصف هذه الأنظمة بأنها «تتعلم» أنها تمتلك وعيًا مستقلًا أو فهمًا إنسانيًا؛ فالتعلم الآلي يقوم على نماذج رياضية تُضبط معاييرها خلال التدريب باستخدام البيانات، ثم توظف في التصنيف والتنبؤ وتوليد المخرجات. وتظل أهداف النظام ومعايير تقييمه ومجالات استخدامه محددة ضمن ترتيبات بشرية ومؤسسية.

ويمكن، من هذه الزاوية، النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه شكلًا معاصرًا لتجسد المعرفة الاجتماعية في وسائل الإنتاج. فالمعرفة لم تعد مدمجة في تصميم الآلة الصناعية وحدها، بل أصبحت تتراكم كذلك في قواعد البيانات والشفرة البرمجية والنماذج الحسابية والشبكات. غير أن هذا الربط لا يعني مطابقة مفهوم «العقل العام» للذكاء الاصطناعي، بل يعني أن المفهوم يوفر مدخلًا نظريًا لفهم تحول المعرفة المتراكمة اجتماعيًا إلى قدرة إنتاجية موضوعية.

ويؤثر هذا التحول في موقع العمل البشري داخل العملية الإنتاجية. فمع أتمتة بعض المهام التنفيذية والتحليلية، تتزايد أهمية أعمال تصميم الأنظمة والإشراف عليها وتفسير مخرجاتها وصيانتها وتصحيح أخطائها. ومن ثم، لا يختفي العمل البشري، بل تتغير وظائفه، ويُعاد توزيع المهام بين الإنسان والنظام التقني. كما تنشأ حول الذكاء الاصطناعي أعمال قد تظل غير ظاهرة للمستخدم النهائي، مثل جمع البيانات وإعدادها، ومراجعة المحتوى، وصيانة مراكز الحوسبة؛ وهو ما يؤكد استمرار الأساس البشري والمادي للإنتاج الرقمي.

ولا يمثل الذكاء الاصطناعي قطيعة مطلقة مع الصناعة الميكانيكية؛ لأن الأنظمة الرقمية تعتمد على الرقائق والطاقة والشبكات ومراكز البيانات، وعلى عمل اجتماعي ومعرفة متراكمة. لكن قدرته على معالجة المعلومات والمشاركة في تنظيم الإنتاج توسع نطاق القوى المنتجة إلى مجالات جديدة، وتعيد تشكيل العلاقة بين العمل المباشر والمعرفة المتجسدة في الوسائل التقنية. ولا تحدد هذه القدرة بذاتها النتائج الاجتماعية المترتبة عليها؛ إذ تتوقف تلك النتائج على علاقات الملكية والعمل والسلطة التي تنظّم تطوير التكنولوجيا واستخدامها. ومن هنا ينتقل الفصل التالي إلى تحليل التناقضات التي يثيرها الذكاء الاصطناعي داخل الرأسمالية الرقمية.

الفصل السابع: الذكاء الاصطناعي وتناقضات الرأسمالية الرقمية — هل يهيئ شروط تجاوزها؟

يتيح الذكاء الاصطناعي إمكانات واسعة لرفع الإنتاجية وتقليص الوقت اللازم لإنجاز عدد متزايد من المهام، فضلًا عن توظيفه في تحليل الموارد، وتطوير البحث العلمي، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وتنظيم النقل والطاقة، والحد من بعض أشكال الهدر. وبهذا المعنى، يمثل امتدادًا معاصرًا للاتجاه الذي ناقشه ماركس في «الغروندريسه»، حين رأى أن إنتاج الثروة، مع تطور الصناعة الكبرى، يصبح أقل اعتمادًا على مقدار وقت العمل المباشر، وأكثر ارتباطًا بالمستوى العام للعلم وتقدم التكنولوجيا وتطبيقهما في الإنتاج.(11)

غير أن هذه الإمكانات لا تتحول تلقائيًا إلى مكاسب اجتماعية عامة؛ لأنها تعمل داخل علاقات إنتاج تحدد ملكية البيانات والنماذج والمنصات والبنى الحاسوبية وغايات استخدامها. ففي ظل الملكية الخاصة المركزة، تُوجَّه مكاسب الإنتاجية أساسًا نحو خفض التكاليف، وتعزيز القدرة التنافسية، وتوسيع الأرباح. وهكذا يمكن أن تتحول المعرفة التي ينتجها المجتمع بصورة تراكمية إلى أصل خاص تحتكره المؤسسات القادرة على جمع البيانات وامتلاك الموارد الحاسوبية وتطوير النماذج المتقدمة.

ويكشف ذلك عن تناقض بين الطابع الاجتماعي لإنتاج الذكاء الاصطناعي والشكل الخاص لملكيته والسيطرة عليه. فهذه الأنظمة تقوم على تراكم تاريخي للعلوم والمعارف، وتستفيد من البحوث الممولة تمويلًا عامًا، ومن عمل الباحثين والمبرمجين والعاملين في إعداد البيانات، فضلًا عن المعلومات التي يولدها المستخدمون من خلال نشاطهم اليومي. ومع ذلك، تتركز السيطرة على نتائج هذا العمل الاجتماعي لدى عدد محدود من الشركات والمنصات. وقد أشارت تقارير الأمم المتحدة إلى الاختلالات العميقة في الاقتصاد القائم على البيانات، وإلى استمرار المنصات الرقمية العالمية في تعزيز مواقعها المهيمنة.(12)

ويمتد هذا التناقض إلى عالم العمل. فالذكاء الاصطناعي قادر على أتمتة بعض المهام الإدارية والتحليلية واللغوية، لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى اختفاء المهن بكاملها. والأرجح، في مجالات واسعة، أن يعيد تشكيل الوظائف من خلال أتمتة بعض مهامها، وتغيير المهارات المطلوبة، وفرض أنماط جديدة من التعاون بين العامل والأنظمة التقنية. ولذلك ينبغي التمييز بين تعرض المهنة لتأثير الذكاء الاصطناعي وبين الإلغاء الكامل للوظيفة؛ وهو تمييز تؤكده الدراسات الحديثة لمنظمة العمل الدولية.(13)

ولا تخلو إعادة تشكيل الوظائف من آثار اجتماعية متعارضة. فقد تستخدم المؤسسات الذكاء الاصطناعي لتقليص العمالة، أو زيادة كثافة العمل، أو تشديد مراقبة الأداء، أو توسيع أنماط العمل المؤقت وغير المستقر. وفي المقابل، يمكن توظيفه لتخفيف المهام المتكررة، وتحسين شروط العمل، وتقليص ساعاته. ولا يتحدد الاتجاه الغالب بخصائص التقنية وحدها، بل بميزان القوة بين العاملين والمؤسسات المالكة لها، وبالطريقة التي توزَّع بها مكاسب الإنتاجية بين الأجور والأرباح ووقت الفراغ.

ويثير ارتفاع الإنتاجية تناقضًا اقتصاديًا أوسع. فإذا أتاحت الأتمتة زيادة الإنتاج من دون نمو مماثل في العمالة والدخول، فقد تتسع الفجوة بين القدرة على إنتاج السلع والخدمات والقدرة الاجتماعية على استهلاكها. ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي يقود آليًا إلى أزمة فائض إنتاج، لأن الطلب يتأثر بعوامل اقتصادية واجتماعية متعددة، لكنه قد يفاقم التوتر بين توسع القدرة الإنتاجية وسوء توزيع الدخل في مجتمع يعتمد فيه الاستهلاك بدرجة كبيرة على الأجور.

وتتجلى هنا ازدواجية الذكاء الاصطناعي داخل الرأسمالية الرقمية. فمن ناحية، يمنح رأس المال أدوات أكثر كفاءة لتنظيم الإنتاج والأسواق والعمل، ويفتح مجالات جديدة للاستثمار والتراكم. ومن ناحية أخرى، يوسع القدرة الاجتماعية على إنتاج الثروة بقدر أقل نسبيًا من العمل المباشر، ويضع العلاقة القائمة بين الدخل والعمل وزمن العمل موضع تساؤل متزايد. وبذلك لا يلغي تناقضات الرأسمالية، بل يعيد إنتاجها على مستوى جديد تتداخل فيه ملكية المعرفة مع السيطرة على البيانات والعمل والبنية الحاسوبية.

ولا يترتب على تعمق هذه التناقضات أن الذكاء الاصطناعي يقود حتمًا إلى انهيار الرأسمالية أو تجاوزها؛ فقد أظهرت الرأسمالية تاريخيًا قدرة كبيرة على استيعاب التحولات التقنية وتوظيفها في فتح أسواق جديدة وتجديد آليات التراكم. كما أن تطور القوى المنتجة لا ينقل المجتمع تلقائيًا من نظام إلى آخر، بل يخلق إمكانات موضوعية يظل تحققها مرتبطًا بالصراعات الاجتماعية، والمؤسسات السياسية، وأشكال الملكية والتنظيم.

ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في تهيئة بعض الشروط المادية لتنظيم اجتماعي مختلف، من خلال تقليص العمل الضروري، وتوسيع الخدمات العامة، وتحسين إدارة الموارد، وإتاحة المعرفة على نطاق أوسع. غير أن هذه الإمكانات تظل تقنية ومجردة ما لم تقترن بعلاقات إنتاج تتيح للمجتمع المشاركة في تحديد أهداف التكنولوجيا وتوزيع ثمارها. ومن ثم، لا يكمن السؤال الحاسم في مقدار ما يستطيع الذكاء الاصطناعي إنجازه فحسب، بل في الجهة التي تملكه، والقوى التي تحدد مجالات استخدامه، والفئات التي تستفيد من مكاسب الإنتاجية الناجمة عنه. ومن هذا السؤال ينطلق الفصل الثامن لبحث الشروط الاجتماعية والمؤسسية اللازمة لتحويل الإمكان التقني إلى مكاسب اجتماعية عامة.

الفصل الثامن: الذكاء الاصطناعي وإعادة تنظيم العلاقة بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج

أولًا: الاشتراكية بوصفها إمكانًا تاريخيًا يتيحه تطور القوى المنتجة

يعالج ماركس، في مبحث «الميل التاريخي للتراكم الرأسمالي» من «رأس المال»، الشروط التي يُنتجها تطور الرأسمالية داخل بنيتها نفسها. فتراكم رأس المال يقود إلى تركيز وسائل الإنتاج، وتوسيع نطاق التعاون، وتعميق الطابع الاجتماعي للعمل، بحيث تصبح عملية الإنتاج قائمة على ترابط أعداد كبيرة من العاملين، وعلى الاستخدام المشترك للعلم والتقنية ووسائل الإنتاج. وفي مقابل هذه الاجتماعية المتزايدة للإنتاج، تظل ملكية شروطه والاستحواذ على نتائجه خاضعين لرأس المال الخاص، إلى أن يتحول احتكار رأس المال إلى قيد على نمط الإنتاج الذي نشأ وتطور في إطاره.(14)

ولا يستمد ماركس إمكان المجتمع الجديد من مبادئ أخلاقية مجردة أو من نموذج ذهني مكتمل، بل من التناقضات التي يولّدها تطور نمط الإنتاج الرأسمالي نفسه. فالرأسمالية لا توسّع الإنتاج المادي فحسب، وإنما تنشئ أيضًا العمل التعاوني، وتقسيم العمل المعقد، والتنظيم الاجتماعي والتقني الذي يجعل الإنتاج قائمًا على قدرات مشتركة لا يستطيع الفرد المنعزل امتلاكها أو تشغيلها. وبذلك تهيئ، داخل حركتها، الأساس المادي لإعادة تنظيم وسائل الإنتاج بوصفها قوى اجتماعية تخضع لإدارة المجتمع وتوجيهه.

وقد طوّر إنجلز هذه الفكرة في القسم النظري من كتابه «ضد دوهرنغ»، حين ميّز بين الاشتراكية الطوباوية، التي تصوغ المجتمع المنشود انطلاقًا من تصورات عقلية وأخلاقية سابقة، والاشتراكية العلمية، التي تبحث عن شروط التحول في تطور نمط الإنتاج وتناقضاته الداخلية. فقد أضفت الصناعة الحديثة على الإنتاج طابعًا اجتماعيًا متزايدًا، قائمًا على تقسيم العمل والتعاون بين أعداد كبيرة من المنتجين، بينما ظل الاستحواذ على نتائجه خاضعًا للملكية الرأسمالية الخاصة. ومن هذا التعارض بين اجتماعية الإنتاج وخصوصية الاستحواذ تنشأ تناقضات الرأسمالية وأزماتها الدورية، كما يتولد الإمكان المادي لتنظيم الإنتاج بصورة اجتماعية واعية. وبذلك لا تظهر الاشتراكية بوصفها مطلبًا أخلاقيًا مجردًا، بل بوصفها إمكانًا تاريخيًا ينشأ من تطور الرأسمالية نفسها ومن الحاجة إلى تجاوز تناقضاتها.(15)

ومع ذلك، لا يعني نضج الشروط المادية أن الاشتراكية تتحقق بصورة حتمية؛ فتطور القوى المنتجة يوسّع الإمكانات الموضوعية للتحول، لكنه لا يحدد مسبقًا النتيجة السياسية والاجتماعية التي ستترتب عليه. وقد تتمكن الرأسمالية، خلال مراحل معينة، من استيعاب التقنيات الجديدة، وإعادة تنظيم الإنتاج والعمل، وفتح مجالات إضافية للتراكم، من خلال خفض تكاليف الإنتاج، وابتكار سلع وخدمات جديدة، وتوسيع الائتمان والأسواق الخارجية، وزيادة الإنفاق الحكومي. غير أن هذه القدرة تظل محدودة ومتناقضة؛ لأن إحلال التكنولوجيا محل بعض مهام العمل، وضغط الأجور، وتركيز الثروة يمكن أن تؤدي إلى إضعاف الاستهلاك الاجتماعي، وتوسيع الفجوة بين القدرة المتزايدة على الإنتاج والقدرة الفعلية على شراء السلع والخدمات. وقد تستطيع الرأسمالية تأجيل ظهور هذا التناقض أو نقله من مجال إلى آخر، لكنها لا تلغيه، بل قد تعيد إنتاجه في صورة فائض إنتاج نسبي، وتراكم للديون، وأزمات دورية. ومن ثم، يظل تحويل الإمكان المادي إلى تنظيم اجتماعي جديد مشروطًا بالفعل السياسي، وموازين القوى الاجتماعية والطبقية، وبناء المؤسسات التي تتيح للعاملين والمجتمع المشاركة الفعلية في تحديد أهداف الإنتاج وتوجيه ثماره.

ويكشف هذا التناقض أن الآثار الاجتماعية لتطور القوى المنتجة لا تتحدد بمستوى التقدم التقني وحده، بل بالعلاقات التي تنظّم ملكية شروط الإنتاج وتوزيع الناتج الاجتماعي. وفي هذا السياق، يكتسب سؤال الملكية أهمية حاسمة في «نقد برنامج غوتا»، إذ ينتقد ماركس معالجة توزيع الناتج بمعزل عن العلاقات التي تحكم إنتاجه، مؤكدًا أن:

«إن أي توزيع لوسائل المعيشة لا يعدو كونه نتيجة لتوزيع شروط الإنتاج نفسها.»(16)

تكشف هذه العبارة أن توزيع الثروة يتحدد، في أساسه، بالطريقة التي تتوزع بها ملكية شروط الإنتاج والسيطرة عليها. ولذلك لا يمكن تغيير نتائج الإنتاج تغييرًا جذريًا من دون تغيير العلاقات التي تنظّم امتلاك وسائل الإنتاج وإدارتها. فالمسألة لا تتعلق بمقدار ما يحصل عليه الأفراد بعد انتهاء عملية الإنتاج فحسب، بل تشمل أيضًا الجهة التي تمتلك شروطه، والسلطة التي تحدد أهداف استخدامها، والطريقة التي تُنظَّم بها عملية العمل، والحاجات التي يُوجَّه الناتج الاجتماعي إلى تلبيتها. ومن ثم، لا تُختزل الاشتراكية في إعادة توزيع الدخل، بل تقتضي إعادة تنظيم العلاقة بين المجتمع وشروط إنتاج الثروة.

ولا يوجد مسار واحد أو صيغة جاهزة لتحويل هذا الإمكان التاريخي إلى واقع اشتراكي؛ إذ يتحدد شكل الانتقال تبعًا للظروف التاريخية، ومستوى تطور القوى المنتجة، وبنية المجتمع، وموازين القوى فيه. غير أن تغيير «توزيع شروط الإنتاج»، بالمعنى الذي يشير إليه ماركس، يفترض بناء قوة اجتماعية وسياسية منظمة، وتوسيع الديمقراطية من المجال السياسي إلى المجال الاقتصادي، وتطوير أشكال متعددة للملكية الاجتماعية، وإخضاع القطاعات الاستراتيجية والاستثمار والتكنولوجيا للرقابة العامة. كما يقتضي تمكين العاملين من المشاركة الفعلية في إدارة الإنتاج، وتحديد أولوياته، وتوزيع فائضه، بحيث لا يبقون مجرد منفذين لقرارات تتخذها قوى اقتصادية أو إدارية منفصلة عنهم.

وقد تتخذ هذه العملية طابعًا انتقاليًا يجمع بين الإصلاحات الديمقراطية والتغييرات البنيوية، مع إمكان الاستفادة من آليات السوق في بعض المجالات ضمن إطار من التخطيط الاجتماعي والرقابة العامة. فوجود السوق خلال مرحلة انتقالية لا يعني بالضرورة خضوع المجتمع الكامل لمنطقه، إذا كانت القطاعات الأساسية واتجاهات الاستثمار وتوزيع الفائض خاضعة لأولويات اجتماعية مقررة ديمقراطيًا. ويكون المعيار في ذلك هو مدى انتقال السلطة الفعلية على شروط الإنتاج إلى المجتمع، لا مجرد التغير في شكل الملكية القانوني.

ولهذا نبّه إنجلز إلى أن انتقال وسائل الإنتاج إلى ملكية الدولة لا يحل التناقض بصورة تلقائية؛ لأن ملكية الدولة قد تُبقي علاقات العمل والسلطة على حالها، وتحوّل الجهاز الحكومي إلى مدير مركزي لقوى الإنتاج من دون أن تجعل المجتمع مسيطرًا عليها فعليًا. فالملكية الاجتماعية لا تتحقق بمجرد إحلال الدولة محل الرأسمالي الخاص، بل عندما تصبح وسائل الإنتاج خاضعة لرقابة المجتمع، ويشارك العاملون والمواطنون في تحديد أهداف استخدامها وكيفية توزيع نتائجها. ومن دون هذه المشاركة قد تتحول ملكية الدولة إلى إدارة بيروقراطية منفصلة عن المنتجين، بدل أن تكون وسيلة لتحريرهم.

ويمنح تطور الذكاء الاصطناعي هذه المسألة مضمونًا معاصرًا؛ إذ أصبحت المعرفة العلمية والبيانات والخوارزميات والمنصات وشبكات الاتصال والبنية الحاسوبية عناصر مباشرة في تنظيم الإنتاج والخدمات والعمل واتخاذ القرار. وتعتمد هذه القوى المنتجة على تراكم طويل للمعرفة الإنسانية، وعلى العمل الجماعي للباحثين والمبرمجين والعاملين في إعداد البيانات، فضلًا عن البنى التعليمية والعلمية التي أسهم المجتمع في تمويلها وتطويرها. ومع ذلك، تتركز ملكية المنصات والنماذج المتقدمة والقدرات الحاسوبية لدى عدد محدود من الشركات، فتتحول المعرفة المنتجة اجتماعيًا إلى مورد خاص يخضع لمنطق التراكم والاحتكار.

وتظهر هنا بصورة جديدة المفارقة بين الطابع الاجتماعي لإنتاج المعرفة وبين الشكل الخاص للاستحواذ عليها. فالبيانات التي تتدرب عليها النماذج، والمعرفة التي تتجسد في الخوارزميات، والبنية العلمية التي تقوم عليها الصناعة الرقمية، هي حصيلة نشاط اجتماعي واسع، لكن السيطرة عليها تتركز في مؤسسات محدودة تمتلك القدرة على تحديد مجالات استخدامها وشروط الوصول إليها وتوزيع عوائدها. وقد يؤدي ذلك إلى تعميق التفاوت، وزيادة تبعية العاملين للمنصات، وتركيز سلطة اتخاذ القرار الاقتصادي والمعرفي، حتى في ظل ارتفاع الإنتاجية واتساع القدرات التقنية.

ولا تعني الاشتراكية في عصر الذكاء الاصطناعي رفض التكنولوجيا أو إبطاء تطورها، بل إعادة تنظيم العلاقات الاجتماعية التي تحدد ملكيتها، وأهداف استخدامها، وكيفية توزيع مكاسبها ومخاطرها. كما لا يتحقق هذا التحول بمجرد نقل الأصول الرقمية من الشركات الخاصة إلى الدولة؛ إذ يمكن أن ينتقل احتكار البيانات والخوارزميات إلى جهاز حكومي مركزي من دون أن تتوسع مشاركة العاملين والمواطنين في اتخاذ القرار. وإنما يقتضي التحول إخضاع هذه القوى للرقابة الاجتماعية والديمقراطية، وتوسيع مشاركة العاملين والمستخدمين في توجيهها، وضمان الشفافية والمساءلة في إدارتها.

ومن هنا يتسع المفهوم المعاصر لشروط الإنتاج ليشمل، إلى جانب المصانع والآلات والأرض ورأس المال، البيانات والخوارزميات والنماذج والمنصات والبنية الحاسوبية والمؤسسات التي تديرها وتضع معايير استخدامها. ويصبح المعيار الأساسي للطابع الاجتماعي لهذه الملكية هو مدى قدرة المجتمع على توجيه هذه الموارد نحو تقليص زمن العمل الضروري، وتحسين الخدمات العامة، وتوسيع الوصول إلى المعرفة، وتلبية الحاجات الاجتماعية، وتنمية حرية الإنسان؛ لا مجرد استخدامها لفتح مجالات جديدة للتراكم وتعظيم العائد الخاص.

انطلاقًا من ارتباط توزيع الثروة بتوزيع شروط إنتاجها، لا يمكن معالجة التفاوت في الاقتصاد الرقمي من دون بحث الجهات التي تمتلك البنية الأساسية لإنتاج الثروة الرقمية وتتحكم في إدارتها والوصول إليها. فملكية الموارد الإنتاجية وطريقة تنظيمها تحددان، بدرجة أساسية، كيفية توزيع النتائج المتولدة عن عملية الإنتاج.(17)

ويشير تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن إنشاء الذكاء الاصطناعي واستخدامه يعتمدان على عناصر أساسية تشمل قوة العمل الماهرة، والسياسات العامة المساندة، والأطر القانونية والتنظيمية، والوصول إلى البيانات، وتوافر الموارد الحاسوبية.(18) ويكشف ذلك عن اتساع مفهوم وسائل الإنتاج في الاقتصاد الرقمي؛ فلم تعد تقتصر على الأرض والمصنع والآلة، بل أصبحت تشمل البيانات والخوارزميات والمنصات وشبكات الاتصال ومراكز البيانات والبرمجيات والرقائق والقدرات الحاسوبية. وبذلك غدت السيطرة على هذه البنية مصدرًا للثروة والسلطة، وشرطًا للمشاركة في إنتاج المعرفة وتطوير الأنظمة الرقمية.

ولا تعني الملكية الاجتماعية لهذه الموارد مجرد نقلها من الشركات الخاصة إلى الدولة؛ لأن تغير المالك القانوني لا يضمن، في ذاته، تغير علاقات الإنتاج أو توزيع سلطة اتخاذ القرار. فقد تتحول ملكية الدولة، إذا انفصلت إدارتها عن العاملين والمستخدمين والمجتمع، إلى إدارة بيروقراطية مركزية تحتكر المعلومات والخبرة التقنية. ولذلك ينبغي التمييز بين الملكية الحكومية، التي تعني امتلاك الدولة للأصول، والملكية الاجتماعية الفعلية، التي تقتضي إخضاع الموارد الأساسية للرقابة والمساءلة العامة، وإشراك الفئات المتأثرة في تحديد أهداف استخدامها وتقويم نتائجها.

وتتضح أهمية هذا التمييز في حالة البيانات؛ إذ ينشأ جانب كبير منها من النشاط الاجتماعي في مجالات العمل والتواصل والتعليم والاستهلاك والتنقل واستخدام الخدمات والمنصات. لكنها تتحول، بعد جمعها ومعالجتها، إلى مورد اقتصادي تسيطر عليه المؤسسات التي تمتلك البنية التقنية اللازمة لاستخراج قيمتها. وقد أشار تقرير الاقتصاد الرقمي الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية إلى الاختلالات القائمة في الاقتصاد المعتمد على البيانات، وإلى استمرار المنصات الرقمية العالمية في ترسيخ هيمنتها على حلقات سلسلة قيمة البيانات.(19) ولا تكمن المشكلة في استخدام البيانات لتطوير الخدمات، بل في جمعها واستثمارها من دون موافقة فعلية، وفي تركز القدرة على تحويلها إلى قيمة اقتصادية ومعرفية لدى عدد محدود من المؤسسات.

ولا يقتصر هذا التركز على البيانات والخوارزميات، بل يمتد إلى القدرة الحاسوبية اللازمة لتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي وتشغيلها. فقد حذرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من أن اختلال توزيع الموارد الحاسوبية قد يعمّق الفجوات في الإنتاجية والقدرة التنافسية داخل الدول وفيما بينها، ويزيد التفاوت بين الشركات الكبرى من جهة، والمؤسسات العامة والجامعات والشركات الصغيرة من جهة أخرى.(20) ولذلك لا يكفي إتاحة الشفرة البرمجية أو النماذج المفتوحة إذا ظلت مراكز البيانات والرقائق والطاقة والخبرة التقنية محتكرة أو مرتفعة الكلفة.

ولا تقتضي معالجة هذا التركز إلغاء جميع أشكال الملكية الفردية والمبادرة الخاصة، بل التمييز بين الأنشطة التي يمكن أن تتعدد فيها أشكال الملكية والبنى الرقمية الأساسية التي تؤدي وظيفة اجتماعية عامة. ويمكن أن تتخذ الملكية الاجتماعية في هذا المجال صورًا متعددة، منها المؤسسات العامة المستقلة، والتعاونيات الرقمية المملوكة للعاملين أو المستخدمين، ومستودعات البيانات المشتركة، والبنى الحاسوبية الممولة اجتماعيًا، والنماذج المفتوحة الخاضعة لإدارة شفافة. ولا تتحدد القيمة الاجتماعية لهذه الأشكال بصفتها القانونية وحدها، بل بقدرتها على منع الاحتكار، وتوسيع الوصول إلى المعرفة والموارد الحاسوبية، وتوزيع سلطة اتخاذ القرار.

ولا تعني المشاركة الاجتماعية في ملكية البنية الرقمية تحويل البيانات الشخصية إلى ملك عام أو إتاحتها بلا قيود؛ فالبيانات الصحية والمهنية والسلوكية تظل مرتبطة بحقوق أصحابها، ولا يجوز استخدامها إلا لأغراض مشروعة ومحددة وفي ظل ضمانات تحمي الخصوصية والحريات الفردية. والمقصود بالملكية الاجتماعية هو إخضاع المؤسسات التي تجمع البيانات وتعالجها وتستخرج القيمة منها لرقابة المجتمع، لا إلغاء حق الأفراد في التحكم ببياناتهم.

وعلى هذا الأساس، ترتبط إعادة تنظيم ملكية البيانات والخوارزميات بإعادة توزيع السلطة الاقتصادية؛ لأن الجهة التي تمتلك المنصة أو النموذج أو البنية الحاسوبية لا تمتلك أداة تقنية فحسب، بل تكتسب القدرة على تنظيم العمل، وتحديد شروط الوصول إلى السوق، وترتيب المعلومات، والتأثير في القرارات الاجتماعية. ولذلك لا تتمثل الملكية الاجتماعية في استبدال احتكار خاص باحتكار حكومي، بل في بناء مؤسسات تتيح للعاملين والمستخدمين والمجتمع المشاركة في توجيه الموارد الرقمية ومساءلة الجهات التي تديرها، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في تلبية الحاجات العامة، مع صون الخصوصية والحقوق الفردية.

ثانيا: الذكاء الاصطناعي وتقليص زمن العمل الضروري

يمثل تقليص زمن العمل الضروري إحدى أبرز الإمكانات التي يتيحها تطور القوى المنتجة. فارتفاع إنتاجية العمل يسمح، من حيث المبدأ، بإنتاج المقدار نفسه من السلع والخدمات في وقت أقصر وبجهد بشري أقل. غير أن ذلك لا يؤدي تلقائيًا إلى تقليص يوم العمل؛ إذ قد يتحول الوقت الذي توفره التكنولوجيا إلى وقت حر، لكنه قد يُستخدم أيضًا لزيادة فائض العمل والأرباح من دون تخفيف أعباء العاملين.

وقد تناول ماركس هذا التناقض في تحليله للآلة والصناعة الكبرى في المجلد الأول من «رأس المال». فالآلة تخفض الزمن اللازم لإنتاج السلعة، وتقلص الجزء من يوم العمل الذي ينتج فيه العامل قيمة قوة عمله، لكنها تُستخدم رأسماليًا أساسًا لزيادة فائض القيمة النسبي، لا لتحرير العامل من ضرورة العمل. لذلك قد يقترن انخفاض زمن العمل الضروري بإطالة يوم العمل الفعلي، أو زيادة كثافته، أو توسيع نطاقه.(21)

ويكشف ذلك الفرق بين الوقت الذي تستطيع التكنولوجيا توفيره للمجتمع، والطريقة التي يُستحوذ بها على هذا الوقت. فبدل أن يؤدي ارتفاع الإنتاجية إلى خفض ساعات العمل، قد تُستخدم الآلات لتسريع وتيرة الإنتاج، والاستغناء عن بعض العاملين، وزيادة الضغط على الآخرين. وفي «الغروندريسه» يربط ماركس بين تجسّد المعرفة العلمية والاجتماعية في وسائل الإنتاج وبين تراجع اعتماد الثروة على العمل المباشر، مؤكدًا أن «توفير وقت العمل يعادل زيادة الوقت الحر». ولا يقتصر الوقت الحر على التحرر من العمل الضروري، بل يشمل التعليم والثقافة والمشاركة الاجتماعية والإبداع وتنمية القدرات الفردية.(22)

غير أن الرأسمالية تنتج هذا الإمكان في صورة متناقضة؛ فهي تقلل الزمن اللازم لإنتاج السلع، لكنها تحافظ على زمن العمل بوصفه مقياسًا للقيمة ومصدرًا لفائض القيمة. كما قد تجعل الوقت المتاح وقتًا حرًا لفئات محدودة، في حين يظهر لدى فئات أخرى في صورة بطالة أو عمل جزئي قسري أو عدم استقرار اقتصادي. وبذلك لا يصبح الوقت الذي توفره التكنولوجيا ملكًا اجتماعيًا مشتركًا، بل يخضع لتوزيع غير متكافئ تحدده علاقات الملكية والعمل.

ويمنح الذكاء الاصطناعي هذه الإمكانية بُعدًا جديدًا؛ فهو لا يؤتمت الجهد العضلي والعمليات الميكانيكية فحسب، بل يمتد إلى مهام ذهنية وإدارية ومعرفية، مثل تحليل البيانات، وتنظيم المعلومات، وإعداد النصوص، والترجمة، والتصميم، والبرمجة، وبعض جوانب التشخيص والتخطيط واتخاذ القرار. ومن الناحية التقنية، يمكن لهذه القدرات أن تقلل الوقت اللازم لإنجاز الأعمال، وتخفف المهام المتكررة، وتتيح للعاملين التركيز على الخبرة والحكم الإنساني والتواصل والإبداع.

لكن مكاسب الإنتاجية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي لا تؤدي بذاتها إلى تقليص ساعات العمل. ففي ظل علاقات إنتاج تقوم على المنافسة وتعظيم الربح، قد تستخدم المؤسسات الأتمتة لتقليل عدد العاملين، أو زيادة المهام المطلوبة من العامل الواحد، أو رفع معدلات الإنجاز، أو توسيع المراقبة الرقمية وقياس الأداء. وعندئذ تتحول التكنولوجيا إلى وسيلة لزيادة كثافة العمل وخفض تكلفته، بدل أن تصبح مصدرًا لوقت متاح للعاملين.

ولا يعني التعرض للذكاء الاصطناعي التوليدي بالضرورة اختفاء المهن كاملة؛ فالوظيفة تتكون غالبًا من مهام متعددة، قد تكون بعضُها قابلة للأتمتة، بينما تظل مهام أخرى بحاجة إلى التدخل البشري. وتشير دراسة لمنظمة العمل الدولية سنة 2025 إلى أن الأثر الأكثر احتمالًا في كثير من المهن يتمثل في إعادة تشكيل محتوى الوظائف وأتمتة بعض مهامها، لا إحلال التكنولوجيا محل جميع العاملين.(23) وقد يؤدي هذا التحول إلى تخفيف الأعمال الروتينية والخطرة، لكنه قد يفضي كذلك إلى تجزئة العمل، وإضعاف المهارات، وزيادة الاعتماد على التقييم الخوارزمي ورفع معدلات الأداء. كما تتوزع آثاره بصورة غير متكافئة بين الفئات والقطاعات والدول، تبعًا للمهارات، وإمكان الوصول إلى التكنولوجيا، وموقع العاملين في عملية الإنتاج، وقوة المؤسسات التي تمثل مصالحهم.

ومن ثم، لا تتمثل المسألة الأساسية في الاختيار بين العمل والذكاء الاصطناعي، بل في تحديد الجهة التي تستفيد من الوقت الذي توفره التكنولوجيا. فإذا استحوذت الشركات وحدها على مكاسب الإنتاجية، فقد تقترن الأتمتة بتقليل العمالة، وعدم استقرار الدخل، وزيادة كثافة العمل. أما إذا خضعت هذه المكاسب لتنظيم اجتماعي وديمقراطي، فيمكن تحويلها إلى خفض فعلي لساعات العمل من دون خفض الأجور، وتحسين ظروف العمل، وتوسيع الحماية الاجتماعية وخدمات التعليم والصحة والرعاية.

ويتطلب ذلك ضمان حق العاملين في التدريب وإعادة التأهيل، وإشراكهم وممثليهم في القرارات المتعلقة بإدخال الذكاء الاصطناعي إلى مواقع العمل، ووضع قيود على المراقبة الرقمية والتقييم الآلي. فالغاية ليست الحفاظ على الأعمال المتكررة والمرهقة، بل استخدام التكنولوجيا لتقليل العمل الضروري وتوزيع الوقت المتاح على المجتمع بصورة عادلة، من خلال تنسيق واعٍ بين الاستثمار والإنتاج والعمل والحاجات الاجتماعية، بما يفتح المجال أمام تطوير التخطيط الاقتصادي في ظل الأدوات الخوارزمية.

 ثالثًا: من التخطيط الاقتصادي إلى التخطيط الخوارزمي

ارتبطت الاشتراكية في التراث الماركسي بإمكان تجاوز فوضى الإنتاج القائمة على المنافسة، والانتقال إلى تنظيم اجتماعي واعٍ للموارد والجهود الإنتاجية. ولا تعني هذه الفوضى غياب التنظيم داخل المؤسسة الرأسمالية؛ إذ تخطط الشركات لتقسيم العمل والمخزون والإنتاج والتكاليف. وإنما تظهر على مستوى الاقتصاد العام، حيث تتخذ المؤسسات قراراتها وفق توقعات الربح وضغوط المنافسة، من دون تنسيق شامل بين الموارد المتاحة والحاجات الاجتماعية.

وقد يؤدي هذا الانفصال بين التخطيط داخل المؤسسة وفوضى الإنتاج على مستوى المجتمع إلى اختلالات متكررة، منها فائض الإنتاج النسبي، ونقص السلع والخدمات الضرورية، وتكرار الاستثمار في قطاعات متشابهة، وإهمال مجالات مهمة اجتماعيًا لكنها أقل ربحية، فضلًا عن تعطيل الموارد والأيدي العاملة واندلاع الأزمات الدورية. ولذلك لا تكمن المشكلة في افتقار الرأسمالية إلى المعرفة والقدرة التنظيمية، بل في خضوعهما لقرارات خاصة ومتفرقة هدفها الأساسي تحقيق الربح.

وقد ربط ماركس تطور الرأسمالية باتساع الطابع التعاوني للعمل، والتطبيق الواعي للعلم في الإنتاج، وتعاظم الترابط بين القطاعات. وأوضح إنجلز في «ضد دوهرنغ» أن الرأسمالية تجمع بين التنظيم الدقيق للإنتاج داخل المؤسسة وفوضاه على مستوى المجتمع، وأن هذا التناقض يرتبط بالتعارض بين اجتماعية الإنتاج والاستحواذ الخاص على نتائجه. ومن ثم، يتيح إخضاع وسائل الإنتاج لسيطرة المجتمع إمكان إحلال تنظيم اجتماعي واعٍ محل الفوضى التي تحكم الإنتاج.(24)

غير أن التخطيط الاجتماعي لا يعني إخضاع الاقتصاد لأوامر يصدرها جهاز مركزي مغلق. فقد كشفت التجارب التاريخية أن تركيز المعلومات والصلاحيات في مستوى إداري واحد قد يؤدي إلى الجمود، وبطء الاستجابة، وتضخم البيروقراطية، وإضعاف مشاركة العاملين والمجتمعات المحلية. ولذلك ينبغي التمييز بين التخطيط بوصفه تنسيقًا اجتماعيًا للموارد وفق أهداف عامة، والمركزية الإدارية التي تسعى إلى التحكم في جميع القرارات. فالتخطيط الديمقراطي يجمع بين التوجيه الاجتماعي العام والاستقلال النسبي للمؤسسات والمبادرات المحلية.

ويمنح الذكاء الاصطناعي أدوات التخطيط الاقتصادي إمكانات جديدة؛ إذ تستطيع الأنظمة الرقمية معالجة معلومات واسعة ومتجددة عن الإنتاج والاستهلاك والمخزون والطاقة والنقل والسكن والخدمات العامة. ويمكن استخدامها في تقدير الحاجات، والتنبؤ بالنقص، وتقليل الهدر، وتنسيق سلاسل التوريد، ومقارنة البدائل قبل تنفيذ القرارات. وبذلك يمكن أن تتحول الخطة من مجموعة ثابتة من الأوامر إلى عملية مستمرة تتفاعل مع التغيرات في الموارد والحاجات والظروف الاجتماعية.

لكن التخطيط الخوارزمي لا يوفر معرفة كاملة بالمجتمع ولا يلغي عدم اليقين. فقد تكون البيانات ناقصة أو قديمة أو منحازة، كما أن عددًا من الحاجات والقيم الاجتماعية لا يمكن اختزاله في مؤشرات كمية. وقد تقيس الخوارزميات الطلب الذي يظهر في السوق، لكنها لا تكشف بالضرورة حاجات الفئات التي تعجز عن التعبير عنها بسبب ضعف قدرتها الشرائية أو السياسية. ولذلك ينبغي النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لتحسين المعلومات وتقدير الاحتمالات ودعم القرار، لا بديلًا عن الحكم الاجتماعي والسياسي.

ولا يقتصر التخطيط الخوارزمي على اقتصاد اشتراكي محتمل؛ فالشركات الرقمية الكبرى تستخدمه بالفعل في توقع الطلب، وإدارة المخزون والنقل، وتحديد الأسعار، وتنظيم العمل، وتوجيه المستخدمين. كما تسيطر المنصات الكبرى على حلقات مترابطة من سلسلة قيمة البيانات، تمتد من جمعها وتخزينها إلى تحليلها واستخدامها في تطوير الخدمات والأنظمة الرقمية.(25) ويكشف ذلك أن التخطيط ليس نقيضًا مطلقًا للرأسمالية، لكنه يظل داخلها موجهًا نحو زيادة الأرباح وتوسيع الحصة السوقية وتعزيز السيطرة على البيانات والعمل والمستهلكين.

وتقدم التجربة الصينية مثالًا معاصرًا على الجمع بين التخطيط الاستراتيجي للدولة وآليات السوق في تطوير القوى المنتجة الرقمية. فمنذ صدور «خطة تطوير الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي» سنة 2017، حددت الدولة أهدافًا وطنية للبحث العلمي والصناعات الذكية والبنية الحاسوبية، كما تضمنت الخطط الخمسية تطوير منصات البيانات ومراكز الحوسبة، وتعزيز تبادل البيانات بين المؤسسات الحكومية، واستخدامها في التنظيم الاقتصادي والخدمات العامة.(26) وتبين هذه التجربة قدرة الدولة على توجيه الاستثمار نحو البنية الأساسية والبحث العلمي والقطاعات ذات الأولوية، بدل ترك التطور التقني لقرارات الشركات المنفردة وحدها.

ومع ذلك، لا تمثل التجربة الصينية انتقالًا كاملًا من السوق إلى التخطيط الاجتماعي؛ فالاقتصاد الصيني يجمع بين الملكية العامة في قطاعات أساسية، وقطاع خاص واسع، والتوجيه الحكومي للاستثمار، وآليات المنافسة. كما أن توجيه الدولة لمسار الأتمتة لا يضمن بذاته تحويل مكاسب الإنتاجية إلى تقليص ساعات العمل أو توسيع مشاركة العاملين، وقد يقترن بتركيز المعلومات والقرار وتوسيع أدوات المراقبة. ولذلك يمكن دراسة هذه التجربة بوصفها نموذجًا يكشف إمكانات التخطيط الاستراتيجي وحدوده، لا دليلًا نهائيًا على تحقق الملكية الاجتماعية أو الإدارة الديمقراطية للتكنولوجيا.

ولا يكمن الفارق الحاسم بين التخطيط الرأسمالي والتخطيط الاجتماعي في الخوارزميات المستخدمة، بل في ملكيتها وأهدافها وبنيتها المؤسسية والجهات التي تملك حق مراجعة قراراتها. فقد تُستخدم التقنية لتقليل هدر الغذاء، وتحسين الخدمات الصحية، وتنظيم استهلاك الطاقة؛ كما قد تُستخدم لفرض أسعار احتكارية، ومراقبة العاملين، وزيادة كثافة العمل، وتوجيه سلوك المستهلكين. فالخوارزمية لا تعمل وفق عقلانية اجتماعية محايدة، بل وفق بيانات ومعايير وأولويات تحددها المؤسسات التي تصممها وتستخدمها.

كما لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يحدد بصورة مستقلة ما إذا كانت الأولوية للصحة أم للإنفاق العسكري، أو للإسكان الاجتماعي أم للمشروعات الأعلى ربحًا، أو للنمو السريع أم لحماية البيئة، أو لزيادة الإنتاج أم لتقليص ساعات العمل. فهذه اختيارات سياسية واجتماعية تتعلق بالقيم وتوزيع الموارد والسلطة، ولا يجوز تفويضها إلى نظام تقني. وتظل مهمة الخوارزميات تحليل الموارد، وتقدير النتائج المحتملة، ومقارنة السيناريوهات، ومساعدة المجتمع على تنفيذ قراراته ومراجعة آثارها.

ولا يصبح التخطيط ديمقراطيًا بمجرد خضوع بنيته التقنية للملكية العامة؛ فقد تتحول الخوارزميات، في ظل إدارة مركزية مغلقة، إلى أدوات للبيروقراطية والمراقبة وتقييد الحريات. ولذلك يجب أن يقترن استخدامها بالشفافية، وقابلية التدقيق والتفسير، وحماية الخصوصية، وإمكان الاعتراض على القرارات الآلية ومراجعتها بشريًا. وقد أكدت توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ضرورة بقاء المسؤولية النهائية في يد أشخاص طبيعيين أو اعتباريين، إلى جانب الرقابة البشرية والشفافية والمساءلة.(27)

وعلى هذا الأساس، يمكن أن يقوم التخطيط الديمقراطي على توزيع الصلاحيات بين مستويات مترابطة؛ فتحدد المؤسسات الديمقراطية الأهداف العامة في مجالات الصحة والإسكان والتعليم والطاقة والبيئة، بينما تتمتع المؤسسات الإنتاجية والتعاونيات والمجتمعات المحلية باستقلال نسبي في اختيار الوسائل الملائمة لتحقيقها. وتساعد الأنظمة الرقمية على ربط هذه المستويات وتوفير المعلومات اللازمة للتنسيق، من دون إلغاء المبادرة المحلية أو اختزال المجتمع في جهاز إداري واحد.

فالمقصود ليس بناء خوارزمية تتولى إدارة المجتمع، بل بناء مؤسسات ديمقراطية تستخدم القدرة الحسابية في جمع المعلومات وتنسيق الموارد وتحليل البدائل. ويتطلب ذلك مشاركة العاملين والمستخدمين والمتخصصين والمجتمعات المحلية في تصميم معايير التخطيط ومراجعة نتائجه، بحيث تتكامل المعرفة العلمية مع الخبرة العملية والمشاركة الاجتماعية. وتبقى غايات الإنتاج وأولوياته من اختصاص المجتمع ومؤسساته، بينما تؤدي الخوارزميات دور الأداة المساعدة في تنفيذ القرارات وتقويم آثارها.

 رابعًا : الديمقراطية والمشاركة الاجتماعية في إدارة الذكاء الاصطناعي

لا تكتمل إعادة تنظيم العلاقة بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج بتغيير الشكل القانوني للملكية أو استخدام الذكاء الاصطناعي في التخطيط؛ لأن المسألة تتعلق أيضًا بتوزيع سلطة اتخاذ القرار. فقد تكون البيانات والمنصات والبنية الحاسوبية مملوكة للدولة، بينما تحتكر إدارتها أجهزة بيروقراطية أو فئة محدودة من الخبراء. ولذلك تكتسب الملكية الاجتماعية مضمونها الفعلي عندما تقترن بمؤسسات تتيح للعاملين والمستخدمين والمواطنين المشاركة في تحديد أهداف التكنولوجيا، ومراقبة استخدامها، ومساءلة الجهات المسؤولة عن نتائجها.

وتقدم كومونة باريس، كما حللها ماركس في «الحرب الأهلية في فرنسا»، مبادئ سياسية يمكن الإفادة منها من دون تحويل تجربة القرن التاسع عشر إلى نموذج جاهز للمجتمع الرقمي. فقد قام تنظيمها على انتخاب المسؤولين، وخضوعهم للمساءلة، وقابليتهم للعزل، والحد من الامتيازات المرتبطة بالمناصب، بهدف منع تحول الإدارة إلى قوة مستقلة عن المجتمع.(28) ويمكن تطبيق هذه المبادئ على المؤسسات الرقمية العامة، بحيث لا يصبح تعقيد الأنظمة واحتكار الخبرة التقنية ذريعة لتحصين المسؤولين عن البيانات والخوارزميات من الرقابة الاجتماعية.

وتقتضي الإدارة الديمقراطية ألا تنفرد الشركات أو الأجهزة الحكومية أو الخبراء بالقرارات المتعلقة بتصميم الأنظمة الخوارزمية واعتمادها، ولا سيما في مجالات التوظيف والتعليم والصحة والخدمات العامة والمساعدات الاجتماعية. فهذه الأنظمة تؤثر مباشرة في الحقوق والفرص، ولذلك ينبغي أن يشارك المتأثرون بها أو ممثلوهم في تحديد أهدافها ومعايير استخدامها والحدود التي لا يجوز أن تتجاوزها.

ولا تعني هذه المشاركة إخضاع التفاصيل البرمجية للتصويت العام أو الاستغناء عن الخبرة العلمية؛ فالخبراء ضروريون لتفسير عمل الأنظمة وحدودها ومعدلات أخطائها ومصادر التحيز فيها. لكن المعرفة التقنية لا تمنحهم وحدهم حق تحديد القيم والأولويات الاجتماعية. فالقرار بشأن جواز استخدام نظام خوارزمي في مجال حساس ليس قرارًا تقنيًا محضًا، بل هو قرار اجتماعي وقانوني وأخلاقي. ولذلك ينبغي وضع الخبرة العلمية ضمن إطار ديمقراطي يجمع المتخصصين والعاملين والمستخدمين والنقابات والمؤسسات المنتخبة، ويميّز بين ما يمكن تنفيذه تقنيًا وما يجوز اعتماده اجتماعيًا.

وتكتسب مشاركة العاملين أهمية خاصة؛ لأن إدخال الذكاء الاصطناعي قد يغير توزيع المهام، وأساليب التقييم، ومعدلات الإنجاز، والمهارات المطلوبة، وفرص الاستمرار في العمل. فإذا انفردت الإدارة بهذه القرارات، فقد تتحول التكنولوجيا إلى أداة للمراقبة وزيادة كثافة العمل وتقليص استقلال العاملين. أما مشاركتهم في اختيار الأنظمة وتحديد مجالات استخدامها، فيمكن أن تساعد على توجيهها نحو تخفيف المهام المتكررة والخطرة، وتحسين شروط العمل، وتوفير التدريب اللازم. وتشير مسوح منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى ارتباط التشاور مع العاملين عند إدخال الذكاء الاصطناعي بالإبلاغ عن آثار أكثر إيجابية في الإنتاجية وظروف العمل، مع عدم كفاية هذه النتائج لإثبات علاقة سببية قاطعة.(29)

ولا ينبغي أن تقتصر المشاركة على مرحلة إدخال النظام؛ فقد تظهر بعد تشغيله أخطاء وانحيازات لم تكن واضحة خلال الاختبار، أو يتوسع استخدامه إلى أغراض جديدة. ولذلك يلزم إنشاء آليات دائمة للمتابعة تضم ممثلين عن العاملين والمستخدمين والمتخصصين، وتملك صلاحية طلب تعديل النظام أو تقييد استخدامه أو إيقافه إذا ألحق ضررًا بالأفراد أو انتهك حقوقهم.

كما تقتضي الإدارة الديمقراطية إقرار حقوق واضحة، منها معرفة الفرد باستخدام نظام آلي في قرار يؤثر في عمله أو تعليمه أو صحته أو حصوله على خدمة عامة، والحصول على تفسير مفهوم للعوامل الأساسية المؤثرة في القرار، وتصحيح البيانات غير الدقيقة، والاعتراض على النتيجة وطلب مراجعتها بشريًا. ولا تتحقق الشفافية بمجرد نشر الشفرة البرمجية، بل تتطلب توضيح غرض النظام، والجهة التي اعتمدته، والبيانات التي يستخدمها، وحدود دقته، والفئات المتأثرة بأخطائه، والجهة المسؤولة عن نتائجه.

ولا تكفي الشفافية إذا لم تقترن بالمساءلة والقدرة على تعديل القرارات أو إيقاف الأنظمة؛ فالخوارزمية لا تتحمل المسؤولية بذاتها، وإنما تقع المسؤولية على الأشخاص والمؤسسات التي حددت أهدافها واختارت بياناتها واعتمدت نتائجها. وقد أكدت توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ضرورة إمكان إسناد المسؤولية الأخلاقية والقانونية، في مختلف مراحل دورة حياة النظام، إلى أشخاص طبيعيين أو اعتباريين، إلى جانب حماية الخصوصية وضمان الرقابة البشرية والشفافية وقابلية التفسير والمراجعة.(30)

ويمكن أن تتخذ المشاركة المؤسسية صورًا متعددة، مثل لجان العاملين، والمجالس المحلية المنتخبة، والهيئات المستقلة لحماية البيانات، وممثلي النقابات والمنظمات المهنية، ولجان المواطنين في القطاعات التي تستخدم أنظمة واسعة التأثير. وينبغي أن تتمتع هذه الجهات بالمعلومات والموارد والصلاحيات اللازمة للرقابة، مع ضمان تمثيل الفئات الأقل دخلًا والأضعف سياسيًا، لأنها قد تتحمل أخطاء الأنظمة المستخدمة في التوظيف والخدمات العامة والرعاية الاجتماعية أكثر من غيرها.

ولا تعني ديمقراطية الذكاء الاصطناعي التصويت على العمليات الحسابية، بل إخضاع أهداف التكنولوجيا ومجالات استخدامها وآثارها الاجتماعية لإرادة عامة واعية. فالمشاركة الاجتماعية تعيد توزيع السلطة المعرفية والاقتصادية، وتمكّن المجتمع من تحديد الأنظمة التي يحتاج إليها، والمجالات التي ينبغي تقييد استخدامها فيها، والجهات التي تتحمل مسؤولية نتائجها. أما غياب هذه المشاركة فقد يحول الملكية العامة والبنية الرقمية إلى أساس لسلطة بيروقراطية ومراقبة واسعة، وهو ما يتناوله المبحث التالي.

 خامسًا : مخاطر البيروقراطية والمراقبة في المجتمع الرقمي

يوفر تحليل ماركس في «الغروندريسه» منطلقًا نظريًا لفهم العلاقة بين تطور المعرفة واتساع سلطة المؤسسات التي تسيطر عليها. فقد بيّن أن المعرفة العلمية والاجتماعية المتراكمة تتجسد في وسائل الإنتاج وتتحول إلى قوة إنتاجية مباشرة، لكنها لا تظهر للعامل، في ظل العلاقات الرأسمالية، بوصفها قدرته الاجتماعية المشتركة، بل بوصفها قوة مستقلة عنه يمتلكها رأس المال وتواجهه داخل عملية الإنتاج.(31) ولا يتناول ماركس، بطبيعة الحال، البيروقراطية الرقمية أو المراقبة الخوارزمية بصورتهما المعاصرة، لكن تحليله يساعد على تفسير الكيفية التي يمكن بها للمعرفة المنتجة اجتماعيًا أن تتحول، عندما تحتكرها مؤسسة منفصلة عن المنتجين، إلى أداة للسيطرة عليهم.

وينطبق هذا التناقض على البيانات والخوارزميات والبنية الحاسوبية؛ فهي تقوم على معرفة تراكمية ونشاط اجتماعي واسع، لكنها قد تتركز في أيدي شركات احتكارية أو أجهزة حكومية مغلقة. ولذلك لا يضمن انتقال وسائل الإنتاج الرقمية إلى ملكية الدولة إدارتها بصورة اجتماعية؛ فقد تتحول الملكية الحكومية، إذا انفصلت مؤسساتها عن العاملين والمواطنين، إلى قاعدة لجهاز بيروقراطي يحتكر المعلومات والخبرة التقنية وسلطة القرار. ومن هنا ينبغي التمييز بين ملكية الدولة بوصفها شكلًا قانونيًا، والملكية الاجتماعية التي تقتضي مشاركة المجتمع في تحديد أهداف استخدام الموارد ومراقبة إدارتها ومساءلة المسؤولين عنها.

ولا تنشأ البيروقراطية من الحاجة إلى الإدارة والتخصص في ذاتها، بل من تحول الجهاز الإداري إلى قوة مستقلة عن المجتمع. ويزداد هذا الخطر عندما تستخدم فئة محدودة تعقيد الأنظمة الرقمية لتبرير احتكار القرار، أو عندما تُعرض النتائج الخوارزمية بوصفها أحكامًا موضوعية لا تقبل المناقشة، مع أنها تستند إلى اختيارات بشرية ومؤسسية تتعلق بالبيانات والمعايير والأهداف. وقد يؤدي هذا الغموض إلى عجز الأفراد عن فهم القرارات التي تؤثر في حقوقهم وفرصهم أو الاعتراض عليها.

وتتضاعف هذه المخاطر بسبب قدرة الذكاء الاصطناعي على جمع بيانات واسعة عن عمل الأفراد وتحركاتهم وعلاقاتهم وتفضيلاتهم وربطها وتحليلها. فإذا تركزت هذه البيانات داخل مؤسسات لا تخضع لرقابة اجتماعية مستقلة، أمكن استخدامها في تصنيف المواطنين، وتقييم سلوكهم، والتأثير في حصولهم على العمل أو التعليم أو الرعاية والخدمات العامة. وقد يتحول التخطيط الاقتصادي نفسه إلى نظام للمراقبة إذا استُخدمت الحاجة إلى المعلومات ذريعة لجمع بيانات تتجاوز أغراض التخطيط، أو لربط قواعد معلومات أُنشئت لأهداف مختلفة، أو للاحتفاظ بها من دون حدود واضحة.

ولا تقتصر هذه المشكلة على الدولة؛ فالشركات والمنصات الخاصة تمارس بدورها أشكالًا واسعة من المراقبة، من خلال تتبع المستخدمين وتوجيه اختياراتهم ومراقبة العاملين وتقييم أدائهم خوارزميًا. ولذلك لا يتحدد الخطر بالشكل القانوني للملكية وحده، بل بدرجة تركّز السلطة على المعلومات، ومدى خضوع المؤسسات للرقابة والمساءلة. فقد تلتقي الشركة الاحتكارية والمؤسسة البيروقراطية في تحويل المعرفة الاجتماعية والبيانات إلى قوة مستقلة عن الأفراد، وإن اختلفت أهدافهما وطرائق عملهما.

كما قد تختفي المسؤولية عندما يتوزع القرار بين المؤسسة المستخدمة للنظام، والشركة التي طورته، والجهات التي وفرت البيانات والخدمات التقنية. فقد تنسب المؤسسة القرار إلى الخوارزمية، بينما تؤكد الشركة أن القرار النهائي اتخذته المؤسسة المستخدمة. ويؤدي هذا التداخل إلى تحويل النظام التقني إلى ستار تختفي خلفه المسؤولية البشرية والمؤسسية. كذلك قد يؤدي الاعتماد المفرط على المؤشرات الكمية إلى اختزال العمل والتعليم والرعاية والخدمات العامة في أرقام، مع إهمال جوانب يصعب قياسها، مثل العدالة وجودة الرعاية والاستقلال المهني والكرامة الإنسانية.

وكما سبقت الإشارة في المبحث الخامس، تبرز من تحليل ماركس لتجربة كومونة باريس مبادئ عامة لمنع انفصال الإدارة عن المجتمع، أهمها خضوع المسؤولين للمساءلة وإمكان عزلهم والحد من امتيازاتهم. ولا تقدم الكومونة نموذجًا تفصيليًا لإدارة البيانات والخوارزميات، لكنها تؤكد ضرورة عدم تحول الوظيفة الإدارية إلى سلطة مستقلة عن المواطنين. ويقتضي تطبيق هذا المبدأ على المؤسسات الرقمية إخضاع المسؤولين عنها لهيئات منتخبة ورقابية مستقلة، وتحديد صلاحياتهم، وتمكين المجتمع من تعديل السياسات أو إيقاف الأنظمة التي تنتهك الحقوق. كما ينبغي الفصل، قدر الإمكان، بين الجهة التي تجمع البيانات، والجهة التي تستخدمها في اتخاذ القرار، والجهة التي تنظر في الاعتراضات والشكاوى.

ومن منظور اشتراكي، لا يجوز التضحية بالحريات الفردية باسم الكفاءة الاقتصادية أو التخطيط الاجتماعي؛ لأن الغاية من إعادة تنظيم الإنتاج ليست إخضاع الإنسان لجهاز إداري مركزي، بل تحرير قدراته وتوفير الشروط المادية لمشاركته الواعية في المجتمع. ولذلك لا تعني الملكية الاجتماعية للبيانات تحويل الحياة الخاصة إلى مورد متاح للإدارة، بل تقتضي ألا تُجمع إلا البيانات الضرورية لغرض مشروع ومحدد، وأن تُضبط مدة الاحتفاظ بها والجهات المخولة بالوصول إليها، مع ضمان حقوق التصحيح والاعتراض والحذف عند انتفاء الحاجة المشروعة. (32)

كما ينبغي إخضاع الأنظمة المستخدمة في مجالات العمل والتعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والأمن لتقييم مستقل قبل اعتمادها ولمراجعة دورية بعد تشغيلها. ويشمل ذلك التحقق من ضرورة استخدامها، وطبيعة بياناتها، ومعدلات الخطأ والتحيز، والفئات التي قد تتضرر منها، وضمان مراجعة بشرية فعلية للقرارات. وفي هذا الإطار يمكن الاستفادة من توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، التي تؤكد حماية الخصوصية، والشفافية، وقابلية التفسير، وإمكان إسناد المسؤولية القانونية والأخلاقية إلى أشخاص أو مؤسسات، وعدم إحلال النظام الآلي محل المسؤولية البشرية النهائية.(32) غير أن أهمية هذه التوصية هنا تظل مساندة للضمانات العملية، بينما يستند التحليل أساسًا إلى ضرورة إعادة المعرفة الاجتماعية إلى سيطرة المجتمع.

ولا يكمن التحدي، في النهاية، في الاختيار بين التخطيط والحرية، بل في منع تحول القدرة الاجتماعية المتجسدة في البيانات والخوارزميات إلى قوة منفصلة عن المجتمع ومهيمنة عليه. فكلما ازدادت قدرة المؤسسات على جمع المعلومات وتحليلها، تعاظمت الحاجة إلى توزيع السلطة، واستقلال الرقابة، ووضوح المسؤولية، وضمان المشاركة وحقوق الاعتراض والمراجعة. وعلى ذلك يتوقف ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيصبح وسيلة لتنظيم الموارد وتوسيع الحرية الإنسانية، أم شكلًا جديدًا من أشكال السيطرة البيروقراطية والمراقبة.

سادسًا: الذكاء الاصطناعي بين إمكان التحرر واستمرار منطق التراكم

لا يحمل الذكاء الاصطناعي نتيجة اجتماعية محددة بصورة مسبقة. فهو يمثل توسعًا مهمًا في قدرات القوى المنتجة، لكنه لا يحدد بذاته العلاقات التي تنظّم استخدامه أو الكيفية التي توزَّع بها ثماره. ولذلك يمكن أن يسهم في تقليص زمن العمل، وتحسين الخدمات العامة، وتوسيع الوصول إلى المعرفة، وتطوير البحث العلمي، وتنسيق الموارد وفق الحاجات الاجتماعية؛ كما يمكن، في ظل علاقات ملكية وسيطرة مختلفة، أن يتحول إلى أداة لزيادة التفاوت، وإزاحة بعض الوظائف، وتعميق المراقبة، وتركيز الثروة والقرار الاقتصادي.

وتنبع هذه الازدواجية من التمييز بين الإمكان التقني والشكل الاجتماعي لاستخدامه. فالتكنولوجيا توفر وسائل جديدة لإنجاز الأعمال ومعالجة المعلومات، لكنها لا تحدد الغايات التي توجَّه إليها. كما أن رفع الإنتاجية لا يؤدي آليًا إلى تخفيف أعباء العمل أو تحسين شروط الحياة؛ لأن توزيع مكاسبه يتوقف على ملكية وسائل الإنتاج وموازين القوى الاجتماعية. فإذا احتكرت الشركات التكنولوجيا وقرارات استخدامها، أمكن تحويل جانب كبير من مكاسب الإنتاجية إلى أرباح أعلى، في حين قد يتحمل العاملون تكاليف التحول في صورة فقدان بعض الوظائف، أو عدم الاستقرار، أو زيادة كثافة العمل.

وقد كشف ماركس الأساس النظري لهذا التناقض في تحليله للآلة والصناعة الكبرى. فالآلة لا تؤدي بذاتها إلى تحرير العامل، على الرغم من قدرتها على اختصار الزمن الضروري لإنتاج السلع؛ إذ تتحدد وظيفتها الاجتماعية بموقعها داخل عملية إنتاج تقوم على تعظيم فائض القيمة. ولهذا قد تتحول زيادة الإنتاجية إلى وسيلة لتقليل قيمة قوة العمل وتوسيع فائض العمل، بدلًا من استخدامها لتقليص يوم العمل وتحسين حياة العاملين.(33)

وينطبق هذا المبدأ على الذكاء الاصطناعي، مع اختلاف نطاق التكنولوجيا وتعقيدها. فقدرته على إنجاز بعض المهام في وقت أقصر لا تعني أن الوقت الذي يوفره سيعود إلى العاملين في صورة وقت حر؛ إذ تستطيع المؤسسات استخدامه لتقليل العمالة، ورفع معدلات الإنجاز، وتوسيع نطاق المهام المطلوبة من الفرد، وإخضاع العمل لمراقبة خوارزمية متواصلة. وبذلك قد يؤدي اختصار الزمن اللازم لإنجاز المهمة إلى تكثيف يوم العمل بدلًا من تقليصه.

غير أن الذكاء الاصطناعي يختلف عن الآلة الصناعية التقليدية في اتساع المجالات التي يتدخل فيها. فهو لا يعمل داخل المصنع وحده، بل يدخل في تنظيم الخدمات والاتصال والإعلام والتعليم والبحث العلمي والرعاية الصحية والإدارة وصنع القرار. ولا يقتصر أثره على استبدال بعض العمليات اليدوية أو الميكانيكية، بل يمتد إلى تصنيف المعلومات، وإنتاج المحتوى، وتوجيه الانتباه، وتقييم الأفراد، والتأثير في توزيع الفرص بينهم. ويمنح هذا الاتساع المؤسسات المالكة للمنصات والنماذج والبيانات قدرة على التحكم تتجاوز السوق بمعناه الضيق، لتشمل تنظيم المعرفة والاتصال وبعض شروط المشاركة الاجتماعية.

وفي الوقت نفسه، تعتمد الأنظمة الذكية على تراكم تاريخي للمعرفة الإنسانية، وعلى عمل أجيال من العلماء والباحثين والمبرمجين، وعلى مؤسسات التعليم والبحث العلمي والبنية التحتية، فضلًا عن عمل القائمين على إعداد البيانات ومراجعتها، والمعلومات التي ينتجها النشاط الاجتماعي للأفراد والمؤسسات. ومن هنا يبرز التناقض بين الطابع الاجتماعي لإنتاج المعرفة والشكل الخاص للاستحواذ على نتائجها.

وقد تناول ماركس في «الغروندريسه» الأساس النظري لهذا التناقض، موضحًا اندماج المعرفة العلمية والاجتماعية في وسائل الإنتاج، وكتب: «لقد أصبحت المعرفة الاجتماعية العامة قوةً إنتاجية مباشرة».(34) غير أن هذه المعرفة، عندما تتجسد في وسائل إنتاج مملوكة لرأس المال، لا تظهر للعامل بوصفها تعبيرًا عن قدرة اجتماعية مشتركة، بل بوصفها قوة مستقلة عنه تُستخدم في تنظيم عمله.

وتتخذ هذه العلاقة، في عصر الذكاء الاصطناعي، صورة جديدة في النماذج والخوارزميات والبنى الحاسوبية التي تقوم على المعرفة الاجتماعية المتراكمة، ثم تعود إلى المجتمع في صورة خدمات وشروط عمل وقرارات تتحكم فيها المؤسسات المالكة. ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي يمثل تطبيقًا مباشرًا لما كتبه ماركس عن الآلة أو «العقل العام»؛ فالأنظمة المعاصرة تمتلك خصائص تقنية لم تكن قائمة في زمنه. لكن تحليله يظل مفيدًا في تفسير الكيفية التي يمكن بها للمعرفة الاجتماعية، عندما تتجسد في وسائل إنتاج مملوكة ملكية خاصة، أن تتحول إلى قوة يستخدمها رأس المال في تنظيم العمل وتوسيع التراكم.

ولا يؤدي تطور الذكاء الاصطناعي تلقائيًا إلى تجاوز الرأسمالية، كما لا ينبغي بناء التحليل على افتراض اختفاء معظم المهن أو انتهاء العمل البشري في المستقبل القريب. فالوظائف تتكون من مهام متعددة لا تتساوى في قابليتها للأتمتة. وتشير دراسة منظمة العمل الدولية الصادرة سنة 2025 إلى أن الأثر الأكثر ترجيحًا للذكاء الاصطناعي التوليدي في عدد واسع من المهن هو إعادة تشكيل المهام، لا إلغاء الوظائف بكاملها؛ فبعض المهام يمكن أن يُؤتمت، في حين تظل مهام أخرى بحاجة إلى الخبرة والحكم والتفاعل البشري. (35)

ويمكن فهم هذا الاستقطاب في ضوء تحليل ماركس للآلة والصناعة الكبرى؛ فقد بيّن أن استخدام الآلات في ظل علاقات الإنتاج الرأسمالية لا يتجه بالضرورة إلى تخفيف أعباء العامل، بل يخضع لمقتضيات زيادة الإنتاجية وإنتاج فائض القيمة. ولذلك قد يقترن التطور الآلي بإزاحة قسم من العمال، وزيادة كثافة العمل، وإعادة تنظيم تقسيمه داخل المصنع، مع نشوء تمايز بين فئات محدودة تتولى بعض الوظائف الفنية المرتبطة بالآلات وبين الكتلة الأوسع من عمال المصنع الخاضعين للنظام الآلي.(36)

ويتخذ هذا التناقض صورة معاصرة في ظل الذكاء الاصطناعي؛ فقد تستفيد الفئات التي تمتلك المهارات والموارد اللازمة لتطوير الأنظمة الذكية والتحكم فيها، بينما تتعرض فئات أخرى للعمل غير المستقر أو للإدارة الخوارزمية المشددة. كما تُسند بعض الأعمال الضرورية لإعداد البيانات وتصنيفها ومراجعتها إلى عاملين منخفضي الأجور، فتظل مساهمتهم البشرية محجوبة خلف المظهر التقني للأتمتة. ولذلك لا يكفي تقويم أثر التكنولوجيا استنادًا إلى عدد الوظائف التي تلغيها أو تستحدثها، بل ينبغي أن يشمل نوعية الوظائف الجديدة، ومستويات الأجور والاستقرار والحقوق، ومدى مشاركة العاملين في القرارات التقنية المؤثرة في عملهم وحياتهم.

وقد يؤدي ارتفاع الإنتاجية، إذا لم يقترن بتقليص ساعات العمل وإعادة توزيع مكاسبها، إلى توسيع الفجوة بين القدرة المتنامية على إنتاج السلع والخدمات وبين القدرة الاجتماعية على استهلاكها. ولا تكون التكنولوجيا سبب الأزمة في ذاتها، لكنها قد تعمق تناقضات التراكم عندما تتجاور زيادة الإنتاجية وتركيز الأرباح مع تراجع فرص العمل أو ضعف القدرة الشرائية لدى قطاعات من المجتمع. ومن ثم، تنشأ المشكلة من العلاقات التي تحدد توزيع الدخل وملكية وسائل الإنتاج، لا من اتساع القدرة التقنية على إنتاج الثروة.

ويتوقف الاتجاه الاجتماعي لهذا التحول على المؤسسات والصراعات والاختيارات التي تنظّمه. فإذا بقيت ملكية البيانات والنماذج والقدرات الحاسوبية مركزة، فمن المرجح أن يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتعزيز سلطة الشركات وتوسيع التفاوت وإخضاع العمل لرقابة أشد. أما إذا اقترنت التكنولوجيا بأشكال من الملكية الاجتماعية والرقابة الديمقراطية والمشاركة العمالية وتوزيع مكاسب الإنتاجية، فيمكن توجيهها نحو تقليص يوم العمل، وتوسيع الخدمات العامة، وإتاحة المعرفة، وتحسين شروط الحياة.

ولا تعني الملكية الاجتماعية مجرد انتقال السيطرة إلى الدولة؛ لأنها قد تتحول، من دون مؤسسات ديمقراطية وحقوق واضحة، إلى قاعدة للبيروقراطية والمراقبة. والمقصود هو إخضاع الموارد الرقمية الأساسية لرقابة اجتماعية تتيح للعاملين والمستخدمين والمواطنين المشاركة في تحديد أهداف استخدامها، مع ضمان الخصوصية والشفافية والمساءلة وحق الاعتراض على القرارات المؤثرة في الحقوق والفرص.

كما لا يعني تجاوز منطق التراكم وقف التطور أو الابتكار، بل تغيير المعيار الذي يحدد اتجاه استخدام القوى المنتجة. ففي حين يقيس رأس المال نجاح التكنولوجيا بقدرتها على خفض التكاليف وزيادة الأرباح، يمكن قياسها اجتماعيًا بقدرتها على تقليص الجهد الضروري، وتحسين الخدمات، وحماية البيئة، وتوسيع الوقت الحر، وإتاحة المشاركة في الحياة الثقافية والسياسية.

وعلى هذا الأساس، لا يتحدد مستقبل الذكاء الاصطناعي بقدراته التقنية وحدها، بل بالعلاقات الاجتماعية التي تنظّم ملكيته واستخدامه. والسؤال الحاسم ليس مقدار ما تستطيع الخوارزميات إنجازه فحسب، وإنما مَن يمتلكها، ومَن يحدد أهدافها، ومَن يتحمل مخاطرها، ومَن يستفيد من الوقت والثروة اللذين تنتجهما. وفي الإجابة العملية عن هذه الأسئلة يتحدد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيسهم في توسيع الحرية الإنسانية، أم سيعيد إنتاج التراكم والاحتكار والسيطرة في صورة رقمية جديدة.

الخاتمة

تكشف هذه الدراسة أن الانتقال من الآلة الميكانيكية إلى الخوارزمية لا يمثل قطيعة مطلقة مع المسار التاريخي لتطور القوى المنتجة، بل يمثل تحولًا نوعيًا داخله. فالذكاء الاصطناعي يوسع نطاق الأتمتة من بعض العمليات العضلية والميكانيكية إلى مهام معرفية ولغوية وتحليلية، ويجعل معالجة البيانات والمعلومات عنصرًا مباشرًا في تنظيم الإنتاج والخدمات والعمل وصنع القرار. لكنه، على الرغم من هذا التحول، يظل قائمًا على بنية مادية واسعة تشمل الرقائق والطاقة ومراكز الحوسبة وشبكات الاتصال، وعلى عمل بشري واجتماعي متراكم يشارك فيه الباحثون والمبرمجون والعاملون في إعداد البيانات وصيانة الأنظمة.

وتؤكد هذه النتيجة استمرار القيمة التفسيرية لمفهوم القوى المنتجة في الفكر الماركسي، شريطة عدم تحويله إلى صيغة جامدة أو استخدامه بوصفه نبوءة تقنية. فلم يتنبأ ماركس وإنجلز بالذكاء الاصطناعي أو باقتصاد المنصات، لكن تحليلهما للعلاقة بين التكنولوجيا والعمل والملكية يوفر أساسًا لفهم التحولات المعاصرة. وتنبع راهنية هذا التحليل من أنه لا يعزل الأداة التقنية عن العلاقات الاجتماعية التي تنتجها وتستخدمها، ولا يقيس التقدم بارتفاع الإنتاجية وحده، بل يربطه بتوزيع الثروة والوقت والسلطة وبأثره في شروط العمل والحياة.

وقد بيّن الانتقال من «الأيديولوجيا الألمانية» و«البيان الشيوعي» إلى تحليل الآلة في «رأس المال» ومفهوم «العقل العام» في «الغروندريسه» أن تطور القوى المنتجة يقترن بتعاظم الطابع الاجتماعي للإنتاج. فالثروة الحديثة لا تنتجها جهود فردية منعزلة، بل تقوم على التعاون وتقسيم العمل وتراكم المعرفة العلمية والخبرة الاجتماعية. ويتجلى هذا الطابع بوضوح في الذكاء الاصطناعي، الذي يعتمد على معرفة تراكمت عبر أجيال، وعلى مؤسسات التعليم والبحث العلمي، وعلى بيانات وعمل اجتماعي واسع، في حين تتركز ملكية النماذج والمنصات والقدرات الحاسوبية لدى عدد محدود من المؤسسات.

ولا تلغي الرأسمالية الرقمية، لذلك، التناقض بين الطابع الاجتماعي للإنتاج والاستحواذ الخاص على نتائجه، بل تعيد تشكيله. فالمعرفة التي ينتجها المجتمع تتحول، بعد تجسدها في البيانات والخوارزميات والبنية الحاسوبية، إلى أصول خاصة تمنح مالكيها قدرة على تنظيم الأسواق والعمل والاتصال والوصول إلى المعلومات. وبذلك لا تقتصر الملكية الرقمية على امتلاك أداة إنتاج، بل تشمل سلطة تحديد شروط المشاركة الاقتصادية والاجتماعية والتأثير في القرارات والفرص المتاحة للأفراد.

ويتيح الذكاء الاصطناعي إمكانات حقيقية لرفع الإنتاجية، وتقليص الجهد الضروري، وتحسين الخدمات العامة، وتطوير البحث العلمي، وتوسيع الوصول إلى المعرفة، وزيادة القدرة على تنسيق الموارد. غير أن هذه الإمكانات لا تحمل مضمونًا اجتماعيًا محددًا في ذاتها. فقد تتحول زيادة الإنتاجية إلى تقليص لساعات العمل وتحسين لشروط الحياة، كما قد تُستخدم لتقليل العمالة وزيادة كثافة العمل وتوسيع المراقبة وتركيز الأرباح. ومن ثم، لا يكمن السؤال الأساسي في مقدار الوقت الذي تستطيع التكنولوجيا توفيره، بل في الجهة التي تستحوذ على هذا الوقت وكيفية توزيعه بين العاملين والمجتمع ورأس المال.

ولا يدعم التحليل افتراض اختفاء العمل البشري أو انتهاء معظم المهن في المستقبل القريب؛ لأن الوظائف تتكون من مهام متفاوتة في قابليتها للأتمتة. والأرجح أن يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل عدد واسع من الوظائف، فيؤتمت بعض مهامها ويغير مهام أخرى ويُنشئ حاجات جديدة إلى الإشراف والتفسير والصيانة والتدخل البشري. لكن إعادة تشكيل العمل ليست عملية محايدة؛ إذ قد تخفف المهام الخطرة والمتكررة، وقد تؤدي في الوقت نفسه إلى إضعاف المهارات، وزيادة عدم الاستقرار، وظهور أشكال جديدة من الإدارة الخوارزمية والعمل المنخفض الأجر. ولذلك ينبغي تقويم أثر الذكاء الاصطناعي بنوعية العمل الذي ينتجه، لا بعدد الوظائف التي يلغيها أو يستحدثها وحده.

وتخلص الدراسة إلى أن تطور القوى المنتجة لا يقود تلقائيًا إلى تجاوز علاقات الإنتاج القائمة. فقد تستطيع الرأسمالية استيعاب التقنيات الجديدة وتوظيفها في فتح مجالات جديدة للاستثمار والتراكم، حتى عندما تؤدي هذه التقنيات إلى تعميق تناقضاتها. ومن ثم، لا تمثل الاشتراكية نتيجة حتمية لتطور الذكاء الاصطناعي، بل إمكانًا تاريخيًا يظل تحققه مرتبطًا بالصراعات الاجتماعية، وأشكال الملكية، وتنظيم العمل، والمؤسسات السياسية القادرة على تحويل القدرة التقنية إلى مكاسب اجتماعية عامة.

ولا يتحقق هذا التحول بمجرد إعادة توزيع جانب من الدخل بعد اكتمال عملية الإنتاج؛ لأنه يتعلق بملكية شروط الإنتاج نفسها وبالسلطة التي تحدد أهداف استخدامها. وفي الاقتصاد الرقمي يتسع هذا السؤال ليشمل البيانات والخوارزميات والمنصات وشبكات الاتصال ومراكز الحوسبة والقدرات العلمية والتقنية. غير أن الملكية الاجتماعية لا تعني مجرد نقل هذه الموارد من الشركات الخاصة إلى الدولة؛ إذ قد تتحول الملكية الحكومية، إذا انفصلت إدارتها عن المجتمع، إلى أساس لبيروقراطية رقمية تحتكر المعلومات والقرار وتمتلك أدوات واسعة للمراقبة.

ولهذا لا تنفصل الملكية الاجتماعية الفعلية عن الديمقراطية والمساءلة. فهي تقتضي مشاركة العاملين والمستخدمين والمواطنين في تحديد أهداف التكنولوجيا ومجالات استخدامها، وتمكينهم من مراقبة المؤسسات التي تديرها والاعتراض على القرارات المؤثرة في حقوقهم. كما تقتضي حماية الخصوصية والبيانات الشخصية، وتحديد المسؤولية البشرية والمؤسسية عن القرارات الخوارزمية، ومنع استخدام التعقيد التقني ذريعة لتحصين الخبراء أو الأجهزة الإدارية من الرقابة الاجتماعية.

وتستطيع الخوارزميات توسيع قدرة المجتمع على التخطيط من خلال جمع المعلومات، وتحليل البدائل، وتقدير الحاجات، وتنسيق الموارد. لكنها لا تستطيع أن تحدد بصورة مستقلة الغايات التي ينبغي للمجتمع اعتمادها؛ فالمفاضلة بين النمو وحماية البيئة، وبين زيادة الإنتاج وتقليص ساعات العمل، وبين الإنفاق على القطاعات المختلفة، تظل اختيارات اجتماعية وسياسية تتعلق بالقيم وتوزيع الموارد والسلطة. ولذلك ينبغي أن يبقى الذكاء الاصطناعي أداة لدعم القرار الاجتماعي، لا سلطة تقنية تحل محل المجتمع في تحديد أولوياته.

وتتمثل النتيجة المركزية للدراسة في أن الذكاء الاصطناعي يوسع مجال الإمكان التاريخي، لكنه لا يحسم اتجاهه. فهو يوفر شروطًا مادية ومعرفية يمكن استخدامها لتقليص العمل الضروري، وتوسيع الخدمات، وإتاحة المعرفة، وتحسين إدارة الموارد؛ لكنه يستطيع، في ظل علاقات ملكية مركزة، أن يمنح منطق التراكم والاحتكار والمراقبة أدوات أكثر تطورًا. ولذلك لا يتحدد طابعه الاجتماعي بما تستطيع الخوارزميات إنجازه فحسب، بل بمن يمتلكها، ومن يحدد أهدافها، ومن يتحمل مخاطرها، وكيف توزَّع الثروة والسلطة والوقت الذي تسهم في إنتاجه.

ومن هذا المنظور، يصبح المعيار الحقيقي لتقويم الذكاء الاصطناعي هو مقدار إسهامه في تحسين حياة الإنسان وتوسيع حريته، لا مقدار الزيادة التي يحققها في الإنتاجية والأرباح وحدهما. ويتجسد هذا المعيار في تقليص زمن العمل الضروري، وتحسين نوعية العمل والخدمات العامة، وحماية البيئة والخصوصية، وتوسيع الوقت المتاح للتعليم والثقافة والإبداع والمشاركة الاجتماعية. وعلى أساس الصراع حول هذه الأهداف يتحدد ما إذا كان الانتقال من الآلة إلى الخوارزمية سيصبح خطوة نحو تحرير القدرات الإنسانية، أم مرحلة جديدة من إخضاعها لمنطق التراكم والسيطرة

_______________________

الهوامش

(1) كارل ماركس وفريدريك إنجلز، الأيديولوجيا الألمانية، ترجمة فؤاد أيوب، ط1، بيروت: دار الفارابي، 2016، ص 32–34، النسخة الإلكترونية.

(2) المصدر نفسه، ص 34–48.

(3) كارل ماركس، مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي، ترجمة راشد البراوي، دار النهضة العربية، 1969، ص 2–3، النسخة الإلكترونية.

(4) كارل ماركس وفريدريك إنجلز، البيان الشيوعي، ترجمة العفيف الأخضر، ط1، بيروت–بغداد: منشورات الجمل، 2015، ص 63.

(5) فريدريك إنجلز، حالة الطبقة العاملة في إنجلترا، ترجمة فخري لبيب، القاهرة: دار الثقافة الجديدة، النسخة الإلكترونية؛ انظر: المقدمة، وفصول «البروليتاريا الصناعية» و«المدن الكبرى» و«فروع الصناعة المختلفة».

(6) فريدريك إنجلز، حالة الطبقة العاملة في إنجلترا، مصدر نفسه، ص 163.

(7) كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الأول، الجزء الرابع: «إنتاج فائض القيمة النسبي»، فصل «الآلات والصناعة الكبرى»، المبحث الأول: «تطور الآلات»، ترجمة فالح عبد الجبار، بيروت: دار الفارابي، ص 465.

(8) المصدر نفسه، الجزء السابع: «عملية تراكم رأس المال»، المبحث الثالث: «الإنتاج المطّرد لفيض السكان النسبي، أو الجيش الصناعي الاحتياطي»، ص 773 وما بعدها.

(9) Karl Marx, Grundrisse: Foundations of the Critique of Political Economy, trans. Martin Nicolaus, “The Chapter on Capital (Continuation),” Notebook VII, Marxists Internet Archive, p. 625.

كارل ماركس، الغروندريسه: أسس نقد الاقتصاد السياسي، الترجمة الإنجليزية لمارتن نيكولاوس

والنص الإنجليزي:

“The development of fixed capital reveals the extent to which general social knowledge has become an immediate productive force, and the extent to which the conditions of social life itself have come under the control of the general intellect and been reorganized in accordance with it.”

والترجمة العربية للاقتباس من إعداد الكاتب.

(10) OECD, A Blueprint for Building National Compute Capacity for Artificial Intelligence, OECD Digital Economy Papers, No. 350, Paris: OECD Publishing, 2023, p. 5، النسخة الإنجليزية الإلكترونية، متاح على: OECD.

(منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، مخطط لبناء قدرة حاسوبية وطنية للذكاء الاصطناعي، سلسلة أوراق الاقتصاد الرقمي، العدد 350، باريس: منشورات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، 2023، ص 5.

(11) Karl Marx, Grundrisse: Foundations of the Critique of Political Economy, trans. Martin Nicolaus, “The Chapter on Capital (Continuation),” Notebook VII, Marxists Internet Archive, pp. 623–625.

[كارل ماركس، الغروندريسه: أسس نقد الاقتصاد السياسي، «فصل رأس المال (تتمة)»، الدفتر السابع، ص 623–625، الترجمة الإنجليزية لمارتن نيكولاوس].

(12) United Nations Conference on Trade and Development (UNCTAD), Digital Economy Report 2021: Cross-border Data Flows and Development—For Whom the Data Flow?, United Nations, Geneva, 2021, p. 149، النسخة الإنجليزية الإلكترونية، متاح على: الموقع الرسمي للأونكتاد.

[مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، تقرير الاقتصاد الرقمي لعام 2021: تدفقات البيانات عبر الحدود والتنمية — لمن تتدفق البيانات؟، الأمم المتحدة، جنيف، 2021، ص 149].

(13) Paweł Gmyrek et al., Generative AI and Jobs: A Refined Global Index of Occupational Exposure, ILO Working Paper No. 140, Geneva: International Labour Organization, 2025, Abstract، النسخة الإنجليزية الإلكترونية، https://doi.org/10.54394/HETP0387.

[بافيل غميرك وآخرون، الذكاء الاصطناعي التوليدي والوظائف: مؤشر عالمي منقّح للتعرّض المهني، ورقة عمل منظمة العمل الدولية، رقم 140، جنيف: منظمة العمل الدولية، 2025، الملخص].

(14) كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الأول، مبحث «الميل التاريخي للتراكم الرأسمالي»، ترجمة فالح عبد الجبار، بيروت: دار الفارابي، ص 936–940.

(15) فريدريك إنجلز، ضد دوهرنغ: ثورة السيد أوجين دوهرنغ في العلوم، ترجمة محمد الجندي وخيري الضامن، موسكو: دار التقدم، 1984، القسم الثالث: «الاشتراكية»، الفصل الثاني: «مباحث نظرية»، ص 312–332، النسخة الإلكترونية.

(16) كارل ماركس، نقد برنامج غوتا، ضمن: دراسات اقتصادية مختارة (2)، ترجمة فؤاد أيوب، دار دمشق للطباعة والنشر والتوزيع، ص 315.

(17) المصدر نفسه، ص 315.

(18) OECD, A Blueprint for Building National Compute Capacity for Artificial Intelligence, OECD Digital Economy Papers, No. 350, Paris: OECD Publishing, 2023, pp. 12, 19–20، النسخة الإنجليزية الإلكترونية، متاح على: OECD.

والنص الإنجليزي:

“The creation and use of AI relies on key elements, such as a skilled workforce.”

والترجمة العربية للاقتباس من إعداد الكاتب.

[منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، مخطط لبناء قدرة حاسوبية وطنية للذكاء الاصطناعي، سلسلة أوراق الاقتصاد الرقمي، العدد 350، باريس: منشورات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، 2023، ص 12 و19–20].

(19) مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، تقرير الاقتصاد الرقمي لعام 2021: تدفقات البيانات عبر الحدود والتنمية — لمن تتدفق البيانات؟: استعراض عام، الأمم المتحدة، جنيف، 2021، ص 2–4، النسخة العربية الإلكترونية الرسمية، متاح على: الأونكتاد.

(20) OECD, A Blueprint for Building National Compute Capacity for Artificial Intelligence, op. cit., pp. 5–6.

والنص الإنجليزي:

“An imbalance of such compute resources risks reinforcing socioeconomic divides.”

والترجمة العربية للاقتباس من إعداد الكاتب.

(منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، مخطط لبناء قدرة حاسوبية وطنية للذكاء الاصطناعي، مصدر سابق، ص 5–6).

(21) كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الأول، الجزء الرابع: «إنتاج فائض القيمة النسبي»، فصل «الآلات والصناعة الكبرى»، المبحث الأول: «تطور الآلات»، ترجمة فالح عبد الجبار، مصدر سابق، ص 465 وما بعدها.

(22) Karl Marx, Grundrisse: Foundations of the Critique of Political Economy, trans. Martin Nicolaus, London: Penguin Books, 1973, “The Chapter on Capital (Continuation),” Notebook VII, “Significance of the Development of Fixed Capital,” pp. 704–712.

والنص الإنجليزي:

“The saving of labour time [is] equal to an increase of free time.”

والترجمة العربية للاقتباس من إعداد الكاتب.

(كارل ماركس، الغروندريسه: أسس نقد الاقتصاد السياسي، «فصل رأس المال (تتمة)»، الدفتر السابع، مقطع «دلالة تطور رأس المال الثابت»، ص 704–712، الترجمة الإنجليزية لمارتن نيكولاوس).

(23) Paweł Gmyrek et al., Generative AI and Jobs: A Refined Global Index of Occupational Exposure, op. cit., pp. 1, 45.

[بافيل غميرك وآخرون، الذكاء الاصطناعي التوليدي والوظائف: مؤشر عالمي منقّح للتعرّض المهني، مصدر سابق، ص 1 و45].

(24) كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، مصدر سابق، ص 936–940؛ وفريدريك إنجلز، ضد دوهرنغ، مصدر سابق، ص 312–332.

(25) مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، تقرير الاقتصاد الرقمي لعام 2021: تدفقات البيانات عبر الحدود والتنمية — لمن تتدفق البيانات؟: استعراض عام، مصدر سابق، ص 2–4.

(26) State Council of the People’s Republic of China, New Generation Artificial Intelligence Development Plan, Beijing, 2017; National Development and Reform Commission, The 13th Five-Year Plan for Economic and Social Development of the People’s Republic of China, Beijing, 2016, Chapter 27, “Implement the National Big Data Strategy”; see also: Constitution of the People’s Republic of China, Articles 11, 14–17.

[مجلس الدولة في جمهورية الصين الشعبية، خطة تطوير الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي، بكين، 2017؛ واللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح، الخطة الخمسية الثالثة عشرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية لجمهورية الصين الشعبية، بكين، 2016، الفصل السابع والعشرون: «تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للبيانات الضخمة»؛ وانظر كذلك: دستور جمهورية الصين الشعبية، المواد 11 و14–17].

(27) منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، التوصية الخاصة بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، باريس: اليونسكو، 2021، ولا سيما الفقرات 32–40 و68–69، النسخة العربية الإلكترونية الرسمية.

(28) كارل ماركس، الحرب الأهلية في فرنسا، ترجمة إلياس شاهين، موسكو: دار التقدم، ص 29–30، النسخة العربية الإلكترونية، متاح على: بوابة الاشتراكي.

(29) OECD, OECD Employment Outlook 2023: Artificial Intelligence and the Labour Market, Chapter 7, “Social Dialogue and Collective Bargaining in the Age of Artificial Intelligence,” Paris: OECD Publishing, 2023, pp. 230–233, especially p. 232، النسخة الإنجليزية الإلكترونية، متاح على: OECD.

(منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، آفاق التوظيف لعام 2023: الذكاء الاصطناعي وسوق العمل، الفصل السابع: «الحوار الاجتماعي والمفاوضة الجماعية في عصر الذكاء الاصطناعي»، باريس: منشورات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، 2023، ص 230–233، ولا سيما ص 232).

(30) منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، التوصية الخاصة بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، مصدر سابق، الفقرات 32–40 و68–69.

(31) كارل ماركس، الغروندريسه، مصدر سابق، ص699–706، ولا سيما ص706.

(32) منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، التوصية الخاصة بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، مصدر سابق، ولا سيما الفقرات 32–40 و68–69 المتعلقة بالخصوصية وحوكمة البيانات، والشفافية وقابلية التفسير، والمسؤولية والمساءلة، والرقابة البشرية.

(33) كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الأول، الجزء الرابع: «إنتاج فائض القيمة النسبي»، فصل «الآلات والصناعة الكبرى»، المبحث الأول: «تطور الآلات»، ترجمة فالح عبد الجبار، مصدر سابق، ص 465 وما بعدها.

(34) Karl Marx, Grundrisse: Foundations of the Critique of Political Economy, trans. Martin Nicolaus, London: Penguin Books, 1973, “The Chapter on Capital (Continuation),” Notebook VII, “Significance of the Development of Fixed Capital,” pp. 704–706, especially p. 706.

والنص الإنجليزي:

“general social knowledge has become a direct force of production.”

والترجمة العربية للاقتباس من إعداد الكاتب.

(كارل ماركس، الغروندريسه: أسس نقد الاقتصاد السياسي، «فصل رأس المال (تتمة)»، الدفتر السابع، مقطع «دلالة تطور رأس المال الثابت»، ص 704–706، ولا سيما ص 706، الترجمة الإنجليزية لمارتن نيكولاوس).

(35) Paweł Gmyrek et al., Generative AI and Jobs: A Refined Global Index of Occupational Exposure, op. cit., pp. 1, 45.

(بافيل غميرك وآخرون، الذكاء الاصطناعي التوليدي والوظائف: مؤشر عالمي منقّح للتعرّض المهني، مصدر سابق، ص 1 و45.)

(36) كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الأول، ترجمة فالح عبد الجبار، بيروت: دار الفارابي، الفصل الثالث عشر: «الآلات والصناعة الكبرى»، ولا سيما المبحث الثالث: «التأثيرات المباشرة للإنتاج الآلي على العامل»، ص 490–519؛ والمبحث الرابع: «المصنع»، ص 520–528؛ والمبحث السابع: «نبذ وجذب العمال مع تطور المصنع الآلي. الأزمات في الصناعة القطنية»، ص 553–554. (36) كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الأول، ترجمة فالح عبد الجبار، بيروت: دار الفارابي، الفصل الثالث عشر: «الآلات والصناعة الكبرى»، ولا سيما المبحث الثالث: «التأثيرات المباشرة للإنتاج الآلي على العامل»، ص 490–519؛ والمبحث الرابع: «المصنع»، ص 520–528؛ والمبحث السابع: «نبذ وجذب العمال مع تطور المصنع الآلي. الأزمات في الصناعة القطنية»، ص 553–554