من خلال اللقاء الجميل مع اخي ورفيقي مقداد مسعود.... اجد في مقداد مسعود، لا يبدو العراق مجرد جغرافيا أو خلفية للأحداث؛ إنه كائن حي، يسكن اللغة كما تسكن الذاكرة الإنسان. البصرة، بما تختزنه من تاريخ وأساطير وأنهار وموانئ ونخيل ومآس وأحلام، تحضر في تجربته باعتبارها أكثر من مدينة؛ إنها ذاكرة مكان تتقاطع فيها الذات مع التاريخ.

ولذلك تبدو قصائده مشدودة إلى التفاصيل العراقية الصغيرة بقدر اتصالها بالقضايا الكبرى. فالمكان عنده ليس وصفاً محايداً، والزمن ليس مجرد تسلسل للأحداث، والذاكرة ليست حنيناً إلى الماضي فحسب؛ إنها جميعاً مواد لإعادة اكتشاف الإنسان.

وهنا تكمن إحدى ميزات تجربته الشعرية: قدرته على تحويل اليومي والهامشي والمألوف إلى مادة شعرية قابلة للتأمل. فهو لا يبحث عن العراق في الخرائط وحدها، وإنما يبحث عنه في الأشياء التي قد تبدو بسيطة: في النهر، والنخلة، والشارع، والبيت، والمدينة، وفي الذاكرة التي تقاوم النسيان.

ومن عناوين كتبه الشعرية والنثرية تلوح هذه الخصوصية بوضوح: (القصيدة بصرة)، و(من الأشرعة يتدفق النهر)، و(شمس النارنج)، و(حافة كوب أزرق)، و(بصفيري أضيء الظلمة)، و(يدي تنسى كثيراً)، و(هدوء الفضة), وغيرها من العناوين التي تكشف عن شاعر يشتغل على اللغة بوصفها مساحة للمجاز والذاكرة والدهشة.

ولعل أهم ما يميز تجربته النقدية أنها لا تتعامل مع النص الأدبي باعتباره كياناً معزولاً عن شروط إنتاجه. إنه يقرأ القصة والرواية والشعر في سياقاتها الاجتماعية والثقافية والتاريخية، ويبحث عن العلاقات الخفية بين النص والواقع، وبين المبدع وبيئته، وبين الأدب والتحولات التي يعيشها المجتمع.

وهنا يصبح الناقد أشبه بحفار في طبقات النص؛ لا يكتفي بما تقوله الكلمات في ظاهرها، بل يحاول الوصول إلى ما تختزنه من دلالات وأسئلة ومرجعيات.

وقد انعكس هذا المنهج في عدد من مقالاته وكتاباته الثقافية، ومنها كتاباته حول التجربة العراقية وشخصياتها الثقافية، فضلاً عن نصوص مثل (يوم الظلة في كف الغائب) وكتاباته عن خالدة سعيد وغيرها من الموضوعات التي تكشف اهتمامه بالتاريخ الثقافي وبالشخصيات والأفكار التي صنعت جانباً من المشهد الأدبي العربي والعراقي.

إنه نقد لا يريد أن يحاكم النص من برج عاجي، بل يحاول أن يعيد وضعه في مكانه الطبيعي: داخل الحياة.

ميزة مقداد مسعود الأبرز ربما تكمن في الجمع بين موقعين قلما يجتمعان بالعمق نفسه: موقع الشاعر الذي يعيش النص من الداخل، وموقع الناقد الذي يحاول النظر إليه من الخارج.

الشاعر يمنح الناقد حساسية تجاه اللغة والإيقاع والصورة والمجاز، والناقد يمنح الشاعر قدرة على رؤية النص باعتباره بنية وأسئلة وسياقات. وبين الاثنين تتشكل تجربة لا تكتفي بإنتاج النص، بل تسعى إلى مساءلته أيضاً.

ولهذا فإن قراءة مقداد مسعود لا تقودنا إلى شاعر منفصل عن الناقد، أو ناقد منفصل عن الشاعر، بل إلى كاتب واحد تتعدد أدواته، وتظل غايته الأساسية هي البحث عن المعنى.

وهذا ما يجعل تجربته جديرة بالانتباه في المشهد الثقافي العراقي؛ لأنها تجربة لا تكتفي بالكتابة عن الأدب، ولا بالكتابة الأدبية وحدها، وإنما تحاول أن تجعل من الكتابة وسيلة لفهم الإنسان والمكان والتاريخ.

قد يكون أجمل ما في سيرة مقداد مسعود أن بدايتها تكاد تكون شديدة البساطة: طفل يحدق في أغلفة الكتب داخل بيتٍ كانت الكتب فيه أكثر من الأثاث.

لكن تلك الأغلفة التي كانت مرايا طفولته تحولت، مع مرور الزمن، إلى صفحات كتبها هو. وما كان في البداية فضولاً أمام كتاب مجهول، أصبح مشروعاً أدبياً امتد عقوداً في الشعر والنقد والصحافة والثقافة.

وهنا لا يعود السؤال: ماذا كتب مقداد مسعود؟ فالقائمة طويلة، والعناوين كثيرة، والمكتبة واسعة.

السؤال الأهم هو: ماذا فعلت الكتابة بصاحبها، وماذا فعل صاحبها بالكتابة؟

والجواب ربما يكمن في أنه ظل وفياً لذلك الطفل الذي اكتشف مبكراً أن العالم أكبر من البيت، وأن الكتاب يستطيع أن يفتح نافذة على هذا العالم. ثم أمضى حياته محاولاً أن يرد الجميل للكتاب: شعراً ونقداً ومقالةً وذاكرة.

لقد خرج مقداد مسعود من بيت كانت فيه الكتب أكثر من الأثاث، لكنه لم يغادر ذلك البيت حقاً؛ فقد حمل مكتبته معه، وراح يبني من الكلمات بيتاً آخر، لا تسكنه الكتب هذه المرة، بل تسكنه البصرة والعراق والذاكرة والإنسان والأسئلة التي لا تنتهي.

وهكذا يصبح الأدب، في تجربته، ليس مجرد كتابة عن الحياة، بل محاولة لإنقاذ الحياة من النسيان.