/
/
/
/

في كل عام حينما يأتي شهر تشرين الأول أتذكر بألم أنني فقدت صديقين عزيزين من أصدقائي، فأقوم بإخبار ما حل بهما وكيف انتهت حياتهما الى المقربين من عائلتي فيتألمون عليهما وخاصة زوجتي.. ولأنهما في عز مرحلة الشباب فأن مصابهما أكثر قساوة وألم .. ولنأتي على ذكرهما حسب تسلسل اليوم وليس سنة الوفاة ..لذلك سوف أتطرق بإختصار الى الفقيد الغالي ستار گناوي إبن مدينة الناصرية والكادر الطلابي المعروف الذي ولد فيها سنة 1961 من أسرة كادحة لأب بسيط يعمل بدكانه الصغير الذي فتحه من داخل بيته ليطل به على الشارع الفرعي الذي يقع خلف شارع الحبوبي في مركز المدينة, وفي هذا الشارع الصغير نشأ الفقيد ستار وترعرع، وحينما شب بدأ يساعد والده في عمله حيث كان هو الأكبر من بين اخوانه وأخواته.
كان الفقيد ستار متفوقاً في دراسته وكان شغوفاً بمطالعة الكتب وتثقيف نفسه بالقصص والروايات والشعر الذي كان يحبه كثيراً وخاصة ما كان ينظمه الشاعر سعدي يوسف وبرزت لديه في وقت مبكر اهتمامات صحفية. وفي مجال العمل الديمقراطي انضم الفقيد في وقت مبكر لاتحاد الطلبة العراقي العام وإحتل فيه مواقع متقدمة ثم ما لبث أن ترشح للحزب الشيوعي العراقي وهو في سن ال 17 وعمل في الخلايا الطلابية باسم سامر وهو اسمه الحزبي، وحينما أنهي دراسته الثانوية تم قبوله في احدى الجامعات لكنه للأسف إضطر لقطع دراسته ربيع عام 1979 بسبب إشتداد الحملة على الشيوعيين والعناصر الديمقراطية من قبل إجهزة الامن وملاحقاتهم اليومية له ولغيره من المناضلين للقبض عليهم وإنتزاع الاعترافات منهم وتسقيطهم ...! مما إضطره للاختفاء وترتيب مسألة سفره للخارج بمساعدة رفاقه الشيوعيين حيث أنه تمكن من التوجه الى جمهورية بلغاريا الشعبية والتحق بإحدى جامعاتها في العاصمة صوفيا ودرس الفلسفة وتفوق في دراسته وتخرج حاصلاً على درجة الامتياز والتي تؤهله لاستكمال دراسته العليا , وكانت لديه مقالات وكتابات فلسفية ناضجة ومفيدة للباحثين والقراء، وكان الفقيد يأمل بنشرها لولا القدر اللعين لاحقه للأسف وأقدم في يوم 8 تشرين الأول عام 1986 على الانتحار بأن رمى بنفسه من أحد طوابق القسم الداخلي العليا، وبعد حوالي أسبوع وفي مراسيم جنائزية شارك بها البلغار بالعزف الحزين بالإضافة الى مئات العراقيين والعرب تم دفنه يوم 15 تشرين اول في مقبرة صوفيا الرئيسية مخلفاً الماً ولوعة لرفاقه وأصدقائه ومحبيه الكثر الذين عرفوا فيه خصاله الإنسانية الراقية من دماثة الخلق الى الوعي المبكر بالسياسة والنضج الثقافي وقد شاركوا جنازته بموكب مهيب وكبير ..وقبل عملية الدفن كنت أنظر اليه وهو مسجى بملابس جديدة ونظيفة وكان حليق الذقن معطر وهذه كانت عادة البلغار قبل دفنهم للموتى, كان فقط مغمض العينين وكأنه نائم وليس ميت ..كنت أنظر اليه وأسترجع معه ذكرياتنا في الناصرية وسفراتنا التي ينظمها اتحاد الطلبة، وعملنا في الحزب وفي الصحافة وندوات المقر وحفلاتنا فيه وكم تمنيت تلك اللحظة أن ينهض ويبتسم ويقول ..أنني قد كذبت عليكم ولم أمت بل كان هذا مجرد دور لي في مسرحية ..!! كان فقدان الصديق الغالي ستار خسارة لي ولكل من عرفه وخسارة لأهله الذين كانوا في إنتظاره وعودته إليهم سالماً وفي يده شهادته الجامعية ...!
وصديقي الثاني أنسان في منتهى الروعة والخلق العظيم، فنان تشكيلي من الطراز الأول.. إنه الشهيد أسعد لعيبي المولود في محافظة البصرة عام 1956 والذي ترعرع فيها ودرس الابتدائية والثانوية، ومنذ سنوات شبابه الأولى إنضم الشهيد أسعد للحزب الشيوعي العراقي وقبل ذلك بسنوات عمل في صفوف اتحاد الطلبة العام.. ولما إشتدت الحملة البغيضة من قبل النظام البعثي البائد , كان الشهيد أسعد من بين الذين تمت ملاحقتهم مما إضطره لمغادرة بلده الذي كان يحبه بجنون وسافر الى بيروت صيف عام 1979 مروراً بدمشق وفي بيروت انضم كما الكثير من الشباب الشيوعيين للتنظيمات العسكرية التابعة للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين وتدرب على سلاحB 10 والأسلحة الخفيفة تمهيداً للعودة الى كردستان والمساهمة في حرب الأنصار التي كان يخوضها الحزب الشيوعي العراقي مع بقية الفصائل الكردية المسلحة، وحينما أنهى الدورة العسكرية لم يتم ارساله مع رفاقه الشباب الآخرين الذين سبقوه للالتحاق بفصائل حزبهم المسلحة في كردستان لأن قيادة الحزب في لبنان إستثنته ورشحته للدراسة في الاتحاد السوفييتي بالوقت الذي كان يحلم فيه بأن يحمل على كتفه سلاح حزبه الى جانب رفاقه في كردستان , طالبين منه أن يتهيأ للسفر وبدأ الشهيد أسعد يعد مستلزمات سفره لروسيا, لكن اليد الاجرامية إمتدت اليه في بيروت يوم 19 تشرين الأول عام 1980 وأغتيل برصاصات غادرة أطلقتها عليه زمرة تعمل في السفارة العراقية في بيروت وسقط مخضباً بدمه وهو في ريعان شبابه وفتوته وإهتماماته برسوماته المدهشة والتي شاهدت بعضاً منها حينما أفتتح له معرضاً في لبنان وكان منهمكاً بشرح بعض لوحاته للزائرين .
استشهد الفتى البصراوي الوسيم صاحب العينين الخضراوتين والابتسامة الخجولة الرقيقة صاحب الكلام العذب والأخلاق الرفيعة.. إنه بحق إنسان رائع وبكل المواصفات التي يتمناها الانسان لنفسه.
المجد للذكرى الأربعين لاستشهاد أسعد أبو جنان ولكنني أسأل.. ألم يحن الوقت لمعرفة من هم هؤلاء المجرمون الذين أزهقوا روحه الغضة في عز النهار في مدينة بيروت الصاخبة بالحركة.؟! ومتى ستطالهم يد العدالة العراقية.
حقاً لقد ترك فراق ستار وأسعد الماً وغصة في قلبي لن تنتهي ابدا! مهما طال الزمن.. أنهما صديقان نادران بكل معنى الكلمة.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل