
طريق الشعب/ كوبنهاكن
كعادتهم كل عام، يحتفل (أصدقاء كامل شياع) في كوبنهاكن، بذكرى رحيله، في اليوم الذي غاب فيه عن بغداد برصاص الغدر، تاركاً وراءه مشروعاً تنويرياً وتحديثياً لم يكن قد اكتمل.
هذه المرة كان اللقاء عند صخرة كيركغارد في Gilbjerg Hoved قرب غيلليلي. وللمكان خصوصية أخرى بالنسبة إلى كامل شياع؛ فكركغارد لم يكن بالنسبة إليه مجرد اسم لفيلسوف دنماركي، بل أحد الفلاسفة الذين اهتم بفكرهم وقرأ أعمالهم. والأكثر دلالة أن كامل كان يرغب في رؤية هذه الصخرة يوماً، لكنه لم يتمكن من ذلك.
لذلك بدا اللقاء عند الصخرة، في ذكرى كامل، وكأنه يحقق، بعد رحيله، رغبة صغيرة كانت له. المكان الذي ارتبط بفيلسوف كان جزءاً من اهتمامه الفكري، أصبح هذه المرة مكاناً يستعيد فيه أصدقاؤه صوته وكتاباته وذاكرته.
قيلت كلمات عن كامل، وقُرئت مقاطع من عدة رسائل نادرة كان كامل قد كتبها إلى أصدقائه في أماكن وظروف مختلفة، فعاد من خلالها صوته حاضراً، بما حملته تلك الرسائل من صدق وحرارة وإنسانية. كما قُرئ النص الذي كتبه عن عودته إلى العراق بعد التغيير.
في ذلك النص، لا يتحدث كامل عن عودته بوصفها عودة إلى مكان فحسب، وإنما بوصفها تجربة أراد أن يعيشها بكل ما فيها من قسوة والتباس. يقول إنه عاد لكي ينهي (شعوري بالسأم من الاكتفاء بعدّ سنوات الهجرة)، وأن يرى الواقع (كما هو عارياً من أغلفته وبريقه)، وأن يعيش لغة المقيم في الوادي لا المتطلع من أعلى التل.
وكان يعرف أن عودته ليست آمنة، لكنه كتب بوضوح:(القضية بالنسبة لي تعني الحياة وليس الموت)، ثم يضيف أن هذه الحياة (ينبغي ألا تكون بالضرورة آمنة شرط أن تشبع الرغبة في الوجود والفعل والانغمار).
وعندما نستعيد كامل شياع، يصعب أن نفصل المثقف عن الإنسان، والإنسان عن الشهيد. لكن ربما يكون أفضل وفاء له ألا نكتفي باستعادة صورته أو تكرار ما قيل عنه، بل أن نعود إلى ما كتب، ونسأل، ماذا كان يقول لنا؟ وما الذي بقي من أسئلته حياً؟
كان كامل مثقفاً متعدد الاهتمامات، كتب في الفلسفة والفكر والأدب والفن والشأن العراقي، وكانت هذه المجالات تلتقي عند اهتمامه بالإنسان، وبالحرية والثقافة والعقل النقدي. لذلك لم تكن الثقافة عنده مجرد معرفة يختزنها المثقف، بل وسيلة لفهم الواقع ومساءلته.
ولعل هذا ما يجعل العودة إلى كتاباته اليوم أكثر أهمية من مجرد الاحتفاء بذكراه. أن نقرأه، لا قراءة تقديس، وإنما قراءة نقدية، نختبر أفكاره في ضوء ما تغير، ونرى ما بقي منها حياً، وما يمكن أن نختلف معه فيه.
فكثير من الأسئلة التي شغلته ما زالت حاضرة، الحرية، والعنف، والحداثة، ودور المثقف، وعلاقة الثقافة بالمجتمع. وربما يبقى من بينها سؤال يؤلم أكثر من غيره: ماذا حدث للثقافة التي كان كامل شياع أحد وجوهها؟ وهل تراكم المشروع الذي كان جزءاً منه، أم أننا نشهد تراجعاً أكثر مما نشهد تراكماً؟
ليست الإجابة سهلة، وربما لا تكون المناسبة مكاناً للإجابة عنها. لكن مجرد إبقاء هذه الأسئلة حية هو، في حد ذاته، أحد أشكال الوفاء لكامل.
وفي نهاية النص الذي كتبه عن عودته، يقول كامل إن كل ما يبحث عنه وسط ذلك (الضجيج الزائف) هو (الهدوء، الصدق، ورفعة الشأن العام). ربما تبدو هذه الكلمات اليوم أكثر من مجرد خاتمة لنص قديم؛ كأنها أسئلة تركها كامل لنا.
ولهذا كان اللقاء عند صخرة كيركغارد مناسباَ على نحو خاص. ففي المكان الذي كان الفيلسوف يأتي إليه للتأمل، استعاد أصدقاء كامل شياع ذكرى مثقف جعل من كيركغارد جزءاً من اهتمامه الفكري، وحققوا، بعد رحيله، رغبة كان قد عبّر عنها في أن يرى هذا المكان.
بعض المشاريع قد تنقطع، لكن الأسئلة التي ولّدتها لا تموت بسهولة. وربما يكون الوفاء الحقيقي لكامل شياع هو أن نترك لتلك الأسئلة فرصة أخرى للحياة.







