ـ 3 ـ

 

     الملا مصطفى البارزاني

في مضيف الشيخ دايخ كان الخال مزهر يتحدث عن ثورات الكرد التحررية في البلاد، في السليمانية و قائدها الشيخ محمود الحفيد و انتفاضة بارزان بقيادة الشيخ احمد البارزاني، سنوات الحرب العالمية الاولى . . و كيف تكررت في بارزان و شملت عموم كردستان العراق في سنوات الحرب العالمية الثانية، من اجل الحقوق القومية المشروعة و الحكم الذاتي للكرد و للاقليات المتنوعة في كردستان العراق في عراق ديمقراطي، و كيف كان الملا مصطفى البارزاني قائد ثورة بارزان و معاركها البطولية ضد الانكليز في العراق . . 

و كيف تأسست اول جمهورية كردستانية ذات حكم ذاتي عاصمتها مهاباد و انتخب فيها الملا مصطفى رئيساً لأركان جيش القوات الكردستانية، و كيف هاجمت قوات شاه ايران و قوات العراق و تركيا الجمهورية الكردستانية الوليدة و احتلت مهاباد و اعدمت قادتها و كيف صمد الملا مصطفى بقواته امام تلك الهجمات الوحشية، و كيف قاتلت قواته بقيادته و هي تنسحب نحو الاتحاد السوفيتي تحت الهجوم الثلاثي لتلك الدول آنذاك لأنها لم تجد حلاً آخر، و ليصبحوا لاجئين هناك، بعد ان وافقت سلطات الحدود السوفيتية على استقبالهم.

و اثر ثورة 14 تموز، تم الإعلان عن ان العرب و الكرد شركاء في الوطن و اعلن العفو الرسمي عن الملا مصطفى البارزاني و رجال قواته، و وجّهت لهم الدعوة للعودة الى الوطن و الإعتراف بنضالهم العادل . . و انهم يعودون الآن على متن باخرة اوكرانية الى ميناء البصرة، و يستعد الاتحاد العام للجمعيات الفلاحية لتحيتهم و استقبالهم في البصرة، و كيف ان الجمعية الفلاحية التي يرأسها الخال مزهر تتهيأ لتشكيل وفد للسفر الى البصرة و استقبال القائد الكردي الكبير و الرجال الذين تبقوّا  من قوته معه و عوائلهم هناك، و انهم سيقيمون مهرجاناً احتفالياً كبيراً رسمياً و شعبياً، في البصرة لإستقبالهم . .  

                  و انقطع الحديث بأن مدّت ام عماد ما تمكّنت من رأسها المحجّب بصمت من الباب الموارب لترى حقيقة ما يجري، لتُنهي تصوراتها و عدم ارتياحها، و وقعت عينها و هي تديرها على الجالسين، وقعت على الخال مزهر الذي كان جالساً مقابل الباب، و الذي ما ان لمحها بقامتها الفارعة و بالعباءة التي كانت لم تصل الى قدميها، حتى وقف و هو يقول :

ـ العفو اختي ام عماد تفضلي تفضلي . . سووا طريق للحجية ام عماد !!

ـ العفو خويه ابو محمود . . الف الحمد الله ع السلامة، اشرق علينا الخير بوجودكم خويه الف الف هلا و مرحبا !!

ـ و الله عاشت ايدج اختي ام عماد على هالمبادرة الكريمة الشجاعة، اسأل الله ان يفرحكم و يمدّ بصحتكم انتي و اخويه الاستاذ فاضل و يخليّ الكم ولدكم الحلوين السالمين الغانمين بجاه رب العالمين و النبي المصطفى . .

و فيما بقيت ام عماد واقفة عند الباب و هي تحيي الجالسين من فتحة عباءتها و كلماتها غاصّة بأنواع الدموع، قالت :

ـ و الله خويه ابو محمود و انت اخويه الكبير . . مابقى عندي بالدنيا من اهل الاّ ابو عماد . . و صرت اخاف عليه من الحسّاد و من الظِلاّم و ممن لاعدهم ذمّة و لا ضمير . . اخاف عليه من السحر و من عبث الغواني و الطايحات . .

انصدم الخال مزهر بكلمات ام عماد و صاح بتودد و توسّل :

ـ تفضلي اختي ام عماد استريحي، كلنا اهل و عائلة واحدة، ابو عماد و الكل يعرفون، بمعزّة اخويه الصغير . . تأمري و آني رهن اشارتك و امام الجميع . . استريحي بالله عليكي.

ـ العفو العفو خليّني واقفة ببابك الله يخليك خال مزهر . . تبقى فوق رأسنا راية عزّ و كرامة و شهامة، و هذا ماي الفرات يشهد على ما اقول !!

تأثّر الجميع بكلمات الخال مزهر و هو يطلب من ام عماد ان تأمر عليه و هو المعروف بأن لا أحد يستطيع ان يأمر عليه في عشائر المنطقة التي من اجلها قضىّ عشرة سنوات في سجن نقرة السلمان الصحراوي و كلمته لاتُرَدْ بل و تسري سريان الدم في الشرايين، فيما انحنى الخال على ابو عماد و والدي و سأل بهمس :

ـ فهموني شنو هيّه القصة . . ليش ام عماد بهذا الألم و هي المعروفة بالشجاعة و الإقدام، اوّل مرّة اشوفها على ها الحال . . ؟؟

اجابه ابو عماد بسرعة و بكل اختصار و بصوت واطئ . . ان السبب هو قرار اخيها الكبير عباس الذي قاطعها و حرّم عليها زيارة بيت اهلها بسبب زواجهما دون موافقته، و توفىّ والدها و لم تستطع حضور فاتحته كي لاتنقلب الفاتحة الى فوضى و اوامر . . و من يومها سكنها الحزن و لم يتزحزح عباس عن قراره الى يومنا هذا.

وقف الخال مزهر و قال بصوت جهوري واضح و قاطع :

ـ عبّاس القصاب خوش ولد و معزّته كبيرة بقلبي، لكن ماكنت اعرف انه يتّخذ هيج قرارات قاسية، و بحق من ؟؟ بحق زينة نساء الفرات ام عماد . .

سمعته ام عماد و اجهشت في بكاء مرّ . .

ـ و الله و بحق شهداء الوطن المناضلين و بروح ام محمود و الغالين، هو مسَجَّلْ اسمه معانا في وفد استقبال الملا مصطفى في البصرة . . و الله و الله اخليّه يوكع دخيل على ملا مصطفى ان يحكم بقضيته و هو من بيت دين و علوم و تصوّف، و اذا مافاد معاه اعرض القضية على رئيس محكمة الشعب فاضل عباس المهداوي ان يحكم بقضيته و احنا راجعين، اذا ماييجي و يوكع على اخته ام عماد و يصالحها و يطلب منها العفو . . و خليّ الحاضر يعلم الغايب !!

                  و بين بكاء و شهقات ام عماد الواقفة عند الباب و التي جمدت من كلمات الخال المزهر، لأنها تعرف انه يعني كلماته و يفعلها . . غادر ابنا اخ الشيخ دايخ المضيف بسرعة و دون ضجيج و عيونهما تلمع لمعاناً دلّ انهما ناويان على شئ مهم، فتبعتهما و سألتهما :

ـ ايش راح تعملون ؟؟

ـ رايحين لمخفر الشرطة حتى نخابر عباس القصاب و نعطيه خبر بما قاله الخال مزهر، لأن تلفون العم دايخ مقفول و بالمضيف .

ـ بس يعني هاي مو فتنة ؟؟

ـ لأ عيني . . سيأتي عبّاس مثل البرق من الحلة و هسّه تشوف !! 

و فعلاً و في حدود منتصف الليل و نساء الشيخ لازلن مشغولات بإعداد العشاء بعد ان اضفن اليه عدد جديد من الدجاج بعد ذبحها و تنظيفها على عجل، لأنهن كنّ واثقات من مجيئ عبّاس و عدد من الرجال معه . . حتى جاء عبّاس الذي خوّف حرامية و مجرمي الحلة القديمة، منتصب القامة و من معه و هم متمنطقين ببنادقهم . .

                  و قرب باب مضيف الشيخ دايخ شاهد عبّاس اخته على ضوء اللوكس الذي كان يضئ ساحة المضيف . . و شاهدته و جمدت و اخذها بالأحضان و نزل فيها تقبيلاً و بكاءً و اختلطت دموعهما و هو يقول لها :

ـ حبيبتي ام عماد سامحيني حبيبتي . . كنت احمق . . كنت . . امّك و اخواتك مشتاقين لك و ينتظروك بفارغ الصبر . . هاي عاداتنا الوسخة و انتِ أعرف منيّ . . بويه العفو و انشاء الله، الله مايسامحني على عملتي . .

. . . . .

. . . . .

                  في خريف ذلك العام التقى النقيب سعدون بالمقدم ممدوح في النادي العسكري و هنأ احدهما الآخر على الرتبة الجديدة التي تم منحها لضباط الجيش بمناسبة انتصار الثورة بمنحهم درجة رتبة اعلى و قال المقدم ممدوح :

ـ عزيزي سعدون صدر امر نقلك الى عضوية هيئة اركان الفرقة الرابعة لشؤون الإستخبارات برتبتك الجديدة و ارى ضرورة زيارتك للزعيم عبد الكريم في مقره في وزارة الدفاع، لتحيّته و السلام عليه و تقديم الشكر على الرتبة الممنوحة الجديدة، و انا شبه متأكد من انه سيعطيك موعداً للسلام عليه . . و من خلال ذلك تسأل عن امكانية رفع الغبن السابق عنّك و ان تكون بالرتبة التي نحملها جميعاً نحن ابناء نفس الدورة العسكرية . . سأتابع ذلك و اخبرك!

                  و فعلاً بعد ايّام اتّصل المقدم ممدوح بسعدون و ابلغه الموعد الذي تحدد مع الزعيم في مقره في وزارة الدفاع، و ذهب سعدون برفقته الى هناك، و مما رواه المقدم ممدوح :

ـ ذهب معي سعدون الى مقر الزعيم في الساعة الحادية عشر من ذلك الصباح، و كان مع الزعيم : الزعيم طه الشيخ احمد آمر الحركات العسكرية و العقيد الركن وصفي طاهر المرافق الاقدم للزعيم . . و بعد ادا\نا للتحية العسكرية قدّمت النقيب سعدون للزعيم الذي رحّب به و طلب منا ان نستريح بالجلوس في مكتبه و بدأ الزعيم الكلام موجهاً كلامه لسعدون، قائلاً " من زمان اعرف عنّك و اسمع بيك و احب ان التقي بك، و وددت ان اهنئك على نجاح ما عملته في اخافة الوصي . . و اتفضّل اذا عندك ايّ طلب و انا اسمع " فقال سعدون :

ـ سيّدي بالتأكيد تعرف اني تعاقبت عدة عقوبات ظلماً و غدراً، و انا لا انكر انني كأي ضابط اقترفت اخطاء ايضاً و مستعد للاعتراف بها و اتجاوزها، و لكنهم بقوا متصديّن لي لمواقفنا كعائلة من المستعمرين البريطانيين و من عملهم على اشعال الصراعات العشائرية . . اطالب بالغاء عقوباتي !!

ـ فوراً !! ماتضيع جهود المخلصين من ابناء الشعب و الجيش . . ابني انت تستحق وسام على اخافة الوصي . . ممدوح انتم من نفس الدورة، صحيح ؟؟

فقلت :

ـ صحيح سيدي !

ـ اليوم ! هذا اليوم . . زعيم طه تصدّر امر بإعادة الرتبة الحقيقية للمقدم سعدون و تضع اسمه على المرشحين لإستلام وسام الرافدين من الدرجة الاولى و المرشحين لدورة الأركان القادمة !

و منذ ذلك التأريخ حمل سعدون رتبة مقدّم ! و صار مسؤول شعبة الاستخبارات العسكرية في اركان الفرقة الرابعة في معسكر سعد ـ بعقوبة . .

                  و في تلك الفترة زارنا سعدون بملابسه العسكرية حاملاً رتبته الجديدة بسيارة جيب قيادة جديدة و سيارة حماية عسكرية تحمل مدججين برشاشات سترلنك، و استقبل عندنا من والدي و والدتي و برهوم و الست ناهدة شيخ رشيد . . و عملنا نحن الفتوة على توزيع الشربت و الحلوى عليهم و تناولت الاحاديث مواضيع متعددة حتى وصلت الى ما قاله المقدم سعدون :

ـ شنو سالفة العركات على الجسر . . تقارير تقول انه اضافة الى جماعات متطرفة من اهل الاعظمية تمنع اهل الكاظمية من عبور الجسر، انضمت اليهم جماعات من اهل الكاظمية نفسها تطلق على نفسها (جماعة الشيخ محمد) تمنعهم ايضاً و يُقال انهم من اتباع المرجع الديني السيد الخالصي و ان الشيخ محمد هو ابنه و انه ضابط برتبة ملازم، و انهم بدأوا بمنع النساء السافرات من السير في اسواق الكاظمية، الاّ بان يكُنّ محجبات و برفقة محرم و انّهم دقوّا شعارات و اجزاء من آيات قرآنية على حيطان الاسواق و على ابواب الحضرة الكاظمية منها " و لا تبرّجن تبرّج الجاهلية الاولى " و بدأوا بضرب من يروها غير محجبة بالعصي . .

بعدين . . شنو سالفة جمع الدراجات الهوائية من الشوارع في الاعظمية، بشكل شبه يومي و تحميلها بلوريّات و مصادرتها او ارجاعها شبه محطمة الى اماكنها، على انها لتلبية حاجة المقاومة الشعبية، الامر المتسبب بتذمّر شعبي متزايد، احنا من جانبنا سندقق بمن يعطي هكذا اوامر و انتم حاولوا تساعدونا على معرفة ما يدور و هل هو منظّم و من اية قوى او احزاب . .

قال برهوم :

ـ نعم عزيزي سعدون . . اضافة لذلك عدد من الجماعات القومية من الاعظمية صار عدهم غدّارات بور سعيد، هاي منو يوزّعها عليهم ؟؟ يقولون انها بعلم ضباط قادة من الجيش للدفاع عن الجمهورية . . زين مو اكو جيش و اكو مقاومة شعبية بإمرة الجيش و تساعده، بعد ليش هالجماعات ؟؟ خاصة و ان عدد واضح منهم مجرمين و سمعتهم سيئة . . بعدين اكو بيوت و مقاهي يجتمعون فيها باسلحتهم الى اوقات متأخرة من الليل مثل بيت الوكيل السري السابق، و جايخانه جديد مفتّحة برأس دربونة الخبازة نجيّة في سوق محلة الشيوخ، مقابل معرض الحاج ياسين ابو القرطاسية اللي يلتقي فيها سعدون شاكر و اخوته و برزان بملابس الجندية، اللي لابسها لحماية نفسه . . و يتداول الناس مشاكل هالاشقيائية مع اشقيائية ولْد الصفرة التي قد تصل الى مصادمات بالسلاح معهم بعد ان التزمت اطراف قومية و خاصة البعث احدهم و التزم الثاني جماعة الاستقلال . .

                  بهذا الأثناء نقل تلفزيون بغداد في برنامج (الاخبار المصوّرة) مراسم استقبال القائد الكردي مصطفى البارزاني و رفاقه و عوائلهم في البصرة من قبل متصرف البصرة و قائد الفرقة العسكرية هناك، وسط حشود هائلة رجالاً و نساءً من كل المكونات العراقية و منظمات الاحزاب الوطنية : البارتي، الحزب الشيوعي، الحزب الوطني الديمقراطي و منظمات : المقاومة الشعبية، نقابات العمال، الجمعيات الفلاحية، اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية و النقابات المهنية و غيرها العديد . .

وسط اغاني المطرب الوطني الصاعد احمد الخليل و الفرقة الموسيقية المصاحبة له، الذي كانت اوسع الاوساط المشاركة تردد و تصفّق معه في المقاطع التي تتطلب :

من تمر انسام عذبة من الشمال

على ضفاف الهور تتفتح كلوب

لو عزف بالناي راعي بالشمال

عالربابة يجاوبه راعي الجنوب

هه ر بجي كرد و عرب رمز النضال

هربجي كرد و عرب رمز النضال

هاي خوّتنا و تاريخ انكتب، النا حافل بالمجد و التضحيات

هالوطن شُركة لكراد و عرب

صخرة وحدتنا و معدنها صلب ماتهزهزها العواصف للأبد

ايد بيد و كلب مشدود بكلب

وبالشدايد واحد لواحد سند

حلوه مرّه اثنينّا نعيش الحياة

كلوبنا تخفق سوا . . جنوب و شمال

هربجي هربجي كرد و عرب رمز النضال

ثم نقل التلفزيون وصولهم الى بغداد . . الى فندق " تايكرس بالاس " الراقي المطل على نهر دجلة مقابل (حسوّ اخوان) في منطقة (الفناهرة) الحديثة من شارع الرشيد، حيث كانت حشود مماثلة من النساء و الرجال في استقبالهم هناك وسط الشعار المدويّ الذي صاحت به الحناجر :

حتيّ حتيّ حتّايا  كرد و عرب برايا

الى الابد الى الابد يبقى العرب و الكرد يداً واحدة

و وسط لافتة حمراء طويلة كُتب عليها بالأبيض :

" على صخرة الاتحاد العربي الكردي تتحطم مؤامرات الاستعمار و الرجعية "

                  و قد لعبت اذاعة بغداد دوراً كبيراً في تحويل ذلك اليوم الى عرس وطني حقيقي، حيث امتلأت شوارع بغداد بالناس نساءً و رجالاً و شيوخاً و اطفالاً و من مختلف القوميات و الأديان و الطوائف و الى ساعة متأخرة من الليل و الى الصباح . . و هي تغنيّ و تدبك و ترقص في الشوارع على انغام و كلمات و مقاطع تلك الاهازيج و الاغاني و الشعارات . . عدا بعض محلات و ازقة بغداد التي منها الأعظمية و الجعيفر التي صدح فيها الراديو بتلك الاهازيج و لكن التفاعل الشعبي فيها كان محدوداً بل و كان متحدياً لمحيطه فيها . .

                  و في غمرة ذلك العرس الشعبي الكبير . . مرّ علينا ابن عميّ المناضل " عدنان البراك " و شارك في الاحاديث موضحاً و مستفيداً منها في تكوين و توجيه افكار جديدة و ملحّة الى الصحافة اليسارية عموماً ، رغم انغماره المتنوع في النشاطات الحزبية و بالذات في الصحافة، حيث كان سكرتير تحرير " اتحاد الشعب " التي كان يرأسها عبد الرحيم شريف، اضافة لكونه احد محرريها الأساسيين، من جهة.

و كان يشرف و ينظّم نشاطات المحررين اليساريين في الصحف التقدمية الاخرى مثل : الإنسانية، 14 تموز، الثبات، الشبيبة، الغد، الفجر الجديد، المبدأ . . التي كانت تُغلق بأوامر وزارة الداخلية التي قادها آنذاك عبد السلام عارف و جماعته، لتتفتح صحف جديدة بأسماء جديدة . .  لتوضيح و كتابة المطالب الأكثر الحاحاً للجماهير الفقيرة و المعدمة آنذاك، و لتحقيق المنجز الصحفي الأسرع و الأبلغ و الاكبر تأثيراً بين الجماهير في عموم تلك الصحف، من جهة اخرى . . كما عبّر لاحقاً عدد كبير من الكتّاب و الصحفيين اليساريين الناشطين آنذاك، و الباحثين اللاحقين . .

و من السخرية ان القرج ام سناء وسط تلك الاجواء الاحتفالية، افتعلت لها مشكلة بأن هناك من سرق تنكة ازبالها و اخذت تصيح بعلو صوتها الأجشّ :

ـ واضح من سرقها هذول لابدّ جماعة (كردي نازاني) ، جماعة هاربشي . . عملاء مال نازاني . . انعل ابوكم لابو نازاني !!!

وسط ضحك الجيران و تغامزهم عليها من خلف الشبابيك . .

. . . . .

. . . . .

                  في تلك الفترة تم الإعلان عن صدور عفو عن القطب القومي العربي رشيد عالي الكيلاني، الذي انقلب في مايس 1941 على حكومة ياسين الهاشمي في العهد السعيدي و حاول ازاحة الوصي الذي هرب، بمساعدة قادة الجيش عقداء المربع الذهبي بقيادة العقيد صلاح الدين الصباغ، الاّ ان المحاولة لم تنجح بعد ان هاجمتها القوات البريطانية و اعادت الوصي الى العرش و أُعدم العقداء الاربعة، و صدر حكماً غيابياً بالإعدام على رشيد عالي الذي فرّ الى المانيا الهتلرية و بعد سقوطها التجأ الى عدة دول و استقر اخيراً في مصر عبد الناصر . .

و تم الإعلان عن الغاء العقوبات بحق المشاركين فيها، و تكريم الحركة بكونها حركة وطنية تحررية . . و لدى وصول رشيد عالي الى بغداد، اعلن عن عزمه على العمل من اجل اعلان الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة، و قد زاره عبد السلام عارف في بيته و اعلن تأييده لما ينوي تحقيقه في الوحدة الفورية، كما نشرت الصحف القومية و غيرها آنذاك . .

في وقت كان فيه المقدم سعدون يتتبع اخبار تسرب الاسلحة من سوريا (الاقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة) . . حتى عرف من ريتا في بانسيون ماري بانها سمعت من صديقتها سلمى بأن زبونها الضابط القومي الذي تتيّم بها و اخبرها، بأنه يريد الزواج منها، و فقط عليه انتظار حركة سيقومون بها للاستيلاء على الحكم و سيأتيها كعريس غني و بالسلاح الجديد . . و بعد تدقيقات و تأكيدات سريعة، اخبر المقدم ممدوح الذي صار عضواً مهماً في الاركان العامة (الحركات العسكرية)، بالخبر . . . و اخذوا يتابعون ما يجري .

                  بعد اسابيع اعلن راديو بغداد عن اكتشاف مؤامرة لقلب نظام الحكم بالتعاون مع عدد من رجال العهد المباد و عدد من الإقطاعيين الذين خسروا اراضي واسعة بسبب الإصلاح الزراعي، عدد من كبار الضباط و الوزراء و الموظفين الكبار السابقين و بتأييد مجموعات من القوميين من حزب الاستقلال العائد لمحمد مهدي كبة عضو مجلس السيادة، بطريقة القيام بأعمال تخريبية تزعزع الأمن و الاستقرار و البدء من بغداد، من :

اشعال حرائق، محاولة نسف جسور، قطع الاتصالات التلفونية، قطع الكهرباء بين حين و آخر، تخريب طرق و ارباك حركة النقل و غيرها . . ثم اعلان عدم آهلية الحكومة القائمة للحكم و ادارة البلاد و المطالبة بإستقالتها، و ان لم تستقيل سيلجأون لضباطهم للقيام بانقلاب عسكري لإزاحة عبد الكريم قاسم و الغاء الإصلاح الزراعي، بالتعاون مع حكومة عبد الناصر، بالتنسيق مع السفير المصري عبد المجيد فريد و ملحقيه العسكريين المصريين . .

                  و لم تنشر تفاصيل المحاولة و لا اسماء القائمين بها لفترة و بقيت طيّ الكتمان في ذلك الوقت لإستكمال الادلة و حرصاً على عدم توتير الأجواء مع عبد الناصر اكثر . . الى ثبت في اواخر 1958 بالأدلة القاطعة تزعّم رشيد عالي الكيلاني للمحاولة و مشاركة  عدد من كبار الضباط فيها، منهم رفعت الحاج سريّ رئيس الإستخبارات العسكرية و مؤسس تنظيم الضباط الأحرار و عدد من كبار الاقطاعيين منهم عجيل الياور، و احمد مختار بابان رئيس وزراء سعيدي سابق، و بدعم من دولة خارجية، اثبت التحقيق انها كانت الجمهورية العربية المتحدة .

فتمت محاكمة رشيد عالي الكيلاني في محكمة الشعب العلنية برئاسة العقيد فاضل عباس المهداوي وفق الدستور المؤقت المعلن، و بُثّت على الهواء، و تم اعلان الحكم على المتآمرين بأحكام ثقيلة و حُكم على الضباط المشاركين بأحكام اخف . . و بعد فترة قصيرة اعلن الزعيم عبد الكريم قاسم عن العفو عنهم على اساس (عفا الله عمّا سلف) . .

وسط اجواء هجوم متواصل لا ينقطع من اذاعات القاهرة و صوت العرب على الزعيم عبد الكريم و على العقيد المهداوي و على ما وصفوه بالمد الشيوعي العراقي . . و هكذا تصاعد الإستقطاب اكثر بين القوميين الداعين الى الوحدة الفورية و بين الشيوعيين الداعين الى تحقيق الإصلاح الزراعي و تعميق الديمقراطية في البلاد و التهيؤ الى اتحاد فدرالي عربي في ظروف يجري الإعداد لها . . حتى صار الاختلاف صراعاً قاسياً بين الطرفين، جرى وفق مستوى عقلية و وعي المجتمع و الاحزاب آنذاك و الظروف و الصراعات الدولية و الإقليمية . . و في الأخير كان صراعاً صفّقت له الاحتكارات النفطية و الدوائر الغربية العليا.

 

                                                                                                             ـ 4 ـ

 

      ابو الهوب

 

                  اطلقت ثورة 14 تموز انواع الطاقات الإجتماعية و الإقتصادية و العلمية الهادفة الى تقدم البلاد و رفاهها . . و اطلقت تنظيم مطالب الحقوق الاجتماعية و حقوق العمل و بناء نقاباتها و جمعياتها، و اطلاق التعليم و برامج محو الأمية، و خدمات الصحة و محاربة الفقر . .

فانطلق بناء المدارس و التوجه لتأسيس اول جامعة عراقية بيد و جهد و بعمل ابنائها، صار رئيسها احد علماء الفيزياء المعروفين عالمياً الصابئي عبد الجبار عبد الله و نائبه عالم الطب العدلي، البغدادي أحمد عزت القيسي، و فُتحت البعثات و الزمالات الدراسية الى الخارج دون قيود، و انطلق بناء المعامل و تحسين الحقول الزراعية و ادخال المكننة فيها، اضافة الى بناء و افتتاح المستشفيات و محاربة الامراض و استحداث دوائر جديدة حديثة و ملاكاتها لها . .

                  و جرت عناية خاصة بالفنون بأنواعها و جرى توسيع معهد الفنون الجميلة و الإعداد لإنشاء مؤسسات لدراسات فنية و اكاديمية اعلى، و ايلاء عناية خاصة بالفنانين العراقيين و استقدامهم من دول الهجرة و الإهتمام بكبيري السن منهم و تخصيص مكافئات و رواتب تقاعدية لهم، اضافة لإطلاق و انطلاق الصحافة بانواعها . .

كانت بغداد تموج بنشاط وحركة دائبة متنوعة الأتجاهات و التصادمات، التي لم تتوقف فحسب، بل انها اخذت تضمّ اوساطاً اوسع و اوسع . . و كانت تثير انواع الحذر مما يمكن ان يجري، الأمر الذي صعّد التطرف في مواقف الاطراف المختلفة مع بعضها ثم المتصارعة . . في عهد حكومة ضمّت رجالاً من كل الأتجاهات الإجتماعية و الفكرية المتناقضة والمتصارعة، و كانت بذلك بذاتها مسرحاً لصراع مرير بين الحداثة و النزوع الى الحرية والتقدم و الرفاه لأوسع الأوساط الشعبية و بين الأمية والجهل و الروح المحافظة. وكانت صراعاً لأصحاب مصالح يحرّكون وينتظرون ويدفعون، لنسج و تفجير عواطف شقّت عنان السماء في دعوات للقوة . . او للأنتقام و للسعي لإستعادة مافقده اصحاب تلك المصالح اثر ثورة 14 تموز عام 1958 .

                  فأخذ البلد يسبح بانواع الشعارات المتصارعة . . الممزقة والملطّخة او الملغاة حديثاً من واجهات البنايات و في مفارق الطرق، بكتابة شعارات انيقة على السابقة ذاتها، بنشاط متصاعد محموم وكأنه كان يسابق الزمن كي لا تضيع الفرصة ؟!! اضافة الى انواع الدوريات التي كانت تجوب الشوارع و تتصارع بينها ايضاً بالصراخ والأيادي و الهراوات ثم . . بالخناجر وبالرصاص احياناً ثم في اكثر الأحيان . . لضبط الشعارات واعتقال من افترضوا فيهم انهم مخرّبون غرباء لأنهم قادمون من احياء اخرى لاتُعرف ماهيّتها !!

                  في زمن اخذت فيه الشعارات المرفوعة و المخطوطة تتغيّر بسرعة وبشكل مخيف، من الشعارات التي طالبت بالإسراع بتنفيذ قوانين الإصلاح الزراعي، تأميم النفط، معاقبة المتآمرين، مكافحة الأمية، ايقاف التجارب النووية في صحراء الجزائر و طالبت باطلاق سراح المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد و زعماء جبهة التحرير الجزائرية، والشعارات التي دعت الى التطوّع في المقاومة الشعبية، وللدفاع عن الجمهورية الفتية . .

الى شعارات متصارعة متضادة الأهداف تنبئ بأحداث، ان كان يخاف ويحذّر منها كثيرون، فان الأوساط الأوسع بدأت ترتعب منها ولا تتصوّر ماهيّتها و مداها . .  من (وحدة تحرر ثأر) لم يُعرف ثأر ممنْ، يسقط عملاء الدولار الممسوحة بـ يسقط عملاء الروبل، دين و عروبة و اسلام، الى . . يسقط جمال عفلق الحوراني، وحدة عربية فلتسقط الشيوعية بدلاً من فلتسقط الصهيونية . .

                  و بدأت محلات و ازقة بغداد تختلف و تتصارع و تتفق حسب نواع الشعارات المرفوعة فيها، وفي الأعظمية . . في " محلة الشيوخ " التي كانت الشوارع تقفر فيها عند بدء جلسات " محكمة الشعب " التي كانت تحاكم اقطاب العهد الملكي السابق والتي كانت تبدأ في الساعة السادسة مساءً، حين كانت المقاهي تمتلئ بالزبائن و المتفرجين المتجمهرين و المتحلقين على اجهزة التلفزيون . . و   كان صياح الفرح و توزيع الحلويات والملبّس يختلط بأصوات قرقرات النارجيلة و ضرب احجار الطاولي والزهر . . يتناغم مع اسئلة المحكمة المباشرة و الصريحة للمتهمين، و مع قراراتها و مواقف الشهود الجريئة . . صارت المقاهي تمتلئ بوجوه منفعلة غاضبة، و اخرى تكتم حقداً و الأيادي تتحرّك حركات انفعالية تهدد لايُعرف من . .

                  و برز في تلك الفترة شقاوات المحلات و الأزقة، و كانت النسبة الأكبر منهم من الدرك الاجرامي ممن يعتاشون على الخاوات و انواع التهديدات و على حماية المحلات و حماية اشخاص و تنفيذ اوامر من يدفعون لهم، و ممن هربوا من سجون او هاربين من القانون بسبب جرائم اقترفوها، و انتبهت الناس ان اعداداً منهم تبنّتهم احزاب و انها تستغلهم لتحقيق اهداف و نجاحات لها، كان اخطرها هو القيام باغتيالات ضد من يشكّلون خطراً عليها و على خططها الأنانية، برز منها في ذلك التوجه الخطير حزبا الإستقلال و البعث . .  

                  حتى صارت الاشقيائية السياسية، و تكوين عصابات محلات و كأنها سمة و جزء فاعل هام و خطير في المجتمع . . و قد برزت بشكل مبكّر في الموصل بسبب قانون الإصلاح الزراعي الذي وقفت ضده اقطاعيات عشائرية كبيرة و رفعت اشكال الشعارات المختارة و كأنها تدافع عن العروبة و الإسلام، و بتشجيع و دعم مالي و بالسلاح من الجارة سوريا (الاقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة) بقيادة ناصر، فاصطدمت بالمقاومة الشعبية و بمنظمات الحزب الشيوعي و الوطني الديمقراطي و القاسميين و الديمقراطي الكردستاني هناك . .

و اشعلت اعمال الإغتيال السياسي بيد قتلة مأجورين من مجاميع الأشقيائية بتواطؤ الشرطة المحلية . . بحق النشطاء الشيوعيين و الديمقراطيين و كل من عمل و دافع عن قانون الإصلاح الزراعي، و تنظّم ذلك بين : شيوخ من شمّر عُرفوا بعلاقاتهم القوية مع شركة نفط عين زالة، الشقاوات المأجورين و دوائر الشرطة الساندة لهم، شقاوات البعث و الاستقلال، العقيد عبد الحميد السراج الحاكم العسكري لسوريا و العقيد عبد الوهاب الشواف آمر موقع الموصل في الغزلاني.

                  و لم تكن عصابات الأشقيائية على وئام مع بعضها، بل كانت مشاجراتهم مستمرة كلّ يحاول ان يتزعّم منطقته لوحده او ان يحاول توسيعها بلا مبالاة مما قد يحصل او يصيب الآخرين بضرر، كما حصل في احدى الليالي يوماً في الأعظمية في محلة الشيوخ، ما القى الضوء على تلك المشاجرات و ماهيتها و مستواها (الحضاري) ان كان فيها مستوى . .

                  كانت الأحاديث والألسن تلوك بسلوك و تصرفات بنات ام سناء و خاصة شكرية (المتحررة) اكثر من اللزوم !! سواء بإظهار اطراف ردائها الداخلي الشيفون الاحمر من حافة تنورتها البيضاء او الفاتحة اللون، او بقميصها المفتوح الصدر اكثر من اللزوم الكاشف عن تلاقي الثديين، و لكن المعلّقة عليه مصوغة ذهبية كبيرة لاسم الجلالة (الله) . . او بالزيارات المتكررة لمفوض من شرطة المحلة لهم، بإعتباره ابن خالة شكرية، كما كان يُقال . .

حتى قالت احدى الجارات القريبة لأم سناء، انه كلما جاء (ابن خالتها) المفوض، كانت ام سناء تخرج الى بيت ابنتها كريمة الساكنة في الطرف الآخر من المحلة عند مقهى الحجازي، وانها اي تلك الجارة كانت تسمع قهقهات شكرية ذات الدلالات معه في البيت، وهما جالسين لوحدهما او متحاضنين او مادّاً يده في ستيانها يداعب ثديها، او مادّها على ظهرها ممسداً ايّاه ذاهباً الى الأسفل،  و هي تبدي الفرح و التشجيع . . في الحديقة الخلفية للبيت ذات الأشجار المتشابكة، حيث كانت تستطيع ان تراهما من فوق، من شباك غرفة نوم ابنتها.

و اكدت الجارة الاخرى الحاجة ام سعيد في جلسة نسائية كبيرة، ان شكرية في تلك الزيارات كانت ترسل اختها الصغرى نوال الى القسم الأمامي للبيت لتراقب لهما باب البيت و لتجيب على من قد يزورهم لأن اكثر من واحد و وحدة لديهم مفتاح البيت . .

و روت عجائز في تلك الجلسة كيف انهن كنّ يجلسن في السطوح المطلة على مقهى محمد غائب لمشاهدة برامج التلفزيون الكبير المنصوب في ساحة المقهى . . وكانت شكرية و نوال يتضاحكن بقهقهات ممطوطة (انثوية لجذب الذكر) كما وصفنها، و بأصوات مسموعة، و كانتا تسترقان الغمزات والإشارات مع شاب متأنق بوردة و ليس برباط، حتى وصل الأمر الى ان ترمي ابنتها الصغرى نوال له بقطعة حلوى فتح غلافها وفضّ قراءة ورقة صغيرة محشوة داخلها و اجابها بابتسامة (ذكر استجاب لأنثى) على حد قولهن، موافقاً بهزّ رأسه لها باتجاه محدد بدا انه كان متّفقاً عليه، و استجابت له نوال بدورها بأن صعد الدم الى خدودها و ابتسمت على استحياء !

فيما كان محمد غائب يفتل بشاربيه الكثيّن و بنظراته الجانبية المصوّبة الى الأعلى نحو شكرية متضاحكاً و هو يعدّل مابين ساقيه بيده، لتستجيب له بضحكة ملأت وجهها. . وهو يقول :

ـ طول عمري ما انسى افضال أم سناء و شكرية . . لولاهما لما عشت ؟!

حيث كان يقال ان محمد غائب عندما كان طفلاً، كان قد اختُطف من الشارع من قبل الغجر . . وبعدما شبّ هرب منهم واخفته ام سناء في دولاب تحت فراش شكرية، حيث كان ينام معها ليلاً في ذلك الفراش تحت غطاء واحد (و الله أعلم ماكان يجري بينهما، و لكن لله الحمد لم ينتج عنهما نغل او طفل سِفاح) . . كانت ام سناء تستدرج الأطفال الى بيتها بالملبّس و الشكولا، لتستقي اخبار الجيران، و لتسوقهم لرمي الأوساخ وتنظيف المنزل . .

                  في تلك الليلة جاء الشقي (عزوّز) بدشداشته و بكوفيته البيضاء (المقدّسة) النجدية، و عدد من مساعديه و كان الشقي (منعم ابو الجاج) و واحد من ولد الصفرة جالسين معاً . . و جرى نقاش حاد بين عزوز و منعم، و لكن بصوت واطئ و همس . . الاّ انه ارتفع فجأة بصيحة منعم ابو الجاج :

ـ ولك شيسويّ سروال (لباس) شكرية بسيارتك ؟؟؟

صاحت شكرية بأعلى صوتها من فوق السطح :

ـ انجب ويلك منعم . . مو اخبرتك انه اراد اخذي بالقوة ؟؟ مو احسن من ان يأخذني بالبوكسات و الدم ؟؟

ـ سديّ حلكج ولج !! منو اذن الج بالكلام ؟؟

و جاءت في تلك الأثناء من الجهة الاخرى للمقهى ويزي الخبازة حاملة ساطور السمك، الساكنة في خرابة جنب بيت الريّس، و التي بيتها ملتقى اشقيائية عزوز (المقدّسين) على اكلات سمك الجريّ المجّاني المقلي التي كانت تعدّها لهم، بعد ان ثبّتوها في تلك الخرابة مقابل الأكل و توفير المكان لـ (كضيان الوكت بالونسة و شرب العرق و لعب الورق)، و صاحت ويزي بحرقة معاتبة :

ـ ها عزوّز انت مو قلت ععععععععو

فكمم فمها احد مساعدي عزوّز قائلاً :

ـ ولج عرفي حدودج و سديّ حلكج !! عزوّز احد الأولياء المقدّسين و ما تجيبين اسمه بالعاطل او بالسفاهه و الاّ اقتلك !!

فيما حاولت ام سناء تكميم صوت شكرية و هي تصيح على منعم :

 ـ آني ماكو احّد يحكم عليّ بالكلام او السكوت . . جان احسن منّك، يعرف يداري المرأة . . مئة مرة احسن من عععععععععو . . و الله تونّست ععععععععععو . . شكو ععععععو نسيت لباسي عععععو جنت سكرانه، و الله و الله شبّعني ويسكي و شبّعني ععععععو  ههههههههههه . . حتى نسيت راسي من رجلي. يعني قوة و دكّ و فلوس . . بعد المرأة شتريد ؟؟

ساد السكوت في مقهى محمد راغب و الكل متفاجئ و مستحي مما يجري و بهذه النقاشات الفضيحة

و باصوات عالية بين شكرية و منعم ابو الجاج و صيحات ويزي التي كُتمت . . و اخذ الزبائن يغادرون المقهى و لا احد يعرف من اوصل سروال شكرية الى منعم، و هل كان سروالها فعلاً . . ثم ماهو نوع تلك العلاقات ؟؟

                  بدأ ضرب البوكسات و اللكمات و ضرب الكراسي في منتصف ليلة الخميس ذلك و وصل الى اطلاق الرصاص بينهم و كلٌّ اخذ من التخوت سدّاً له . . حتى خلت المقهى و اطفئت الأضوية و انسحب الطرفان بلا ضجة و لكن وجدت دماء كثيرة . . و اختفى منعم ابو الجاج و قيل انه وجدت جثته ملقاة في احدى المزابل، و انتشر خبر ان الصراع كان بين قوميين وبعثيين على زعامة المنطقة بين منعم ابو الجاج سارق الدجاج المعروف في صباه و عزّوز القاتل المأجور . . 

. . . .

. . . .

فسّر الأكثر خبرة و دراية . . تلك الصراعات الحادة في المحلات و الازقة، بكونها كانت تعكس الصراعات و ما كان يجري في قمة الحكم ذاته، بسبب تنوّع كبار ضباط الثورة من الضباط الأحرار و عدم اتفاقهم و تعاملهم الصحيح مع جبهة الاتحاد الوطني للاحزاب التي عقدت قبل عام من الثورة، عدم اتفاقهم على ماهية البديل للحكم الملكي و تركيزهم على الانقلاب العسكري و سبيل نجاحه . . بسبب تنوّعهم سواء على صعيد بيئاتهم الإجتماعية او ثقافاتهم التي لم تكن مختلفة فقط و انما كانت متضاربة، بين الأديان من جهة، و الدين الإسلامي و مذاهبه و العلمانية و المدنية من جهة اخرى، و بين حملة الافكار القومية و الأممية و الإشتراكية  . .

و قد عبّر الضباط الأكثر قرباً من الزعيم بكونه كان اضافة الى كونه ضابطا كفوءا محنّك في تحقيق النصر العسكري و كان منحازاً للفقراء ساعياً لتلبية حاجاتهم، و انه كان يعتقد ان اقوى ما يمكنه الاعتماد عليهم هم الفقراء و لكن لم يكن واضحاً لديه بأية آليات و بأية ادوات؟؟ و انه لم يكن سياسياً حزبياً و اعتمد على سياسيين جاملوه و داهنوه لمصالح، او لحذرهم من انفعاله، او ممن لم يروا بديلاً قادراً يحل محلّه، و هو الذي قاد ثورة كبرى هزّت البلاد و المنطقة، و يواجه مخاطر متعددة وحده بتقديره، حتى بدأ لا يتقبّل النقد بسهولة، و يعتبر النقد تقليلاً من شأنه او لإضعافه . .

في وقت واجه الزعيم فيه، بانتصار الثورة احزاباً كبيرة ناشطة تستطيع تحريك مئات الآلاف  بإشارة منها و خاصة الحزب الوطني الديمقراطي، و الحزب الشيوعي الأكثر فاعلية في تحريك الشارع و البارتي الكردستاني، اضافة الى الاحزاب ذات الاذرع العنفية و التي تستطيع تحريك انواع المجرمين او تحريك افراد لغايات اجرامية او مخالفة . .

فأخذه الحذر ثم الخوف منها في اجواء مليئة بأنواع التطرفات اليمينية و اليسارية الداخلية، و انواع الدول الطامعة بالبلاد . . و اشار قسم من الضباط، ان الكتاب الأثير لدى الزعيم كان كتاب " الامير" لميكيافيلي لما فيه من طرق ذكية لتحقيق حكم ناجح، كما كان يعبّر . . و عبّر عن ذلك في مرّة يتيمة للصحافة . . في وقت كان التذمر يزداد بين اعداد من الضباط الأحرار، لأنه لم يتحقق تشكيل مجلس للثورة، و لا توجه جاد لبناء برلمان بإجراء انتخابات كما وعد البيان الأول للثورة . .

و كلّها من جهة و من جهة اخرى محاولات عبد الناصر المستمرة و المتنوعة لجرّ البلاد اليه آنذاك و مهاجمة الزعيم و تركيز النار عليه بدلاً من دعمه و مساعدته لقيادته ثورة كبرى ضد الاستعمار، و وضع بلاده على سكّة التحرر الذي كان ينادي به ناصر ذاته، اضافة الى انواع نشاطات شركات النفط و الدوائر الغربية العليا و اسرائيل . .

انفجر الوضع في الموصل في آذار 1959 باعلان العقيد الركن عبد الوهاب الشواف آمر موقع الموصل عن قيام انقلاب عسكري، بدعم و اسناد القوى المذكورة آنفاً، بادئاً بأوامر انتشار القوات المسلحة في شوارع الموصل للـ (السيطرة على الانفلات الأمني بالمدينة) الذي اشاعه الاشقياء و انواع المتطرفين من كل الاطراف من مهاجمين و مدافعين لضياع القانون، و بدء استباحة الموصل بالحملة العشائرية التي هاجمت مدينة الموصل داعية الى ( حضرية و بيت) الداعية الى نهب و مصادرة بيوت الموصل بنسائها . . اثر انتهاء اعمال المؤتمر العام لأنصار السلام بنجاح في الموصل بمشاركة عشرات الآلاف من كل مكوّنات لواء الموصل، الدينية و المذهبية و القومية، و بعد ان كشف عمال السكك عن وضع عبوة ناسفة كبيرة في الشرقاط لتفجير قطار انصار السلام العائد الى بغداد . .

اعلن العقيد الشواف البيان الاول للانقلاب من اذاعة محلية اهدتها شركة نفط عين زالة للانقلابيين، و تلى البيان الاول الوجه البعثي المعروف في الموصل فاضل الشكرة . . معلناً اسقاط حكومة بغداد و الغاء قانون الاصلاح الزراعي، على يد القوات المسلحة في الموصل و كركوك التي كان يقود فرقتها العسكرية الزعيم ناظم الطبقجلي . . و اعلن عن انتصار و اعلان الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة و اليمن ؟؟

الاّ ان الانقلاب فشل ساعة اندلاعه على يد القوات المسلحة الشرعية و القوة الجوية التي اعلنت ولائها مجدداً للزعيم و للحكومة الشرعية في بغداد، وبدعم و مشاركة منظمات الحزب الشيوعي، القاسميين، الديمقراطي و البارتي اضافة لدعم عدد من فصائل المقاومة الشعبية، لأن قسم من فصائلها هناك كانت تعود للقوى القومية و البعثية المشاركة بالانقلاب، يوم كان الإنتماء لها طوعياً لكل مواطن بغض النظر عن اتجاهه . .

فشل انقلاب الشواف الذي قُتل اثناء الانقلاب . . الاّ انه فتّح قروحاً و جروحاً في البلاد من اقصاها الى اقصاها و ترك ندبات قد لا تُمحى لسنوات طويلة، لكونه كان التحديّ الاول للزعيم، من القوات المسلحة و بالذات من رفاقه من الضباط الاحرار . . فتصاعدت النزاعات المحلية و اعمال الاغتيال و تزايد بروز الاشقيائية في محلات بغداد . .

و تحوّلت مقاهي الأعظمية ذات الاتجاه الناصري القومي الى شبه مآتم حين كان يشاهد جالسوها محاكمات المتهمين بانقلاب الشواف من عسكريين و مدنيين في جلسات محكمة الشعب المنقولة على الهواء في التلفزيونات، بل و تحوّلت الى شبه مظاهرات قاد اغلبها اشقياء و قوميون و بعثيون متطرفون . . نادت بسقوط الزعيم و المهداوي رئيس المحكمة و هاجمت المحلات و حاولت الهجوم على رجال الشرطة و الانضباط العسكري . . و دقّت انذاراً للانتقام من كل من ايّد الزعيم و البدء في الاعظمية !!

. . . .

. . . .

                                                                                           خليل ابو الهوب

                 

في تلك الظروف الكثيرة التعقيد، برز من عالم الشقاوات المأجورين و القتلة . . في عالم السياسة العراقية، اسم الشقي النبيل خليل ابو الهوب " خليل ابراهيم العبيدي " (ابو سرحان) من فقراء محلة السور ـ الفضل البغدادية الذي امتاز بشجاعته و قيمه النبيلة في دعم الفقراء و المعوزين و العوائل المحرومة و الدفاع عنها و عن حقوقها، و كان سنداً حقيقياً لكل من لاذ به . .

و قد نشأ نشأة اي شقي آخر، من حياة الفقر و الحرمانات . . الاّ انه كان يحمل اخلاقاً و مُثُلاً جعلت منه راية بارزة تحمل الخير، راية نبعت من العالم السفلي الإجرامي . . كان محكوماً بجريمة قتل عادية و كان يقضيّ محكوميته في سجن بغداد المركزي في قاعة السجناء العاديين المحكومين بسبب جرائم قتل و غيرها من الجرائم العادية.

                  و قد دأبت سلطات العهد الملكي على استخدام السجناء العاديين للاعتداء و لضرب السجناء السياسيين الشيوعيين الذين احبّهم خليل ابو الهوب لحسن تعاملهم معه و احترامهم ايّاه و وجد فيهم من كان يبحث عنهم . . رجال ذوو رجولة و حنكة و وفاء لأهلهم و لشعبهم، و ذوو علم و معرفة و اخلاق، و مثلما انجذب لهم انجذبوا له و احبوّه . .

                  في احد الأيام عمل رجال (الحرس الخاص) للسجن مكيدة للسجناء الشيوعيين ليقوم السجين العادي الخطر محمود قرداش و جماعته بمهاجمتهم في القاعة، بأنواع الهراوات و الاسلحة الجارحة، فتصدىّ له خليل ابو الهوب الذي سبب له الفزع و جمّد جماعته، لكبر اسمه و هيبته و سمعته في الشجاعة و الإقدام، و نزل فيه ضرباً موجعاً، جعل الحراس الاغبياء يسعون لإنقاذ قرداش منه. و تسبب ذلك بمواجهة ابو الهوب تعذيباً قاسياً و زيادة في عقوبته و اتخاذ ادارة السجن موقفاً معادياً له، و تمّ نقله الى سجن الكوت حيث تلقّفه السجناء الشيوعيون هناك كرفيق عزيز عليهم و اهتموا بتعليمه و ثقافته و توطّدت الصلات و المحبة و الاحترام بينهم . .  

                  و لم تقصّر العوائل البغدادية بزيارة ابو الهوب في سجن الكوت، ابو الهوب ذلك الشقي الذي ترك اثرا واضحاً في مناطق نفوذه وهي مناطق الفضل وما يحيط بها من احياء مثل العزة والجوبة والمعدان وسيد عبدالله وشارع الشيخ عمر الصنائعي و غيرها من المحلات و المناطق التي كانت تعيش بأمان تحت حمايته، و لانضباط اشقيائييها رهبة من مكانته . . .

الرهبة التي تكوّنت من ان هذا الشقي النبيل لم يأخذ خاوة او اتاوة يوماً من معوز او محتاج، بل كان ما يجنيه من الاغنياء لا يبخل به على محتاج . . . ولم يكن شقياً مؤذياً او ظالماً بل شقي يتحلى بخلق رفيع وكرم فاض بجوده على المحتاجين ، و حيكت حوله مئات الحكايات التي مجّدت دوره و حياته و مُثُله.

و اثر ثورة 14 تموز ، حين بدأ المجتمع بالتغيّر نحو الأمام و وفّر اجواءً جديدة عمقت الشعور العالي بالوطن والاحساس بالوطنية بعد ان تعرّض ابان العهد الملكي الى انحرافات وسلوكيات بعيدة عن قيمه واخلاقه، و بتلك الأجواء ساهم خليل ابو الهوب والمئات من كوادر وقيادات اليساريين والديمقراطيين بمحاربة السلوكيات الخاطئة واحلال قيم الثورة ومبادئها في الخبز و الحرية و نحو العدالة الإجتماعية . .

حيث تحولت عشرات المقاهي الشعبية الى مقرات لاتحاد الشبيبة الديمقراطي القريب من قوى اليسار و الديمقراطية، لتشكل منتديات ثقافية داعمة للثورة ومنجزاتها، و انتشرت اخبار ابو الهوب بأنه كان احد المساهمين البارزين في تحويل المقاهي (المشبوهة بالتعامل بالممنوعات) الى مقرات للشبيبة وبذلك ساهم بسد طرق الانحراف والرذيلة وحوّل تلك الاماكن الى منتديات تربّي على الوطنية وتبني ثقافة المجتمع الجديد الخالي من (الادمان والمقامرة والمخدرات).

و بشعبيته و تواضعه و نفوذه الواسع في عالم الأشقياء، و لصدقه في التعامل و جرأته، و حزمه بحق المذنبين و الإعتدائيين . . استطاع ايقاف العديد من الأشقيائية المأجورين عند حدّهم في محاولاتهم لمهاجمة الناشطين اليساريين و الديمقراطيين . . و بنشاطه النقابي و بعيداً عن البهرجة و المظاهر و المرافقين . . انتخب رئيساً لنقابة عمال النقل، ثم عضواً بارزاً في المكتب التنفيذي للاتحاد العام لنقابات العمال في العراق . . (يتبع)

 

عرض مقالات: