
لا زلت أتقلب بنومة القيلولة، أصحو قليلا ثم تسحبني اغفاءة أخرى دون إرادتي، أ هو حلم أم حقيقة لا أدري.
أم انها لعنة كابوس أتعبت روحي وطحنت انسانيتي ووأدت أحلامي وحجبت الشمس عني.
رأيت رجالا كأنهم ضباب الفجر الكثيف الذي يجعل الصدر ضيقا حرجا، نحن خلقنا من أديم الأرض لكني لا أمتلك معلومة أكيدة عنهم ممن خلقوا.
يؤلمني انهم تتبعوا خطواتي، مرتبكة حركاتهم تتهادى نواياهم بين روحية الصادق والكاذب.
لا أدري هل ألجأ إليهم أو أنهزم وأختبئ في بيتي الآيل للسقوط، لكني لا أفضل الهروب والتخلي عن أحلامي.
كانوا يتقنون صناعة الكلمات أكثر من صناعة الواقع، يزرعون العسل على أطراف السنتهم، ويخفون الشوك في أعماقهم، فاذا تكلموا صدقهم السامع ولكني لم أجد سوى سراب من الوعود. .
لا أفهم اسرار مكائدهم، ولم أجرب بعد خيانة الذات، لذلك هربت في طرق متعرجة وفوق حافات حادة زلقة حتى كدت ان أواجه الموت المحتوم.
إلا أنى وجدت فئة من الناس قد أحاطوا بهم، بإجلال ووقار وهم أنفسهم ممن صفقوا ورقصوا لمن سبقهم.
أحتج الشعراء في قصائدهم والكتاب في رواياتهم. ولكنهم لا يقرأون ما نكتب.
كانوا يمنحون الناس بركاتهم ووعودهم بزراعة النخيل وسوف يمنحونهم بعضا من ضفائر الشمس الفضية والناس فاغرة أفواههم دهشة واعجابا، وربما تخيلوا داخل جماجمهم قصورا وآمالا عريضة. والنخل ينتظر حتى أصابه اليأس وملّ من وعودهم الكاذبة.
1. قالت النخلة الأولى وهي تساقط سعفها بحزن :ـ اما زلت تنتظرين خطاهم.؟ لقد تناسوا ظلّنا وجف الماء في عروقنا منذ ان رحلتْ قلوبهم قبل أجسادهم.
تنهدتْ النخلة الثانية ومالت مع الريح وقالت : ـ كنت أظنهم إذا ضاقت بهم الدنيا سيعودون الينا. نحن من حفظ اسرارهم تحت القمر وغطين طفولتهم بالرطب والحنين.
قالت الأولى بمرارة :ـ انهم يمرون من بعيد كالغرباء، كأن تعبنا الطويل لم يكن، وحتى الطيور هجرتنا لأن يد العناية قد غابت.
قالت الثانية : ـ البارحة سمعت النخلات يتهامسن يقلن ان الوفاء مات في قلوبهم وان الأرض تبكي عطشا منذ خانها الفرات. فسكتتا قليلا. وكانت الريح تمشط سعفهما اليابس، كأنها تواسي نخيلا خذله أصحابه.
والرجال يغطون بنوم عميق ويحلمون احلاما وردية لان عطش النخيل لا يعنيهم بشيء.
أصابنا شعور بالتوجس منهم ولكن زاد تشبثنا بكبريائنا المعهود منذ بدء الحضارة.
جلسنا فوق أعشاب خضر ندية وأمامنا تنساب موجات الفرات المتخاذلة. واتفقنا.
ان نمنح أنفسنا بعضا من الوقت ونجد طريقة مثلى تخلصنا منهم الى الأبد.
مروا على مواسمنا كالغرباء. قطفوا تعب الأيادي وعلّقوا أثمار النخيل في اعناقهم.
ثم تركونا حفاة الأرواح. نبحث بين التراب عن ظل حلم كان لنا، لم نكن فقراء لكنهم سرقوا دفء النخيل.
وأطفأوا آخر قنديل كان ينتظر العدالة.
شلّوا حركتنا تماما. تيقنا ساعتها ان الأمور قد ساءت ولا ندري لماذا غرقنا بحالة من ذهول. الا ان أقدامنا تشابكت مع جذور النخيل وتشبثت بها.
لجأنا لهم مرغمين ( كالمستجير من الرمضاء بالنار).
لكنهم ببساطة تغافلوا وتناسوا وعودهم وتركوا الجميع في حيص بيص وهنا سادت الفوضى.
فاستطالت أذرع سعف النخيل حتى غدت كأنها قضبان حديدية فرمينا آثار الغرباء في بئر عميق. .
وبئرنا لا يشبه بئر يوسف !! لأننا بالتأكيد قطعنا طريق القوافل السيارة. .
يا ألهى كم أدهشني هذا الحلم. ولكن من هم هؤلاء الغرباء الذين رأيتهم في منامي؟
أنا لا أعرفهم.!!!







