منذ تهديم طفولتي المدرسية (مدرسة الجمهورية النموذجية)

التي ولدتْ قبلي بثلث قرن، وبناء مدرسة جديدة لا تشبها إلاّ بالاسم

مدرستي لم تدركها الشيخوخة، أو مصابة بمرض يعدي الطلبة والكادر التعليمي، أو أن جدرانها تبث اشعاعا يؤدي إلى مرض السرطان

(*)

منذ تهديم مدرستي

رفضت أقدامي أن تقودني إلى نفس الشارع الفرعي مدرستي تم بناء مع بدايات القرن العشرين، هي معلم تاريخي عظيم من معالم البصرة. مثل اعدادية العشار للبنين، واعدادية العشار للبنات. نعم قد تحتاج هذه المباني إلى ترميم وتصليح، ويمكن عمل ذلك أثناء العطلة الصيفية. لكن التهديم يهدم ذاكرة جمعية الكل يعتز بها.

(*)

قبل أيام مررت.. بها (الجمهورية النموذجية) ولا أقول مدرستي.  جذبتني لافتة سوداء: تنعى الهيئة الإدارية مربية الأجيال: ذكرى صالح معتوق المعيدي. لم يثبت النعي يوم رحيلها!!

لم أر المربية الفاضلة الفقيدة طيّب الله ثراها، أعني ما رأيتها أبداً، وها أنا الآن قرأتُ خبر موتها. لكن الاسم استوقفني. خاطبتُ روحي: هي شقيقة زميلي وصديقي الحميم في متوسطة المتنبي (رعد صالح معتوق المعيدي) صديقي وزميلي الذي كنتُ مسؤولهُ في تنظيم اتحاد الطلبة وكان سخيا في التبرعات لحزبنا وهو من العوائل الثرية في البصرة، قصرهم المنيف في محلة (بريهه) أسوة بغيره من قصور (بريهه) الثرية الجميلة الأنيقة النظيفة الشوارع الهادئة دوما، قصر صالح معتوق المعيدي، أصبح الآن عيادات أطباء، والشارع الهادئ الجميل صار صاخباً وسخيفاً وصديقي الحميم العزيز، رعد صالح غادر العراق مع الهجمة الشرسة في 1979 على حزبنا الشيوعي، هناك من يقول رعد يعيش في لندن.. رعد هو الصديق الذي قادني إلى المكتبة المركزية حين كانت في محلة الساعي، وهو الذي علمني كيف تكون الاستعارة الداخلية، في المكتبة والاستعارة الخارجية، وهو الذي دفع دينارا عراقيا في 1971 لأستعير كتاب هنري لوفير عن ماركس والماركسية، ولم يكن رعد يحب مطالعة الكتب، وكان رعد ضمن فريق السلة. اللافتةُ جعلتني في تلك السنوات الذهبية، حين أضغط ُعلى جرس القصر المنيف، أسمع أقدام رعد القادم من الممر، وهو يطبب بكرة السلة ليسجل هدفا كما يفعل دائما، ينفتح الباب، الكرة في راحته اليسرى والبسمة تضيء وجهه الطيب.. كالعادة يدعوني للدخول وأدعوه للتنزه في شارع العباسية الهادئ الأنيق، يلتفت يدحرج الكرة في حديقة البيت، فتقودنا أقدامنا نحو سينما الحمراء الشتوي

لرؤية فيلم (سادول) الذي يتناول: تصفية المناضل اليساري المغربي (المهدي بن بركة)