في سياق حملة اضطهاد عالمية ضد اليسار، وفي 16 تموز 2026، نظمت وزارة الخارجية الامريكية "قمة عالمية ضد التطرف اليساري". شارك فيها 66 بلدا، مثل 17 منها فقط وزراء الخارجية، فيما مثل البقية دبلوماسيون من المستوى المتوسط، وأطلق على القمة رسميا "الاجتماع الوزاري حول عودة الإرهاب السياسي"، فيما عرف المؤتمر في وسائل الاعلام بـ "قمة مكافحة المناهضين للفاشية". والهدف المعلن للمؤتمر هو مواجهة ما يسمى بـ "عودة الارهاب اليساري العابر للحدود".

وتركز هذه المساهمة في ادناه على تأشير العناصر الفاشية في خطاب ستيفن ميلر، نائب رئيس أركان البيت الأبيض لشؤون السياسة ومستشار الأمن الداخلي ومساعد ترامب، الذي ألقاه في المؤتمر.

خطاب فاشي

على الرغم من أن وزير الخارجية روبيو بذل جهداً كبيراً في المناقشات الأيديولوجية خلال القمة، إلا أن ستيفن ميلر تمكن من التفوق عليه بوصفه اليسار بـانه "سرطان مميت للحضارة" وتحذير الجمهور من كون "أكبر خطر نواجهه هو أن مؤسساتنا أصبحت ضعيفة وجبانة للغاية بحيث لا تستطيع الدفاع عن نفسها ضد تهديد مميت".

وأضاف:" تجاهلت الحكومة السابقة الخطر الذي تشكله المنظمات اليسارية المتطرفة. وهذه هي الظروف التي تسمح لهذا النوع من العنف بالانتشار كالسرطان، وفي نهاية المطاف، بتدمير المجتمع. إذا استمر هذا الخطر دون رادع، فإن النظام السياسي، ونظام العدالة، والنظام القانوني، والمحاكمات أمام هيئة المحلفين، لن يكون أي منها فعالاً بعد الآن. وقد أظهرت الهجمات على إدارة الهجرة والجمارك وجود انتفاضة منهجية ممولة ومسلحة ضد الحكومة الفيدرالية".

وشرح ميلر المذكرة الرئاسية رقم 7 للأمن القومي، التي وقّعها دونالد ترامب في ايلول 2025. تُحدد هذه الوثيقة استراتيجية شاملة لتحديد وتفكيك شبكات (المناهضين للفاشية) الإرهابية وحلفائها. وتُوجّه السلطات الفيدرالية لمكافحة تمويل العنف السياسي المنظم، وتُحثّ على "وقف هؤلاء الإرهابيين السياسيين العاملين في بلادنا، وتحديد هويتهم، وقطع التمويل عنهم، ومنعهم من الوصول إلى الخدمات المصرفية، واعتقالهم، ومحاكمتهم".

وشدد على ان: "الإرهاب اليساري ينتهي دائماً بإراقة الدماء والبؤس والمعاناة" وأنه إذا تُرك دون رادع، فإنه "يتحول دائماً إلى معسكر اعتقال".

ومن هنا، لم يكن من الصعب على ميلر أن يدعو إلى الدفاع الفردي عن النفس: "حضارتكم هي وطنكم؛ عليكم الدفاع عنها بنفس الشغف والقوة التي ستدافعون بها لو اقتحم دخيل منزل عائلتكم". ووصف المناهضين للفاشية بـ "المشوهين"، وحذر من أن "مظهرهم الخارجي يصبح تعبيراً عن كراهيتهم الدفينة". 

عناصر فاشية

في تحليل له لخطاب ستيفن ميلر، توصل عالم الاجتماع الألماني أندرياس كيمبر(1963) إلى الخلاصة التالية:

لا يكشف خطاب ستيفن ميلر عن كلمات إشكالية منفردة فقط، بل هو تفاعل بين عدة أجزاء متداخلة تُشكّل صورة كاملة. ويمكن العثور في هذا الخطاب القصير على الصور والمقاطع التالية، التي حددها باحثو الفاشية على أنها نموذجية للأيديولوجية الفاشية:

سردية نهاية العالم

الحضارة الغربية بأكملها مهددة. هذا التهديد الوجودي المزعوم يبرر إعلان حالة الطوارئ وما يرتبط بها من حقوق خاصة. ترسخ تقديس العمل الفوري بدلاً من التفكير والتأمل.

سردية المؤامرة العالمية

تدور هذه السردية حول أسطورة مؤامرة عالمية لحركة المناهضين للفاشية. يردد ميلر، بصفته نائب رئيس أركان دونالد ترامب، مزاعم ترامب بأن التهديد الذي يشكله "الإرهاب اليساري" / مناهضة الفاشية أخطر من الحرب العالمية الثانية. وقد وجد العديد من وكالات الأمن الأوروبية أن هذا الادعاء غير موثوق. كما أكد "يوروبول" ، في تقريره للعام الفائت ،عدم وقوع أي ضحايا جراء هجمات "متطرفون يساريون".

ينسجم مع أيديولوجية التآمر هذه التبادل المستمر بين مصطلحات "الإرهابيون اليساريين" و"أنصارهم" المناهضون للفاشية" أو ببساطة "اليسار". يتم رسم صورة غامضة دون أي تحديد واضح لهياكل عالمية.

استعارة السرطان

تعد استعارة السرطان، التي استخدمها ستيفن ميلر ثلاث مرات لوصف خصمه السياسي، أكثر الصور التي تمت دراستها في الخطاب الفاشي. وقد نُشرت بالفعل أطروحة في ألمانيا حول استعارة السرطان في الدعاية النازية.

ومن المفهوم أن استعارة مفردة السرطان تُعدّ من المحرمات في ألمانيا نظرًا لماضيها النازي، وآمل أن يكون المسؤول الألماني من وزارة الداخلية الاتحادية (المشارك في المؤتمر) قد شعر بالاشمئزاز على الأقل. لكن الكاتبة الأمريكية سوزان سونتاغ تناولت أيضًا استعارة السرطان التي استخدمها أدولف هتلر وكذلك استخدمت في الدعاية النازية باستفاضة في مقالتها الشهيرة "المرض كاستعارة".

تتناسب استعارة السرطان تمامًا مع الخطاب الفاشي لأنها تُضفي طابعًا بيولوجيًا على الظواهر الاجتماعية (المجتمع كـ"تجسيد قومي") ؛ وتُتيح الاستعارة التفريق  بين الأصحاء ("نحن") والمرضى ("الآخرون")؛ وتُجرّد الناس من إنسانيتهم، مُصوّرةً إياهم كخلايا سرطانية قاتلة. ويتم الحفاظ على سيناريو التهديد المستمر من خلال انتشار الأورام الخبيثة. يُواجَه التغلغل الزاحف، وبالتالي غير المرئي في البداية، للشرائح "السليمة" من السكان والمؤسسات بجهاز مراقبة؛ وتُستخدم إجراءات صارمة لاستئصال/إزالة جميع "الخلايا السرطانية" لإضفاء الشرعية على ذلك.

كما يُسهِم تشبيه السرطان في تصوير الخصوم السياسيين على أنهم قبيحون ومشوّهون، لا كأفراد مستقلين في التفكير والشعور، بل كناشرين للمرض الذي يجسدونه بأنفسهم مدفوعين بدافع غير عقلاني.

استعارات الانحطاط

من مكونات الأيديولوجية الفاشية، ولا سيما النازية، وسم الآخر بالعدوّ من خلال السمات الجسدية. يُصوَّر الآخر العدواني على أنه "مشوه" جسديًا وعقليًا، ومنحط، ومتدهور، وغير سليم، وغير جميل، وغير طبيعي.

وفق ستيفن ميلر، فإن هذا القبح المُتصوَّر هو مظهر من مظاهر الكراهية تجاه "الطبيعي". ومن الناحية الهيكلية، يُذكِّر هذا بالصور النمطية المعادية للسامية، التي وصفها المؤرخ الأمريكي الألماني من أصول يهودية جورج ل. موسه (1918 – 1999)، بالتفصيل وبشكل نقدي في كتابه "صورة الإنسان". ويمكن الاستشهاد بكتاب ألفريد روزنبرغ، أحد مفكري النازية الألمانية (1893 – 1946)، "أسطورة القرن العشرين" ووصفه لمن يعتقد انهم "دون البشر"، كمثال على العقلية التي ترى أن كراهية الأصحاء والطبيعيين تشوه الناس جسديًا.

وبما أن الكراهية والحسد تجاه "التفوق الأخلاقي" وقيم الحقوق الأساسية هي سبب التشوه، فإنه وفقًا لميلر سيكون "كذبة" إذا استند هؤلاء الكارهون إلى الحقوق الأساسية.

نزع الشرعية عن الحقوق الأساسية والقضاء

يُعدّ نزع الشرعية عن الحقوق الأساسية والنظام القضائي جزءًا من الدعاية الفاشية. يطالب ستيفن ميلر باتخاذ إجراءات فورية، ويُشيد بالصرامة، ويجادل بأنه لا ينبغي للمرء أن يكون "أضعف" من خصومه المُتأججين بالكراهية. ويُحذّر من الانخداع بدعوتهم للحقوق الأساسية، واصفًا إياها بـ „الكذب". وينزع الشرعية عن النظام القضائي، ولا سيما نظام هيئة المحلفين في الولايات المتحدة الأمريكية، مستخدمًا استعارة السرطان صراحةً. ويزعم أن السرطان قد أصاب بالفعل العديد من المحلفين، الذين سيرفضون الآن إصدار الأحكام رغم وضوح الجرائم المزعومة.

الأسطورة بدلًا من المنطق

يُعدّ رفض النقاش العقلاني سمةً بارزةً أخرى للأيديولوجية الفاشية. إذ يُستبدل التنوير بالتقديس". تقوم الفاشية على الأساطير، وتستند إلى "الغريزة".

إن استبدال الفكر الاجتماعي النقدي بـ „غريزة" "طبيعية" و"سليمة" يترافق مع مساواة المجتمع بمنزل العائلة، حيث يُهدد دخيلٌ عدواني الأسرة والأطفال. وعنده النزعة العائلية / حماية الأطفال. يرسم ميلر صورةً لنتيجة تاريخية متكررة للكراهية اليسارية الجامحة، حيث تُسحب العائلات من منازلها وتُعدم. ويتعزز هذا الخطاب القائم على الغريزة بحجج دينية وانجيلية.

فاشية عالمية

قال كريغ مخيبر، الرئيس السابق لمكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان:

 يبدو أن مؤتمر إدارة ترامب السيء حول ما يُسمى "الإرهاب السياسي اليساري" (أي التعبير عن آراء مناهضة للفاشية أو الإبادة الجماعية) محاولةٌ لوضع أسس لنوعٍ من "فاشية عالمية". وهو بالتأكيد لا يتعلق بـ „الإرهاب"، ذلك المصطلح الفضفاض الذي تستخدمه الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرها لتجريم حتى المعارضة السلمية.

إن النبرة الفاشية لتصريحات مُضيفي المؤتمر اليمينيين المتطرفين، روبيو وميلر، إلى جانب قائمة المدعوين التي ضمت السلطة الإسرائيلية، ومعظم دول العالم الأبيض (44 دولة أوروبية وغربية)، ودول يمينية من أمريكا اللاتينية وآسيا، وعدد قليل من الدول الأخرى التي أُجبرت على الحضور للحفاظ على علاقاتها التجارية رشيوالأمنية مع الولايات المتحدة، وغياب أي دولة أفريقية (حتى تلك التي دُعيت قاطعت هذا الكرنفال المُثير للجدل)، كل ذلك يُعدّ دليلاً كافيا".

ـــــــــــــــــــــ

مقتطفات من تقرير نشر في 31 تموز 2026، في  موقع "شيوعيون" الألماني حول المؤتمر