تمهيد
عُرف الباحث الفرنسي المتخصص في الاقتصاد السياسي الدولي والعولمة، بنيامين بورباومر، باهتمامه الكبير بالعلاقة بين الرأسمالية والدولة والتجارة الدولية والإمبريالية. فقد ناقش في كتابه الأول (نظريات معاصرة للإمبريالية) تطور هذا المفهوم من الحروب العالمية إلى الصراعات المعاصرة، بما فيها الحرب على العراق، وعلاقة الصراعات الدولية بتطور النظام الرأسمالي، مفسرًا الإمبريالية لا باعتبارها مجرد سياسة خارجية لدولة بعينها، بل من خلال تحليلها كعلاقة مرتبطة بتطور الرأسمالية والقوة الاقتصادية والسياسية للدول.
وفي كتابه الثاني (الصين/الولايات المتحدة: الرأسمالية ضد العولمة)، نظر بعمق إلى الصراع بين الولايات المتحدة والصين من خلال ربطه ببنية الرأسمالية العالمية وتطور مراكز القوة الاقتصادية. فهو يرى أن صعود الصين ونجاحها في إنشاء بنية اقتصادية وتكنولوجية ومالية أكثر تمركزًا حولها، قد أدّيا إلى تغيير عميق في بنية العولمة التي كانت الولايات المتحدة تتمتع فيها بموقع مهيمن.
وفي مقابلاته الأخيرة مع ثلاث صحف يسارية هي Inprecor وSolidarité وViento Sur، تحدث بورباومر إلى خوان تورتوسا، الكاتب السياسي السويسري الإسباني (المعروف بنشاطه المتميز في حركات اليسار البيئي الاشتراكي والحركات المناهضة للرأسمالية والعولمة)، حول الأسباب التي تدفع الرأسمالية إلى استخدام الضغط السياسي أو الاقتصادي أو العسكري لإجبار دولة أخرى على الخضوع لمصالح القوى الكبرى، وكيف اندمجت أوروبا الغربية بصورة متزايدة مع الرأسمالية الأمريكية في ظل العولمة، وما إذا كانت الصين قادرة على إزاحة الولايات المتحدة المتراجعة وإقامة عولمة جديدة تتمحور حولها.
كيف تعرَّف الإمبريالية؟
رغم إعجاب بورباومر بالتعريف اللينيني للإمبريالية باعتبارها أعلى مراحل الرأسمالية، فقد وجد صعوبة في إسقاطه على المرحلة المعاصرة، لما شهده نمط الإنتاج من تحولات تمثلت في تطور سلاسل القيمة العالمية، وتشكّل سوق دولية تحت هيمنة الولايات المتحدة، وظهور شريحة من البرجوازية الموالية لواشنطن في أوروبا الغربية، ونهاية الإمبراطوريات الاستعمارية المعروفة.
ولهذا اعتبر تعريف روزا لوكسمبورغ للإمبريالية على أنها "التعبير السياسي عن عملية تراكم رأس المال، التي تتجلى من خلال التنافس بين الرأسماليات القومية"، أكثر أهمية اليوم؛ لأنه تعريف موجز ومجرّد بما يكفي ليظل وثيق الصلة بالواقع، وقادر على أن يكشف لنا الدينامية الأساسية للإمبريالية، والمتمثلة في لجوء رأسمالية بلد ما إلى توليد توترات بصورة منتظمة، وإسقاط التناقضات التي تعجز عن معالجتها داخل حدودها عنوةً على الساحة العالمية.
وفي الوقت الذي يدعي فيه البعض عجز الحركات الاجتماعية عن إعاقة نشوب الصراعات الدولية، يساعد فهم هذه الآلية على الاهتمام بالعلاقات الاجتماعية والمتغيرات في موازين القوى، والوصول إلى تشخيص سليم لتناقضات الرأسمالية في البلد المعتدي، وبالتالي تبصير الحركة العمالية والمجتمع المدني بقدرتهما على التأثير في التطورات.
هل توجد تصورات مختلفة للإمبريالية؟
ويرى بورباومر أن هذه التصورات بقيت لعقود مقتصرة على ما ذكره كاوتسكي من أن رأسماليي كل قوة كبرى يستطيعون تجاوز خلافاتهم وصراعاتهم من أجل تشكيل تحالف عالمي كبير بين البرجوازيات، يكون قادرًا على استغلال العمال بصورة أكثر فاعلية، والتصور الذي تبناه لينين وروزا لوكسمبورغ وبوخارين، الذين وجهوا نقدًا حادًا لمفهوم كاوتسكي حول الإمبريالية، مؤكدين على أن رأسماليي كل بلد يتشابهون في ما بينهم في السعي وراء الربح، وأن هذا التشابه تحديدًا هو ما يدفعهم إلى معارضة نظرائهم على الجانب الآخر من الحدود.
غير أن الربع الأخير من القرن العشرين شهد ظهور نهج جديد يمكن وصفه بأنه فوق-إمبريالي، كما في كتابات نيكوس بولانتزاس، الذي شدد على خصوصية الدولة الأمريكية، التي خرجت من الحربين العالميتين بوصفها قوة عظمى لا منافس لها، تتميز بأدائها الاقتصادي وقوتها العسكرية وقدرتها على إعادة إنتاج نفسها وتعزيز ثروتها داخل تشكيلات اجتماعية رأسمالية أخرى، ولا سيما في أوروبا الغربية، بعد أن نجحت في إضعاف برجوازياتها الوطنية ثم تفكيكها ودمجها تدريجيًا في الرأسمالية الأمريكية.
وتوصل بولانتزاس إلى أن ذلك ساعد كثيرًا في تراجع احتمالات نشوب مواجهة عنيفة بين الولايات المتحدة وبلدان أوروبا الغربية، دون أن يعني ذلك اختفاء الحروب الإمبريالية، التي باتت تُخاض أساسًا على أطراف النظام الرأسمالي العالمي. ورغم ما حظي به هذا التصور من شعبية، لا سيما بعد غزو العراق، فإن مصداقية فكرة فرادة الإمبريالية الأمريكية ما زالت تتأثر سلبًا بالتوترات بين الولايات المتحدة وقوى أخرى مثل فرنسا وألمانيا وروسيا والصين.
وينبه بورباومر إلى عدم تجاهل الفرق بين نظرية لوكسمبورغ عن الإمبريالية ونظرية التبعية، رغم أن النظريتين تكملان بعضهما بعضًا، وتتداخل أو تتعاقب الظواهر التي تدرسانها. فالأولى تركز على الكيفية التي تؤدي بها آليات عمل الرأسمالية إلى لجوء القوى الكبرى إلى الإكراه والضغط على البلدان الأخرى، بينما تسلط الثانية الضوء على أن المستعمرات السابقة، رغم استقلالها الشكلي، تظل متخلفة، تحديدًا بسبب اندماجها في النظام الرأسمالي العالمي. وبعبارة أخرى، ترينا الأولى كيف ترسم الإمبريالية مسار الصراع بين القوى الكبرى، بينما ترينا الثانية الآليات الاقتصادية التي تؤدي إلى تخلف البلدان الواقعة في الأطراف، وبالتالي إلى استمرار أوجه عدم المساواة بين البلدان.
ما خصائص الإمبريالية اليوم؟
يُظهر تصور بولانتزاس (مقاربة فوق-الإمبريالية) أن تشكّل العولمة يجري تحت إشراف الولايات المتحدة. وأن الاستثمار الأجنبي المباشر للشركات الأمريكية في أوروبا الغربية أدّى، إلى حد كبير، إلى تفكيك البرجوازيات الوطنية، وشجّع على ظهور برجوازية داخلية موالية لأمريكا. وهي حجة تساعد في تفسير سبب خضوع البلدان الأوروبية لسياسات واشنطن، حتى عندما يفرض ترامب معاهدة تجارية شديدة الاختلال، تضعف بصورة مباشرة أنظمة تراكم رأس المال الموجهة نحو الخارج في عدد من البلدان الأوروبية. ويساعد تصور بولانتزاس أيضًا في تفسير سبب وقوف البلدان الأوروبية بقوة إلى جانب الولايات المتحدة في منافستها مع الصين.
ويرى بورباومر أن تطور الصين كمنافس قوي للولايات المتحدة داخل العولمة جاء نتيجة لعدم تمكن برجوازية داخلية موالية لأمريكا من الظهور هناك، بسبب خضوع رأس المال الأجنبي لرقابة صارمة، ولأن الروابط بين الرأسماليين الصينيين والحزب الشيوعي الصيني لا تزال قوية. ويشير إلى أن الصين تمكنت من مواجهة التناقضات الناجمة عن الطبيعة غير المتكافئة والمركبة للتطور الرأسمالي، من خلال إضفاء طابع خارجي عليها، عبر التصدير الهائل للسلع ورأس المال، ما وضعها في مواجهة مع الولايات المتحدة حول البنى التحتية المادية والرقمية والنقدية والتقنية والعسكرية للسوق العالمية. وبالتالي، يعيش البلدان تناقضًا تناحريًا للسيطرة على الرأسمال العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، وتريد بكين أن تحل محلها.
وعن تعريف الإمبريالية الفرعية، يؤكد بورباومر أن الإمبريالية، باعتبارها ممارسة تهدف إلى إضفاء طابع خارجي على تناقضات رأسمالية بلد معين، تعني أن كل بلد رأسمالي هو بلد إمبريالي، لكن إمبرياليته ساكنة، فيما تمتلك حفنة قليلة فقط من البلدان بالفعل الوسائل التي تمكنها من جعل بلدان أخرى تدفع ثمن التوترات الناجمة عن رأسماليتها.
ويعترف الرجل بصعوبة التفريق بين مفهوم الإمبريالية الساكنة (الفرعية) والنشطة، فالفرعية هنا تتمثل في تبني شريحة من برجوازية بلد متخلف استراتيجية توضع اقتصاد ذلك البلد في خدمة الاحتكارات الأجنبية الكبرى، من خلال مساعدتها على بيع إنتاجها في السوق العالمية. وتكمن الصعوبة في انتماء هذا المفهوم إلى نظرية التبعية أكثر من انتمائه إلى نظرية الإمبريالية.








