كان ذلك في بداية السبعينيات، حين كانت مناطقنا تعيش على وقع اضطراب سياسي لا يهدأ. الهواء نفسه كان مشبعًا بالقلق، وكأن القرية كلها تستمع إلى همسٍ خفيّ عن تحالفات تتشكل، وخطوط تتقاطع، ومصائر تُعاد كتابتها. حزب البعث الذي جاء إلى الحكم عام 1968 كان يمدّ ظلاله الثقيلة على البلاد، فيما كانت علاقة حزبنا الشيوعي مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني تتآكل ببطء، مثل جدار قديم تتساقط أحجاره واحدةً بعد أخرى.

في تلك الأيام، كانت منظمات الحزب تعيش بين مطرقتين، مداهمات قوى الأمن والشرطة والجيش التابعة للحكومة المركزية، ومفارز البيشمه‌رگه التي تجوب المنطقة بلا انقطاع. كلاهما يبحث عن الشيوعيين، لأسباب مختلفة، لكن السبب الأوضح هذه المرة كان مفاوضات "الجبهة الوطنية والقومية التقدمية". كان كل شيء يحدث بسرعة، وبصمت، وبحذر يشبه حذر الطير حين يحوم فوق فخّ لا يراه لكنه يشمّ رائحته.

لا أتذكر التاريخ بدقة، لكنني أتذكر ذلك النهار جيدًا، مفرزة من البيشمه‌رگه دخلت القرية، فاختفى أعضاء المنظمة كما لو أن الأرض ابتلعتهم. بدأت حركة سرية بين البيوت، خطوات خفيفة، طرقات قصيرة على الأبواب، همسات تتنقل من منزل إلى آخر. كان منزلنا واحدًا من تلك البيوت التي تتحول فجأة إلى مركز عبور للرسائل، للتوجيهات، للتحذيرات، وللقلق أيضًا.

كانت النساء هنّ العمود الفقري لهذا الجهد، يسرن بخفة لا تثير الشبهات، يحملن الأخبار كما يحملن الماء. وكان الشباب مثلنا نتحرك بين الأزقة الترابية، نعرف أين نضع أقدامنا، ونعرف كيف نخفي خوفنا. اعتدنا على هذه المهام لسنوات طويلة. حماية الرفاق، إخفاء أوراقهم، وإبعاد أي شيء قد يتحول إلى دليل ضدهم.

وحين تأكد أن الجميع في مأمن، تذكّر الرفاق أن أحد أعضاء المنظمة، العم مرادى فاتي، كان قد سافر إلى الموصل وسيعود بعد الظهر. هنا بدأ القلق من جديد. وجود المفرزة في القرية يعني أن عودته قد تكون خطرًا عليه، وربما على غيره أيضا.

السيارات في القرية كانت قليلة، تُعدّ على أصابع اليد. تقف فجراً في ميدان القرية قرب القباب الثلاث. قبة حكي فيرس، قبة سلطان أيزي، وقبة ملك فخر الدين. هناك ينتظر المسافرون إلى الموصل، أصحاب الدكاكين، والباحثون عن حاجياتهم. وفي ذلك اليوم، كانت سيارة العم مشكو زيدو هي التي أقلّت العم مراد.

تقرر أن يذهب أحدنا إلى نقطة بعيدة خارج القرية، ينتظر السيارة، يوقفها قبل وصولها، ويطلب من العم مراد الترجل والانتظار حتى مغادرة المفرزة. أبديت استعدادي فورًا. كان الصيف في ذروته، والشمس كأنها نار معلّقة فوق رؤوسنا، والأفاعي تكثر على الطرق الترابية، لكنني لم أفكر إلا في المهمة.

وصلت إلى النقطة المحددة، وجلست تحت الشمس الحارقة، أراقب الطريق الذي يمتدّ أمامي مثل شريط من الغبار. طال الانتظار، وبدأ القلق ينهش صدري. ماذا لو سلكت السيارة طريقا آخر؟ ماذا لو عاد العم مراد مباشرة إلى القرية؟ ماذا لو وقع بين أيدي المفرزة؟

وفجأة، رأيت الغبار يرتفع من بعيد. علامة لا تخطئها العين. اقتربت السيارة، وتأكدت أنها سيارة العم مشكو زيدو. وقفت في وسط الطريق، ألوّح بيدي، أصرخ، أطلب التوقف. لكن السيارة لم تبطئ سرعتها. ربما لم يسمعني، وربما تجاهل الأمر، وربما كان الطريق والغبار والحرّ قد ابتلع صوتي.

ركضت خلف السيارة، أصرخ بكل ما في صدري، "العم مراد… انزل! لا تذهب إلى القرية"! لكن صوتي كان يضيع في الهواء، والسيارة تبتعد، وأنا أتوقف منهكًا، أشعر بأن المهمة انهارت بين يديّ، وأنني خذلت الرفاق، وخذلت نفسي.

عدت إلى القرية بخطوات متثاقلة. كنت أرتدي نعالًا بلاستيكيًا، وقد التصق التراب به وبساقيّ، وتحول لونها إلى لون التراب، وكان العرق يتصبب من جسدي كله، وصلت إلى البيت متعبا ومنهارا بسبب فشلي في إيقاف السيارة، وجدت الوجوه هادئة، كأن شيئًا لم يحدث. سألت بقلق، "وماذا حدث؟ فقالوا ببساطة ، لم يحدث شيء… عندما وصلت سيارة العم مراد كانت المفرزة قد غادرت القرية.

وقفت هناك، أتنفس بعمق، وأشعر بأن الحمل الذي كان فوق صدري قد تبخر. انتهى ذلك اليوم بلا اعتقالات، بلا خسائر، لكنه ترك فينا ذلك الشعور الدائم بالحذر، ذلك التوتر الذي عاش معنا حتى نهاية نظام صدام حسين… ولم ينتهِ تمامًا حتى اليوم في بعض تفاصيله الأخرى.