صدر عن منشورات درابين في بغداد (2026) كتاب "سِحر الشاشات… متابعات في السينما والتلفزيون" للروائي والإعلامي يوسف أبو الفوز، في نحو 390 صفحة من القطع المتوسط، مدعّمًا بمواد بصرية تُسهم في توسيع أفق التلقي وتعدّد مستوياته.

ينخرط هذا العمل في أفق نقدي يتجاوز المقاربة الانطباعية إلى ما يمكن تسميته بـ"قراءة تفكيكية" للخطاب البصري، حيث تتأسس المعالجة على وعيٍ بطبيعة الصورة بوصفها بنية دلالية مركّبة، تتقاطع فيها أنظمة العلامات مع اشتراطات السياق الثقافي والتاريخي. لا يتعامل المؤلف مع الفيلم أو النص التلفزيوني كموضوعٍ جاهز للشرح، بل كنصّ مفتوح على إمكانات تأويلية متعددة، تُستدعى عبر تفكيك طبقاته السيميائية واستجلاء أنساقه المضمرة.

يتوزّع الكتاب على ثلاثة محاور: شاشات عالمية، فنلندية، وعراقية/عربية، في بنية تُفصح عن نزوعٍ مقارناتي لا يكتفي بإبراز الاختلاف، بل يسعى إلى مساءلة شروط إنتاج الصورة وتلقيها ضمن أنظمة ثقافية متباينة. ومن خلال هذا التوزيع، تتبلور فرضية ضمنية مفادها أن الصورة، على الرغم من ادعائها الكونية، تظل مشروطة ببنيات خطابية محلية، الأمر الذي يضعها في توتر دائم بين الانفتاح والخصوصية.

ويستثمر أبو الفوز خلفيته السردية ليضخّ في خطابه النقدي حساسية حكائية، تجعل من فعل القراءة إعادةَ إنتاجٍ للنص البصري لا مجرد تعليق عليه. فالنص النقدي هنا لا يكتفي بوظيفة التفسير، بل ينخرط في عملية إعادة كتابة رمزية، يُعاد فيها تشكيل المشهد عبر لغة تستبطن الإيقاع السردي وتُفعّل البعد التأملي.

ضمن هذا الأفق، يغدو "سِحر الشاشات" اشتغالًا على الصورة بوصفها جهازًا معرفيًا وثقافيًا، يُسهم في إنتاج الوعي وإعادة ترميز التجربة الإنسانية. وهو، في الآن ذاته، محاولة لمساءلة الكيفية التي تُعيد بها الشاشة تشكيل علاقتنا بالواقع، لا باعتبارها مرآة عاكسة فحسب، بل كوسيط يُعيد بناء الواقع وفق أنساقه الخاصة.

وعليه، يقدّم الكتاب مساهمة نوعية في حقل دراسات الصورة، من خلال مقاربة تجمع بين التحليل السيميائي والحساسية السردية، وتفتح المجال أمام قراءة تتجاوز السطح المرئي إلى البُنى العميقة للمعنى.

ويُذكر أن يوسف أبو الفوز، المولود في السماوة عام 1956، يمتلك تجربة حياتية وثقافية متعددة المشارب، انعكست في منجزه السردي والإعلامي، قبل أن يستقر في فنلندا منذ عام 1995، حيث واصل اشتغاله في الحقلين الثقافي والأكاديمي.

 *عن ثقافية (الصباح الجديد) عدد يوم الاحد 31 آيار 2026