/
/
/
/

في إشارة لافتة ثبتتها الروائية الشابة زينب كاظم على غلاف روايتها "اللقطاء" وأرادت بذلك ان تؤكد على قصدية تغييب المكان "لم أبد أية إشارة الى تاريخ, أو مكان محدد, طوال رحلة سرد القصة, رغبة مني بتعميم لا بد منه, تعميم لعله يوقظ لدينا الايمان المكبوت بوحدة و مشابهة المعاناة والمأساة: ببراءة الضحية, غموض التهمة ولا منطقية الذرائع المتخذة مبرراً للحرب".
تتحدث الرواية عن عائلة تسكن قريباً من الحدود الملتهبة بحرب خاسرة وما نتج عن موت الابن حفز حالة الغضب التي انتابت الأب والذي لم يتورع عن شتم النظام وتعريض نفسه وعائلته الى خطر داهم مما جعله يقرر مغادرة البيت الى الدولة المجاورة لعله يجد الاطمئنان والسكينة والدعة هناك ولاسيما بعد ان اصبح البيت مكاناً معادياً وطارداً وقد يتشابه هذا الهاجس مع مصائر أبطال الروائي الفلسطيني صبحي فحماوي حيث يقول في لقاء له صدر في مجلة "الموقف الادبي" السورية رداً على سؤال عن أسباب عدم تسميته المكان في روايته "حرمتان ومحرم": "لا يهمني تحديد المكان بقدر ما يهمني ان اللون الأسود صار ينتشر بغزارة على ربوع رمال الوطن العربي" واذا كان المكان في الرواية يعد من العناصر المهمة والفاعلة لا لشيء إلا لكونه الخلفية التي تقع فيها احداث الرواية وتتحرك عليها الشخصيات فهي بذلك تصبح مركزاً للعلاقات المتفاعلة مع العناصر الأخرى ويرى كلود ليفي شتراوس "ان بناء الكون يتمثل في مجموعة من الثنائيات التي تبدو متعارضه, ولكنها متكاملة في الوقت نفسة, اذ لا يمكن ان يتم هذا التكامل إلا من خلال التعارض, والحياة مبنية على أساس هذا التكامل المتعارض"، وقد لا نختلف اذا ما تحدثنا عن الأماكن التي تناولتها الروائية وأشارت بفطنه وذكاء الى المهيمنات التي تصدرتها الأمكنة عبر اختيارها الاماكن المغلقة والمتحركة والمفتوحة ..... فبعد مغادرة الاسرة مكان البيت الأول, بيت الطمأنينة الذي تحول الى مكان معادٍ انتقلت الاسرة بعد رحلة مضنية للسكن في مخيم مفتوح يفتقر الى ابسط الشروط الإنسانية ويمكن تقسيم الأماكن الى:
أماكن مغلقة..
أماكن مفتوحة
البيت
الفندق
المطعم
المدرسة
المخفر الساحات
الشوارع
الحارات
المخيمات
ولعل الأماكن التي تحركت عليها عائلة "اللقطاء" هي المخيم ثم غرفة بائسة لم تصمد امام الظروف الجوية القاهرة وبعد ذلك تنتقل العائلة الى مكان آخر.. غرفة بائسة أخرى تمارس عدائيتها ضد القاطنين الجدد الذين عانوا من استلاب مرير في دولة معادية أصلاً واذا كان الجانب النفسي للشخصيات يساهم في تفعيل ألفة المكان وتأزمه فان الساكنين كانوا يعانون من هول التهجير وتداعياته .. يرى غا ستون باشلار بأن المكان "حيز تنشئة النفس بعيداً عن المبادئ الهندسية, فالمكان بناء نفسي, قبل ان يكون بناءً هندسياً, فالبيت يشكل وفقاً للمعنى النفسي, فهو بيت أو عش أو متاهة أو ساحة معركة.
ولا علاقة للحقيقة الموضوعية في صياغة المكان, فالصحراء بالنسبة للبدوي هي البيت الآمن, والمكان الغريب يظل مكاناً عدائياً, مهما توافرت فيه ظروف الأمن, ومهما كانت تزينه ضروب الجمال فالمعالم المكانية هي معالم نفسية, نحن الذين نقيمها, فنجعل لها حدودها المادية, ومن مقلع انفسنا نجلب الحجارة التي نقيم بها هذا الشكل أو ذاك"..
ويبدو المخيم في رواية اللقطاء مكاناً متأزماً من خلال الحصار الذي فرض عليه وهذه اشاره دامغه الى استمرار القتال بينهم وبين الجهة المقابلة ولا عجب ان تولي الروائية زينب كاظم أهمية خاصة للمكان الى الدرجة التي يصبح فيها عنصراً مهماً وفاعلاً في تحريك سياق العمل السردي بوتائره المتصاعدة ناشدة في مسعاها هذا الى "إيضاح هذا الاشتراك والوحدة في المأساة بين ابناء الجنس البشري, دونما رغبة في الإساءة أو الحكم على بناء ارض دون أخرى, سعيت جاهدة بدافع الواجب واحساس عميق بالمسؤولية كإحدى خلايا هذا الكيان البشري الى تسليط الضوء على الجانب الآخر لأولئك الذين وقعوا في دائرة الحرب المفرغة دون رغبة او إرادة منهم" والإدانة هنا توجه الى الحرب بكل افرازاتها وأهوالها وانعكاس ذلك على مقدرات الناس ومصائرهم وحاولت الروائية ان تكشف في الوقت ذاته عن الآثار السلبية التي خلفتها الحرب على الجانب الثاني من خلال قصف البيوتات وتدميرها وقتل الناس المسالمين فضلاً عن انشاء مدرسة في كيان بيت مهدم يذكر دائماً بالحرب وتأثيراته النفسية على شخصيات الرواية.
واذا كان المكان يمارس هيمنته الطاغية في مجريات الحدث فان الحرب بكل بشاعتها هي مصدر الخراب والانهيار والتداعي الذي يظهر واضحاً على تطور ونمو الانكسار والإحباط عند شخصيات زينب كاظم التي تذكر في احدى الصفحات من روايتها "فالحرب ولادة دائماً, ولادة مستمرة لمثل هذا القحط العابث في الافئدة!".
ولا ينتهي دور الحرب في تحكيم البشر وتدمير المكان ولكن أيضاً ما تتركه من تداعيات مذهلة على حيوات الناس حيث تذكر الروائية في صفحة أخرى "هكذا كان ديدن الحروب أبداً لطالما كانت آثارها اللاحقة اكثر وجعاً وأثراً على الانفس المعايشة لها, ذات الأنفس المهللة لإيقادها, لطالما تسللت بخفة لتتخذ لها مكاناً في الجوف العميق لتلك الأرواح موهنه إياها, خاسفة اندفاعها وحيويتها للخلف" ولم تستغرب شخصيات الرواية النظرة الدونية التي جوبهوا بها أو لنقل الاستعلائية "لذا لم يستغربوا النظرات التي رمُقوا بها كأغراب, كمتسولين, كممسوخين غير معروفي الأصل, كخطر اجتاح تلك البلاد" هل انتصرت زينب كاظم في نهاية الرواية لانكسارات وهزائم ابطالها الذي عادوا الى وطن لم يعد يتسع لهم عبر خطاب حرس الحدود الذين لم يحفلوا بعودتهم ام انها رفعت صوت الإدانة والاحتجاج ضد كل حرب تحصل في المنطقة وتترك تداعياتها وافرازاتها على حيوات الناس ووجودهم؟

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل