(نصٌّ طويلٌ مِنَ الأيامِ الطويلةِ، والنفوسِ الكليلةِ...):

 

الطائراتُ المُغيرةُ تنشر غسيلَها فوق أجسادِ البيوت.

المروحياتُ العاصفاتُ القاصفاتُ تتعرَّى قطعةً .... قطعةً....

والألسنةُ الممتدةُ في آذان الناس تُغيرُ بقذائفِ الكلام..

على رؤوس الأشهاد.

القنّاصةُ فوق المنائر وفوق سطوح المدارس..

يتشحونَ بثقوبِ الرؤوس،

يدرِّسونَ كتابَ جمهورياتِ الموز والكونترا

ومآثرِ الكوكلوس كلان، ودقَّةِ تصويبِ العولمةِ..

في مجلدات (صراع الحضارات).

اسمعوا ، وعوا، "وإذا وعيتم فانتفعوا"،

فإنَ مافاتَ فاتْ، وكلُّ ما هو آتٍ آتْ

على أزيز السمتياتْ، والطائراتِ المُغيراتْ

والبيوتِ المهدوماتِ على رؤوس سكانها

لأنّهم يحاولون اقتحامَ المحظوراتْ

وفتحَ أغوار الملفاتْ

فانتفعوا، با أصحابَ البلاد، من القصف والعصف!

ولا تخافوا؛ لأنّه مِنَ البركاتْ

لبناءِ الديمقراطياتْ

وإعمار الممتلكاتْ

فكلُّ شيء تمام، حسب الخطة المرسومةِ

في دوائر المخابراتْ

وأصحابِ القراراتْ!

الوجوه المدمنة على الصرامة والجمود تتشح بوجه فرانكشتاين.

الشفاه لم تألف طعمَ أقداح الابتسامات الدبلوماسية،

واستعاضت عنها بخمرة التقطيب،

والقذائف اللغوية المنمَّقة المُصاغة بحُليِّ الرصانة.

 

العصافير ....العصافير ....

تفرُّ منْ بين الأشجار المنفجِّرة والأغصان المحترقة،

تتطاير من فزعٍ وسط سيل القذائف والصواريخ المعبّأة

بمسامير الأمن المستباح،

تبحث عن أشجار جديدة في الساحات التي امتلأت

بالمقابر الجماعيةِ،  وعربات نقل الجثث الجماعية.

 

حضرة الجنرال حامل أوسمة الدمار الشامل،

والناطق الرسمي برباط العنق والبدلة المكوية،

حليقان في ثياب الشياكة وأتيكيت الصالونات الحربية،

يُغيران على مسامع القوم بسيل عرمٍ

من رصاص التحذير والحذر،

وتزويق هطول القذائف على رؤوس البيوت،

لتحيلها ركاماً من الأطلال

"ويافؤادي لا تسلْ أين" الدوا

هو طيفٌ من خيالٍ فهوى!

 

ويلك يا حمد!

رحل الريلُ فوق سكة حديد عيون النسرِ الأصلع

المحلِّق فوق قطار الليل الموقوف عن العمل،

القطار الذي لم يعدْ يسمع دقَّ القهوة،

ولا يشمُّ ريحة الهيل،

بل دكّ الجسور  والمزارع والدواوين والعُقُل فوق الرؤوس،

ورائحة البارود ودخان القذائف المنبعثة من تراب الصريفة .

 

ويلك يا حمد! ديرْ بالكْ ..!

أن تحفظَ قصائدَ الحبوبي الغزليةَ

وأنْ تتغزلَ بعيون وفيقة أو شُبّاكها المتشظِّي..

بلا زجاج أو كتائب!

فقد تكسّرتْ بأشلاء العشق المطعون بالليزر،

وأسلحة الدمار الشامل الغازية بالريح الغربية،

أمّا الريحُ الشرقية فقد هبطت

في فضائيات القرن الحادي والعشرين

وسط الهزِّ والرزِّ و"العيون السود الكواحل التي أخذتني"

إلى شاطئ  محيط الضحك على الذقون.

 

يا حمدْ، هذا الحزن تالي العمر ياذينا

ياذينا...

والهوى لذاك الوطنْ ياخذْنا

ويودّينا.... يودّينا....

يا حمدْ هذا الحصلْ تالينا، تالينا؟!!

 

ياحمد، ويلك ...! وسواد ليلك ...!!

إياك أنْ تنظر من خلال باب الصريفة المُنَهك المتداعي

بمدافع الحروب التي لا تهجع ولا تنتهي ولا تراعي،

فلربما أتتك قذيفة عمياء،

أو رصاصة طائشة من رشاشة صديقة

أو عبوة ناسفة، أو سيارة مفخخة

على آخر صيحات تفخيخ المُعوَّقين

والأطفال والكلاب والحمير.

 

إياك أنْ تنتظرَ الريل!

فالعشاق قد رحلوا فوق أجنحة العصافير المُغتالة

والسحب الداكنة، وصرير الدبابات.

 

القطار ذاك البعيد قد تفجّر على ألسنة المراسلين

وأصحاب المدارس الاستراتيجية والبحوث الصالونية

والصحف الواسعة الأشداق

وشاشاتِ الفضائيات الرافعةِ عقائرَها بالصراخ والعويل

والبحث عن الخبر المثير

في أزقة التدمير الشامل

وسط الأرصفة المغسولة بالمياه الآسنة

وبين التراب والجدران المتهالكة

والأجساد التي ما عادت أجساداً،

ووجوه ودَّعتها ملامحُها من زمن ذلك....

.....البلد الأمين!

 

يا حمد،

خمرةُ الحزنِ في ملامحك الحنطاوية

المُشِعَّةِ في  كأسي فوق مائدة الليل

والغاباتِ المتراميةِ الأذرع

وسط رماد الضباب،

تحتسي أناملي ....