/
/
/
/

جعل من صديقه الراحل محمد شهاب المصري بطلا للعديد من قصائده

إيطاليا لاتريد نسيان الأسماء الثقافية التي نسجت التاريخ الوجداني في حياة الايطاليين والعالم، فهي الان تمارس ومن خلال وزارة الكنوز الثقافية لعبة الكمال والخلود في استعراض مهيب للاثار الادبية والفكرية من خلال مناسبات تتعلق بذكرى ولادة ورحيل كبار شعرائها وفنانينها ، مستخدمة منصاتها الثقافية وقنواتها التلفزيونية الثقافية المختصة ومحطات الراديو التابعة للدولة, فهي ترى بان ما تقوم به، يشكل مهمة لاغنى عنها في عملية نقل وتناقل الثقافة، وأنه بدون هذه السمات الابداعية لأي منتج ثقافي لا يمكن ضمان استمرار الثقافة الراقية.

بمناسبة مرور 50 عام على رحيل الشاعر جوزيبى أونغاريتي الذي ولد في مدينة الاسكندرية بمصر والتي عاش بها حتى الرابعة والعشرين من عمره. تحتفل ايطاليا رسميا بذكرى مرور 50 عام على رحيل واحد من اعظم شعرائها المجددين. ولد جوزيبي أونغاريتي عام 1888 في مدينة الإسكندرية لأبوين إيطاليين  من اصول فلاحية، حيث نزح أهله من مدينة لوكا، وهي مدينة صغيرة بمقاطعة توسكانا بوسط ايطاليا، وكانت مدينة الاسكندرية ساعتها من محطات الهجرة المهمة التي شاركت  العديد من المدن الاميركية ،هجرة الملايين من الايطاليين. وانضم أبوه لاعمال الحفر ونقل الاتربة في عمليات الحفر بقناة السويس البحرية وكان عاملا بسيطا، وفي العام نفسه تتدهور صحة الاب كثيرا ويداهمه مرض لايستطيع الشفاء منه، ليتوفي عام 1890، اما الام فقد تكفلت بعيش العائلة، فكانت تملك مخبزا في حي محرم بيك . وفي اخر لقاء تلفزيوني اجرته القناة الرسمية( راي) للدولة، قال أونغاريتي" لقد تشبعت باجواء الثقافات العربية والفرنسية واليونانية التي كانت تعيش متزامنة ومتآخية في مدينة الإسكندرية الكوزموبولتية". ومع انه كان يجيد العربية، الا انه كان مولعا بالآداب الفرنسية تحديدًا التي اتاحتة المدرسة السويسرية التي درس فيها ،من خلال متابعاته المستمرة للدوريات الفرنسية، فتعرف على الكتابات والاسماء الفاعلة في حقل الانتاج الادبي والشعري الفرنسي بالتحديد، ليتعرف على نتاجات شعراء كبار مثل بودلير وملارميه التي تركت افكاره اثرا حاسما على اختيارات أونغاريتي الشعرية فيما بعد، ثم يتعرف على افكار وطروحات العديد من الفلاسفة الالمان وعلى رأسهم فردريك نيتشه، ويكتب اثناء الدراسة اول محاولاته الشعرية المبكرة. وفي هذه الاثناء يلتقي في المدرسة السويسرية بصديق الطفولة والصبا" محمد شهاب" وهو شاعر ومثقف مصري ، ليرتبطا بعلاقة صداقة حميمية، حيث انضما معا عام 1908الى مجموعة من المثقفين، الذين تحلقوا حول الكاتب الايطالي " انريكو بيّا" الذي هاجر الى مصر من اجل ايجاد فرص للعمل ، فاستقر في الاسكندرية هو الآخر، واستأجر بيتا وملحقا كورشة عمل، مبنية من الصفيح والخشب يعمل فيها بقطع الاخشاب والاحجار، وحوّل البيت الملحق بالورشة الى " ثكنة " للقاءات المثقفين والشعراء، وكانوا يلتقون بشكل دوري في بيته كملتقى للحوار وتبادل الافكارالجديدة.

وفي عام 1912 غادر الشاب جوزيبي الإسكندرية، ليلتحق بصديق طفولته وصباه محمد إبراهيم شهاب بقصد الدراسة في جامعة السوربون لدراسة القانون تلبية لطلب والدته، واثناء سفره الى مرسيليا، ترسو الباخرة في احد الموانىء الايطالية في الجنوب، ليتعرف للمرة الاولى في حياته على ايطاليا . وسرعان ما تحول بعد التحاقه بكلية القانون بجامعة السوربون الى دراسة الفلسفة، ليتابع محاضرات بروغسن وبيديه، وعدد من اصحاب العقول النيرة من أساتذة السوربون. ويبدأ بتحقيق لقاءات بمجاميع المثقفين والفنانين الايطاليين، ويتعرف بشكل مباشر على بيكاسو ومودلياني وبراك وبوتشينو ودي كيريكو وفرناند ليجيه وبراك، ويرتبط بصداقات عميقة مع الشاعر أبولينير .وفي ليال الصيف يعود اونغاريتي الى غرفته بالفندق ليجد صديقه الحميم محمد شهاب قد شنق نفسه بالغرفة المشتركة. فقد وقع نهبا لاكتئاب حاد، غارق في عزلته، وهاجر دروس الحقوق في السوربون، ويكتفي بكسب لقمة العيش بوصفه محاسبا، لينتهى بإقدامه على الانتحار في التاسع من سبتمبر/أيلول عام 1913.وقد تركت هذه الحادثة المؤلمة صدمة كبيرة على حياة وشعر أونغاريتي ، وأنعكست على العديد من قصائدة التي يرثي فيها صديقه الراحل محمد شهاب الذي لم يتمكن من التأقلم مع واقع وتبعات الإقامة في العاصمة.

آه.. أرغب في أن أنطفأ مثل
قنديل في تباشير الصباح الأولى
عند السابعة صباحا
رافقته صحبة ربة الفندق
من حيث كنّا نقيم في باريس
في 5 شارع لي كارم
درب باهت ذو انحدار

بعد عودته الى ايطاليا ،  يشارك بقوة حملة الاحتجاجات ضد السلطات الملكية الايطالية، كخطيب ومحّرض في الحملة الشعبية الواسعة لمشاركة ايطاليا للتدخل الايطالي في الحرب ، فيعتقل لفترة قصيرة، ويبدأ مرحلة التفرغ لكتابة الشعر من مدينة ميلانو التي استقر فيها .شارك أونغاريتي في الحرب العالمية الأولى بوصفه جنديا. وسوف يتذكر سنة 1916 في غمرة الأهوال صديقه الراحل محمد شهاب، ويكتب بتأثير ذلك عدد من قصائد الرثاء ، حظيت باستقبال جيد، وترجمت إلى لغات عالمية عدة، ووصفت الباحثة الفرنسية إيزابيل فيولانتي، التي أعدت أطروحة جامعية عن جوزيبي أونغاريتي، رابطة الصداقة بين اونغاريتي ومحمد شهاب "سوف تتحول بقوة الشعر إلى أسطورة. وعلى الرغم من المظهر التراجيدي لهذه الحكاية لقصائد رثاء، التي ذهب البعض إلى اعتبارها تمثيلا للقاء الشرق والغرب".

أفلح أونغاريتي في المقابل في الاستفادة من منفاه وشرع في الكتابة في البداية باللغة الفرنسية، قبل أن يختار الكتابة باللغة الإيطالية. وسيجعل من صديقه الراحل ظلا أو ضعفا له وبطلا للعديد من قصائده، وابرزها قصيدة «كالومي» التي اشتمل عليها الديوان المخصص لتجربة الحرب:
ما الذي جاء به إلى باريس/ وهو مفتقر إلى العائلة والحب والأصدقاء والأمل؟ /منح شهاب لنفسه هوية فرنسية واسما فرنسيا/ اختار لنفسه اسم مارسيل/ وقد ألفى نفسه مبعدا ومنفياً ومقصى/ لكنه لم يكن فرنسيا /ولم يعد في مقدوره العيش تحت خيمة أسلافه/ وهو يصغي إلى الأغاني الشعبية والقرآن ويتلذذ بطعم القهوة.

وفي قصيدة اخرى عن صديقه:
يرقد في مقبرة إيفري
وهي ضاحية تبدو
أنها كفت عن الحياة
في اليوم
الذي انتهى فيه الاحتفال
ووحدي من يعرف
إنه كان حيا يرزق
ما بين باريس وميلانو وروما، وفي عام 1934 تصدر أول ترجمة لاشعاره باللغة التشيكية، وفي عام 1935 يبدأ بكتابة المقاطع الاولى من قصيدته الطويلة " الأرض الموعودة" وفي العام الذي أعقبه تصدر له دار نشر في روما مجلد يضم ترجمات لقصائد مختارة من اعمال شعراء فرنسيين وأمركيين وأنكليز، وفي العام نفسه تدعوه الحكومة الأرجنتينية للمشاركة بمؤتمر نادي القلم وتعرض عليه جامعة ساوباولو البرازيلية ، ان يترأس قسم الدراسات اللغوية الايطالية، ويصد ديوان شعري عام 1942 "الاحساس بالزمن"، ويعود الى روما ليدّرس بجامعتها كاستاذ لقسم الأدب الايطالي المعاصر، ويصدر ترجمته لاشعار شكسبير، وفي عام 1947 يتم فصله من اتحاد الكتاب الايطاليين بدعوى دعمه ومساندته للفاشية، وفي عام 1948 يصدر مجلدا بترجماته الشعرية، ويلحقه في عام 1949 بكتاب يضم أعماله النثرية تحت عنوان" الفقير في المدينة" وفي العام نفسه ينال جائزة روما للشعر، وفي عام 1952 يصدر ديوانه " صرخة ومشاهد طبيعية" مصحوب باعمال فنية أنجزها الفنان الايطالي جورجو موراندي، وفي عام 1956 ينال جائزة الشعر" نوكــلوزوت" وفي عام 1958 ينال احتفالا رسميا فخما بمناسبة بلوغه السبعين، وتصدر مجلة الشعر عددا خاصا تكريما له. في عام 1962 ينتخب باجماع الاصوات رئيسا لاتحاد كتاب ايطاليا، وفي عام 1968 تقيم له الدولة الايطالية احتفالا كبيرا بمناسبة بلوغه الثمانين من عمره، بعدها وعلى نحو مفاجىء يموت الشاعر في مدينة ميلانو.

 لعل النقطة السوداء في سيرة أونغاريتي تتمثل في ميوله السياسية المحافظة، التي أسفرت عن التحاقه بحزب بينيتو موسوليني، وتوقيعه على عريضة 1925 الخاصة بالمثقفين الإيطاليين الفاشست. وقد ترتب عن ذلك طرده من جامعة روما، التي كان يعمل بها أستاذا للأدب الإيطالي.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل