هما عملاقان من عمالقة القصة القصيرة، القاص محمد خضير مؤسس السرد القصصي الجديد في عمله الأول (المملكة السوداء) والقاص المخزنجي في عمله القصصي الثالث (الموت يضحك) وقفتي ستكون مع خارج إبداعهما، أعني ما أزعج الأدبين بتوقيت كتابيهما.

(محمد خضير)

 القاص محمد خضير وهو خارج مدينته البصرة، يشتري نسختهُ الأولى (المملكة السوداء) من بائع صحف يفترش رواق شارع الرشيد ويسرع بالنسخةِ إلى فندق بمنطقة(المربعة) كان القاص متباهياً بغلافها الذي صمّمه ُ التشكيلي عامر العبيدي من أشكال خيوله النافرة الأعراف على خلفية خضراء وسوداء. كانت ألوان الغلاف وخطوط العنوان متقشّفة وفجّة تتناسب ومزاج الخلفية العامة للحياة بعد قرار تأميم النفط. كم كانت نسبة الفرح والبهجة للقاص وهو يتصفح كتابه ُ البكر، في غرفةِ فندق ليس فيها سواه

ها هو مؤسس (المملكة السوداء) الصادرة في صيف 1972 يحدثنا عن مشاعرهِ بعد ثلث قرن عراقي وبالتحديد في 3 مثل هذا الشهر/ حزيران/ 2007(كان ذلك أطول صيف بغدادي، وكانت الأخطاء المطبعية نذير نحسٍ سيتابع طبعات(المملكة) التي لم تُصحح حتى اليوم. كانت ليلة قراءة النسخة الكاملة من الطبعة الأولى في الفندق أسوأ ليلة في حياتي. لقد شوّهت أخطاء مطبعيّة خِلقة المولود الأوّل، وألقت بنشوتي في الحضيض.) في الصباح التالي يذهب القاص محمد خضير إلى دار الشؤون، ربما ذهب بلا إفطار فهو ذهب بحالة من التعب والكمد ليخبر دار الشؤون بالأخطاء. هنا الموقف الأجمل من القاص موسى كريدي وبشهادة الأستاذ محمد خضير (كان رده على قلقي جميلاً وكريماً، وكذلك كان استقبال مدير مطبعة الحرية، وعمّالها أجمل وأكثر كرماً عملوا جميعاً على طبع صفحة إضافية بتصحيح الأخطاء الكثيرة مرصوصة، ولم أعرف كيف دُسّت ورقة التصحيحات في الكتاب الذي جرى توزيعه في الأسواق.) المحذوف من النص، أن القاص محمد خضير في تلك الليلة.. أخرج ورقة ً بيضاء وقلما ورسمَ

في الورقة حقلين: الخطأ -------- الصواب

وهذا التخطيط سهّل الأمر فقد انتقلت ورقة محمد خضير واندست بصيغة فنية كصفحة طباعية أخيرة ضمن المطبوع

*في 2019 حقق القاص محمد خضير حلمه الأجمل: طبعة جديدة من (الملكة السوداء) وهي طبعة منقحة مرفقة بقرص مدمج للقصص بصوت المؤلف وهذه الطبعة هي الطبعة الثالثة المنقحة/ بيروت/ لبنان/ الرافدين ومنشورات تكوين/ الكويت

(القاص محمد المخزنجي)

 كتاب نقدي من تأليف الناقد عبد الرحمن أبو عوف:(دراسات في القصة القصيرة المصرية والرواية) الكتاب كان هدية ً لي من أستاذي القاص والروائي كاظم الأحمدي – طيّب الله ثراه – من خلال هذا الكتاب وأنا بالرابع الاعدادي صرتُ اقصد مكتبات البصرة ثم بغداد وبعدها كركوك والناصرية بحثا عن المجموعات القصصية التي كتبها: محمد البساطي. محمد المخزنجي. سليمان فياض. جار النبي الحلو. غالب هلسا، محمد أبو المعاطي أبو النجى، إدوارد الخراط. وبعد نيسان 2003 صار الحصول على ما لم أحصل إليه في تناول يديّ، من خلال المعارض ومواقع النت. لكنني أفضل أن يكون بين يديّ الكتاب المطبوع: القاص محمد المخزنجي صرت ُ من المولعين بمجموعاته القصصية، مثل ولعي بمؤلفات بهاء طاهر.

(*)

ما عاناه القاص محمد خضير، عاناه القاص محمد المخزنجي في مجموعته الثالثة (الموت يضحك) لم يحصل على طبعة جديدة من مجموعته إلا بعد ست وثلاثين سنة!! في 1988 تصل نسخة من(الموت يضحك) إلى الطبيب محمد المخزنجي عبر البريد من القاهرة إلى مدينة (كييف) في الاتحاد السوفيتي  وتكون الصدمة مماثلة لصدمة القاص محمد خضير، يخبرنا القاص والطبيب محمد المخزنجي: (وبدلا من أن أفرحُ فرح أي كاتب بنشر كتاب جديد له، داهمني غم على غم كنتُ أمر به. وجدت الكتاب الذي صدر في غيبتي مثقلاً بأخطاء جسيمة، لا تفسير لها إلاّ أن مادة الكتاب جمعها جمعاً عشوائياً شخص مُتسّرع. مما يشوه أي قراءة للكتاب حتى لدى القارئ الصبور، أو القارئ الخبير. كما أن تصميم الغلاف كان ركيكاً. كان لهذا أهمية خاصة عندي.) محمد المخزنجي يثمّن دور الناشر وهو الكاتب والمترجم الدكتور طاهر عبد الحكيم العائد من باريس ثم يستدرك المخزنجي قائلا (لكن الواضح أن خبرة الدكتور طاهر بعالم النشر ودقائقه ودهاليزه كانت محدودة، بدليل رداءة الطبعة الأولى من هذا الكتاب، التي أفزعتني، وأحبطتني حتى إنني لم أحاول إعادة نشر الكتاب لأكثر من ثلاثين عاماً. وعندما فكرت في إعادة نشره بعد تصحيحه منذ بضع سنوات، لم أجد لديّ ولدى أيّ من أصدقائي نسخة منه، اللهم إلا نسخة باهتة مصورة (فوتو كوبي) ومباحة على الإنترنت، لكنها تكاد لا تُقرأ.). ما العمل..؟ هذه المحنة خفت حدتها مع النت يرسل الناشر لنا نسخة نقوم بالتصحيح، يستلمها الناشر، ويرسل لنا نسخة مصححة، فإذا بأخطاء مطبعية جديدة، من نتاج التقنية، ونكتم حنقنا ونصحح!! بالنسبة للقاص الطبيب أو للطبيب القاص صار المسألة  مصيرية وله الحق في ذلك: (يحضرني بقوة غلاّبة – موقف يتعلق بهذا الكتاب، شكّل منعطفاً بمصير الكاتب الذي صرتُ إليه، ومن ثم شرعت في محاولة مضنية لتصحيح النسخة العمشاء المتاحة كصورة على الانترنت ويئستُ).. ثم يحصل على نسخة صالحة للقراءة (الموت يضحك) وهكذا بعد الجهد والعزيمة كانت الطبعة الثانية من دار الشروق – القاهرة 2025 وهي الآن بين يديّ .أما الطبعة الأولى  1988/ دار الفكر للدراسات والنشر/ القاهرة.. لله الحمد لم اطلع عليها.