ونحن نأخذ على محمل الجد التعريف النيوليبرالي للخاسر، بوسعنا القول إنه يمكن طرد أيّ أحد من النظام في أي وقت – بسبب المرض، السن، الحمل، ما يقرر أنه فشل، أو بسبب ظروف اقتصادية وما يقتضيه تحويل الثروة من تحت لفوق بلا هوادة. إن قيمة حامل الأسهم هي كل شيء. مؤخرا كتبت «الإنترناشيونال هيرالد تريبيون» أن المستثمرين الأجانب «يستحوذون» على الشركات والمصارف التايلاندية والكورية. لا عجب في أن يؤدي ذلك الاستحواذ إلى صرف للموظفين على نطاق واسع.

بكلمات أخرى، إن نتاج سنوات من كدح آلاف التايلانديين والكوريين يتحول إلى أيدي كبريات الشركات الأجنبية. والعديد منهم الذين كدحوا لإنتاج تلك الثروة هم الآن في قارعة الطرقات أو سوف يكون هذا مصيرهم عما قريب. فبناء على قوانين المنافسة وتعظيم قيمة مالكي الأسهم، لن يرى مثل هذا السلوك على أنه ظالم على نحو إجرامي وإنما طبيعي.

أزعم أن النيوليبرالية قد غيّرت طبيعة السياسة من أساسها. كانت السياسة تتعلق بالدرجة الأولى بالسؤال حول من يحكم من ومن ينال أي حصة من الكعكة. بالطبع لا تزال جوانب من هذا وذاك موجودة لكن بات سؤال السياسة المركزي الكبير الجديد هو «من يحق له الحياة ومن لا يحق له الحياة». إن الإقصاء الجذري هو شعار المرحلة الآن، وإني أعني ذلك بجدية كاملة.

لعلي قدمت لكم الكثير من الأخبار السيئة لأن تاريخ السنوات العشرين الأخيرة مليء بها. لكني لا أريد أن أنهي كلامي على هذه النبرة المحبطة والتشاؤمية. يجري الكثير لمواجهة تلك التيارات التي تهدد الحياة وثمة أفق بعيد للمزيد من الأفعال.

ساعد مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية على تحديد الكثير من تلك الأفعال التي أعتقد أنها يجب أن تتضمن الهجوم الأيديولوجي. لقد آن الأوان لنقرر نحن جدول الأعمال بدلاً من أن نترك الأمر لـ«سادة الكون» في دافوس. وإني آمل أن يتفهم المانحون أنهم لا ينبغي أن يمولوا مشاريع عادلة وإنما عليهم أن يمولوا أفكارا أيضا. لا يمكننا الاعتماد على النيوليبراليين لأن يتولوا هذا الأمر، لذا علينا أن نصوغ أنظمة ضريبية دولية عملية وعادلة.

اسمحوا لي أن أكرر ما قلته سابقا: ليست النيوليبرالية عنصرا من عناصر الطبيعة البشرية. ولا هي قوة فوق طبيعية. يمكن تحدّيها واستبدالها لأن فشلها يقتضي ذلك. علينا أن نكون مستعدين لسياسات بديلة تعيد السلطة للجماعات وللدول الديموقراطية فيما نحن نعمل لبناء الديموقراطية، وحكم القانون والتوزيع العادل على الصعيد الدولي. للأعمال وللسوق مكانهما، لكن لا يمكن لهذا المكان أن يحتل كل نطاق الوجود الإنساني.

المزيد من الأخبار الجيدة أنه يوجد الكثير من المال حولنا وأن جزءا صغيرا منه، بل نسبة لا تكاد تذكر، يكفي لتوفير الحياة اللائقة لكل إنسان على هذه الأرض، وتوفير الصحة والتعليم الشاملين وتنظيف البيئة ومنع المزيد من تدمير الكوكب وردم الهوة بين الشمال والجنوب، أقلّه بناء على ما تقترحه «وكالة الأمم المتحدة للتنمية»، التي تقدر أن الأمر يحتاج إلى ٤٠ مليار دولار. وبصراحة، هذا مبلغ زهيد جدا.

أخيرا، أرجو أن تتذكروا أن النيوليبرالية قد تكون شرهة لا تشبع ولكنها ليست كاملة المناعة. إن تحالفا دوليا للناشطين أجبر النيوليبراليين بالأمس فقط على أن يتخلوا، ولو مؤقتا، عن مشروعهم لتحرير كل الاستثمارات عن طريق «الاتفاق متعدد الأطراف حول الاستثمار» MAI، وإن الانتصار المفاجيء لخصومها أغاظ دعاة حكم الشركات وأكد أن شبكة محكمة التنظيم من الغواريين قادرة على كسب المعارك. والآن علينا أن نعيد تجميع قوانا وأن نحافظ عليها لكي نمنعهم من أن يحولوا «الاتفاق المتعدد الأطراف حول الاستثمار»  MAI إلى «منظمة التجارة الدولية».

لننظر إلى الأمور من هذا المنظار: الأرقام إلى جانبنا، لأن عدد الخاسرين في لعبة النيوليبرالية يفوق بكثير عدد الرابحين. وإننا نملك الأفكار، فيما أفكارهم بات مشكوكا بأمرها بسبب تكرار الأزمات. ما ينقصنا، إلى الآن، هو التنظيم والوحدة التي تمكننا من الانتصار في عصر التكنولوجيا المتقدمة هذا.

الواضح أن التهديد عابر للقوميات، الأمر الذي يعني أن الجواب يجب أن يكون هو أيضا عابرا للقوميات. لم يعد التضامن يعني المساعدة، أو أنه لم يعد يقتصر على المساعدة، بات يتطلب اكتشاف طاقات مخبأة في نضالات واحدنا والآخر بحيث تستطيع قوتنا العددية وقوة أفكارنا أن تنتصر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* عالمة اجتماع وسياسة ومناضلة أميركية.

“بدايات” (فصلية ثقافية فكرية) – العدد 30 – 2021

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل