/
/
/
/

في (جبل الزنابق ) تقودنا سمر يزبك في سرديات الأحلام، إلى جهوية تفارق (أحلام فترة النقاهة ) للروائي  نجيب محفوظ،فأجتهادات السارد، تجعلني كقارىء أرى الحلم لدى سمر يزبك وعاءً سورياليا بقصدية سردية واعية، خلافا لأحلام نجيب محفوظ المكثفة جدا والتي جاءت كما حلمها نجيب محفوظ، أو هكذا تراها قراءتي، وتشخيصي هذا لا يقصد التمايز بل التفارق بين التوظيفين لمادة الحلم. من جهة ثانية، تثابر  سمر يزبك في تأثيل بصمتها السردية في روايتيها(لها مرايا) و(تقاطع النيران) : قراءتي تتكلم من خلال ما تيسر الوصول إليه من مؤلفات القاصة والروائية والسينمائية والباحثة  سمر يزبك .

(*)

وجيز حياة حنان الهاشمي يتوزع بين ثلاث روائح : رائحة الدراسين بلهجتنا العراقية ، والتي يطلّق عليها سوانا: القرفة. وهناك رائحة المرأة المثلية : نازك، والرائحة الثالثة هي رائحة الخادمة : عليا. والروائح الثلاث :ذات شحنات جنسية . خارج الجسد : السيدة حنان الهاشمي : ميتة في حياتها.

(*)

الصفحة المطبوعة في (رائحة القرفة) كأنها شاشة فيلم بشطرين ، ومن السرد المشطور ينهض تعديد الإنشطارات السردية، التي تنضدها قراءتي المنتجة كالتالي :

  • التمايز الطبقي : فقر مدقع / ثراء فاحش : فقر حي الرمل وثراء حي المهاجرين
  • الحاضر: المتنقل بين ماضيين : ماضي عليا / ماضي حنان الهاشمي

نوعية الإنشطار السردي

(1) إنشطار رئيس

(2) إنشطار أساس

ينشطر السرد الرئيس إلى شطرين

*حاضر (عليا) الأرستقراطي في حيز معين وماضيها بفقره المدقع

*عليا بين ماضيين :

*ماضيها مع عائلتها

*ماضيها مع حنان الهاشمي

وهذا الانشطار/ المونتاج بنقلاته السردية،يمتلك كل وسائل الإقناع

وهناك الإنشطار  السردي الرئيس

*إنشطارات حياة حنان الهاشمي

*انشطارات حياة عليا

(*)

تتوزع رواية (رائحة القرفة) ضمن العلاماتيات التالية

علامة رئيسة : هي القرفة

علاملات فرعية : الضوء المائل / المرايا

(1)

السيدة الأرستقراطية بالوراثة حنان الهاشمي : لم تسهم ذاتيا في تأثيل  مكوناتها الشخصية:(كل ما يحيط بها مرتّب لدرجة مقيتة،وجاهز للتحرك ضمن خط مستقيم لا يحيد عنه/ 69) و حنان الهاشمي : قبل ولادتها امتلكت موضعها  الطبقي في سرد منضود، ليس من قبل أمها التي  ( لم تعلّمها فنون الأنثى،تلقي أوامرها وتنتظر الطاعة/ 155) وفي هذا السياق فأن حنان (لم تعتد مناقشة الأم أو الأعتراض عليها ) والأم بدورها محض سرد متوارث طبقيا،ضمن طبقتها الاجتماعية المخملية الثراء، وهذه الأم تجبر إبنتها على تلبية دعوات العائلات الأخرى، إذن أمها محض أداة لصالح منتجة أنتاج حنان طبقيا، وحين كبرت هذه الحنان تنرجست ليس في مياهها، بل صيرت مراياها من لحم ودم، فقد (اعتادت أن تجعل من عيون الآخرين مرآتها) وصيرت غرفتها الرحم الثاني التي تهبها الإكتفاء الذاتي..(كانت مكتفية بعالمها الصغير الذي لا يتجاوز جدران غرفتها/157) مع طردها لخادمتها عليا ستعود حنان الهاشمي ميتة في حياتها (تجد نفسها في غرفتها وحيدة تماما كما حدث منذ سنوات طويلة، بعد قرار العائلة أن تتزوج من ابن عمها، حظها التعيس في الزواج من رجل عاقر/ 46- 47) حنان الهاشمي بتعددية المرايا تتلبسها وجوها كثيرة(وجوها مخيفة إلى درجة أنّها تجعل عليا ترتجف وتراها في أحلامها تتحول إلى وحش. في السرير يصبح وجهها مختلفا،كأن جنّية تسكنها،تصير طفلة وترتخي أطرافها،وأحيانا تلبس وجها ثالثا عندما تحضر ضيفاتها،تصير بلا لون، تتحول قسمات وجهها إلى خطوط منكسرة، فلا تضحك../85)

(*)

قسوة حياة عليا لاحد لشراستها :فقر مدقع، ومنطق فحولة عاطلة عن الخبز والضمير،الأب المتوحش كما سمته حنان الهاشمي/ ص43 أما السارد العليم فينوب عن الطفلة المباعة بحفنة من المال ويخبرنا(لقد فضّلت في تلك اللحظات،أي شيء  على البقاء قرب هذا الرجل الذي يظهر كل فترة في البيت، ويأخذ ثمن طعامها وطعام أخوتها،والذي قتل أختها وسيقتلها يوما ما بالتأكيد)، وأم عليا (تقوم بالخدمة في البيوت،منذ أنّ تزوجته../53)..من هذا المثنوي الأشد شراسة جاءت عليا للوجود،شراسة الواقع، تتصدى لها شراسة الذات، ضمن قانون الفعل وضديده ، عالم عليا، يتأثل من خوف وتأهب وذل العيش والعمل في نبش النفايات، وبيع العبوات الفارغة وغير ذلك مما يعثر عليه في الحاويات والشوارع.عليا وعائلتها جزء من (حي الرمل الذي يشكّل جزءا من سوار يلتف كأفعى تطوّق المدينة/56) حي الرمل ينتسب إلى أحياء بائسة من رحم فوضى انبجست بدورها من مخالب متنفذين ومرتشين ومهربين وقبل كل شيء ضباط كبار اقتطعوا الضواحي القريبة من باب الإستقواء بقبضاياتهم عند الحاجة. اللافت للنظر أن السارد العليم يسهب بشعريته وهو يبث (مذلون مهانون) دستويفسكي، بطبعة  عربية المنشأ منقحة / مجرحة ومزيدة بسعة عشر صفحات وثمة وخزة سردية تستحق التوقف عندها، كل هذا الذل الطبقي، لم يسع أحد الأثرياء،إلاّ ببناء جامع !! فأصبح الجامع(أكثر غرابة ويبدو بفخامته غريبا وسط القتامة المفزعة للبيوت/60)

(*)

مفهوم الألم يختلف تعريفه طبقيا، بالنسبة لأم حنان الهاشمي، تعتبره قدر المرأة (النساء خلقن لتحمل الألم/ 159) هكذا تفهم الطبقة الارستقراطية دور المرأة !! وهذا كلام أم حنان الهاشمي إلى ابنتها ليلة زفافها!! ثم تمنحها وصفة للتعامل مع الألم (وأفضل ما يمكنهن فعله،هو تحمّله، ومقاومته، بصلابة واتزان، ورجاحة عقل / 160)..لو خاطبت أم حنان الهاشمي عائلة عليا بهذا الخطاب، ترى هل ينتج الخطاب ولو 5% 100 من التوصيل؟! وماذا سيكون رد عليا وأسرتها؟!

(*)

الإنسان يطرد من الفراديس بلا مساءلة عن زلته، فالمكين المخطِىء يتحول دنسا في المكان، إذن شرط الإقامة: تطويق المكين بمشروطيات متعالية، كل فردوس لا يعتبر فردوسا، إلاّ بمشروطية الطرد. بتوقيت انكسار الكعب العالي، انتهى الفردوس زمانا ومكانا وأملا بالعودة، وما بين القوسين شحنات متراكبة على بعضها محملة بدلالات وتأويلات ثرة (سرح عقل عليا في مكان آخر، حيث تنتمي، تخلع عنها أقنعتها،وتعود إلى حضن أمها كما خلقتها،وتطمئن نفسها أنّها لن تدع حياتها تمضي كما عاشت من قبل) بعد هذا المهاد السردي، يحدث القطع بين ما جرى وما سوف يكون بترميز شفيف (انكسر كعب حذائها لحظة خبطت فيها الأرض، وهي تؤكد أنها ستكون بخير، فوقعت، ونظرت نحو الوراء. لا تعرف لماذا شعرت بوخزحاد ّ في صدرها، بينما تتخيّل أن العالم السابق قد مُحي،وكأنه لم يكن../163)

(*)

حنان الهاشمي،أسبغت على عليا ما تزيدها آيروسية  بيتية فقط :مكياجات جلبتها لها سيدتها من بيروت وأثواب شيفون مطرزة تملأ خزانتها، وهنا ستكتشف عليا( أنّها لا تملك سوى بنطلون من الجينز الأزرق، وقميص أبيض اللون/ 30) وفي ص164 الأكتشاف الثاني لعليا، بعد أنكسارها فردة من كعبها العالي (تذكرت شيئا: هي لم تملك حذاء! كان الحذاء الذي تنتعله من أحذية حنان، تحاول تذكّر الأحذية التي ارتدتها وهي في بيت حنان،فتضحك، وتكتشف ثانية أنّها لم تمتلك أيّ حذاء للخروج. كل ما ملكته كان أحذية ً خاصة للبيت وللخدمة) أن حنان الهاشمي تصنّع عليا حسب شهوانيتها السرانية لذا (لم يخطر في بال حنان التي أغرقتها بالهدايا وعلّمتها تدخين السيجار، أن تشتري حذاء لها /164) بعد هذا الكلام يفسد السارد العليم كل شيء بنبرة التي تنتسب لفجر الرواية العربية الإيقاضية ويصرخ فينا بنبرة لافتة عريضة طويلة (كانت سجينة وخادمة نزواتها، ولا تريدها أن تغادر الفيلا أبدا/ 164)؟!!

(*)

زمن الرواية محض ساعة أو أكثر بقليل،بتوقيت الفجر،أقصر من زمن جيمس جويس في روايته (عوليس) وأطول من لحظات (بنجر مارتن) وهو يغرق في البحر، في رواية تحمل اسم الجندي البحري: عنوانا للروائي وليم جودلنج . لكن هذا الزمن في (رائحة القرفة) للروائية سمر يزبك : يتمدد ويتذرذر،وفي النهاية يتكور في نقطة البدء، محتويا في داخلة روزنامة الرواية التي تتوسل وسائل شتى منها :آليات الإحالة التكرارية منها، الوحدة السردية الصغرى التي يخبرنا بها السارد العليم (إنّه خط الضوء المائل !) وما بين القوسين هو السطر الأول في الرواية، ثم يفكك السارد العليم  هذا السطر، فنعرف أن الضوء هو الطرف الأول فقط، وهناك طرف ُ ثالث هو المرآة لكن بين الأول والثالث هو الأكثر أهمية حتى من الرابع، أعني حركية الباب :(الباب كان مواربا)  ولولا مواربة الباب لما انبعث الضوء، والمرآة هي موضع تبئير الضوء الذي سنحاول تنضيد تدرجاته اللونية  الواردة في الرواية :

*الضوء المائل

*الضوء الباهر

*النور المتوهج

*يلمع الضوء في عينيها

*مثل خط الضوء المائل /12

*إنّه خط الضوء المائل !

الضوء الذي سيجعل لياليها تغرق في العتمة/ السطر الثاني يتموضع ما بعد النص الروائي

:(ولولا الضوء المنبعث كخط مائل نحو مرآة الممر،لما أنتبهت حنان الهاشمي إلى الهسيس/7)

والضوء المائل هو الذي اضطر عليا أن ( تمرق كسحلية من تحت أقدام حنان الهاشمي.) وعليا :

(لم تدرك أنّ خط الضوء المائل الذي نسيته في غفلة سيحول مملكتها إلى خراب / 15) وكذلك الأمر بالنسبة للسيدة حنان الهاشمي (لم يكن سوى خط الضوء الذي تحول إلى إشارات طريق قادت حنان إلى الهاوية /19) والخط نفسه ( تحوّل في الكابوس إلى سوط نار يجلدها حتى يهترىء لحمها وتنفر عظامها/19) وبمؤثرية الضوء (تخاف حنان وتلف ّ رأسها بملاءتها ثانية ً، كما فعلت عليا عندما هربت من خط الضوء المائل / 25) وللخط الضوئي تراسله المرآوي (إنه خط الضوء النازل من المرآة إلى أرضية الحجرة / 39) والبقاء في العلاقة الآثمة بين عليا وحنان هو (إن ما بقي الآن هو كابوس الضوء المائل /46) وهذا الضوء المائل حقيقة واخزة للثلاثة : حنان وزوجها وعليا (وتأكدت حنان أنّ خط الضوء المائل لم يكن حلمّا / 46) وهنا علينا كقراء أن نتمعن قليلا لنقول بعدها من خلال هذه الإحالات التكرارية أن الميلان ليس بالضوء بل بخط الضوء، والميلان إيماءة شفيفة لانريد إفسادها بمنازل التأويل تاركين ذلك لفطنة القارىء .

(2)

الأنتقالة السردية من الآنية إلى ما قبلها : من بداية الرواية حتى منتصف ص14 السرد يرصد الحدث الأهم في لحظة وقوعه، ثم في النصف الثاني من ص14 يستعيد اللحظة التي قبل الحدث (قبل أن ترتدي ثوب نومها )

(*)

ثمة سرد مخبوء في طيتة ٍ، مشار إليه فقط، والساردة هي عليا، في مسطورها السري(الدفتر المخملي،ذي الحواف الذهبية /29)

(*)

سرد الصورة/ 30 ويقوم السرد بتحريك الساكن في ورق الفوتو بمؤثرية التذكر لما حدث،حين كانت عليا في طفولتها، ثم العودة للحظة ما بعد الطرد من قصر حنان الهاشمي/ 37 وسرد الصورة، يحيلنا إلى تدوير وتوجيز سرد عركة عليا مع الصبيان، كما يحيلنا إلى ما بعد العركة وكيف عاقبها والدها الشرس/ 52، والسارد العليم يوّقت ذلك وعليا مطرودة فجرا من بيت حنان الهاشمي(المشي باتجاه البيت،أعاد إليها إحساس ذلك اليوم،يوم الصورة التي استقرت في حقيبتها.كان ينتظرها في البيت، بعد مشاجرتها مع الصبيان../51)

(*)

في ص92 للأسف يتخلى السارد عن تشطير السرد، رغم الفرصة جاهزة حيث الأماسي والدعوات  فيبيوت التجار(ينفصل فيها مجلس الرجال عن مجلس النساء..) ومايجري في (الحرملك) النسوي، يحيل قراءتي الشخصية، إلى قصة قصيرة عراقية (جيف معطرة) منشورة في 1949/ مجلة الأديب اللبناني لرائد الحداثة في القصة القصيرة العراقية عبد الملك نوري – طيّب الله ثراه –وأعني بذلك ان المجتمع المخملي العاطل عن المساهمات في الحراك المجتمعي، يكون منصة إنطلاق لمثل العلاقات الجنسية المثلية  

(*)

من الأسئلة الجوهرية في رواية (رائحة القرفة) : إذا كان الفقراء يسقطّهم الجوع أخلاقيا، ماالذي يسقّط النساء المترفات ؟ قد يبدو هذا السؤال ساذجا، لكن التمعن فيه يدفعنا إلى تفكيك الاساس الاخلاقي لذلك الثراء الفاحش.. ولا يعني أن هذا التفكيك بالجواب السحري، بل فضيلته تتجسد بتوسيع نوع قراءة النصوص الروائية ضمن حقل أخرى .

*سمر يزبك/ رائحة القرفة/ دار الآداب / بيروت ط3/ 2015

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل