/
/
/
/

ليس من الدقة والموضوعية ان يتجاهل عدد من المسؤولين عن التظاهرات التي نشهدها في العراق اليوم، والتعامل معها بالعنف بعد ان كانوا قد تجاهلوها.
نعم، ليس من المنطقي ان يتم تجاهل هذه التظاهرات بوضع رؤوسنا في الرمال، كما تفعل الزرافة، في ظن منها ان أحدا لن يراها.
التظاهرات سلمية، هذا هو خطابها الأسمى والاهم والارقى، فقد جاءت لكي تبني لا لكي تهدم، ونقول بصوت صائت لا لكل السلبيات التي نرفضها جميعاً، شعبا وحكومة وبرلمانا ورئاسة وقضاء.
وما من أحد من المتظاهرين، دعا الى اشعال فتنة طائفية او حرق نخلة في وطن احرق البعض من المسؤولين نخيله للاستيلاء على ارض زراعية.
سلمية التظاهرات، لا بد ان تحترم، بوصفها تشكل الخطاب الراقي في رفض الفساد والظلم الذي لحق بشرائح اجتماعية واسعة، باتت تعيش دون مستوى خط الفقر..
وليس بوسع احد القبول بهذا البون الشاسع الذي يقسم المجتمع الى طبقة تتمتع بالحياة المرفهة بكل اشكالها، فيما تعيش طبقة اجتماعية موازية في حالة عجز عن سد رمقها..
سلمية التظاهر، خطاب متحضر، وصوت عالٍ.. لا ينبغي اسكاته بالقوة، فهذه الشبيبة.. شعبنا وأبناء جلدتنا ونبت وطننا الذي لا ينبغي وأده بخطاب متشنج قاس يقلل من شأنه ويشوه صورته، ويعمد الى التعامل معه بقسوة الرصاص والغازات، ولا حتى ادانته بالعمالة لدول اجنبية، او انه يريد ان يقود البلاد الى الفوضى والى المجهول.
المهم ان نعترف ان كانت هذه الجموع السلمية على حق في مطالبها ام لا؟ شرط ان لا يتم النظر الى مطالب المتظاهرين بوصفها تنال من مصالحهم ومكاسبهم ومواقعهم التي يعتقدون انهم حصلوا عليها انتخابياً..!
المتظاهرون لا يريدون اغتصاب كرسي احد، ولا ما تيسر للآخرين من رزق حلال، ولا وجاهة تبدو على سيماهم..
لا.. وانما هم يريدون من بيدر الحنطة.. رغيفاً، ومن نبع الماء .. قطرة، ومن الهواء العليل.. نسمة، ومن دفء الشمس.. اشراقة. فكيف تعدل بين حاجات حقيقية، بات الصبر منها لا يصبر، وبين تخمة زادت حدودها حتى بدأت تشكل قلقاً على أصحابها؟
الامر فيه حاجة ماسة الى التأمل والمراجعة.. وهذه المراجعة تقول: .. لا يمكن ان يكون أطفالنا بلا مدرسة، ومرضانا بلا علاج، وارضنا جافة تعاني من ظمأ، وليس من بيت نطمئن الى الاستقرار فيه، ولا رزق موفور نسد به جوعاً طال امده.. والأهم من ذلك حاجتنا الملحة الى وطن آمن، وطن غير مسلوب الإرادة، او تتحكم فيه فئة او جماعة دون سواها من العراقيين الذين ولدوا من جذر العراق وشربوا من رافديه..
لنحسن الظن بهذا الشعب الذي بات يدرك ماله وما عليه، وهو ادراك حياة واقعية يتلمسها يومياً، وليس بغافل عن تفاصيلها – كما يعتقد البعض، لذلك.. نرى ان النار لا يمكن اخمادها بنار أخرى، بنار القسوة والكراهية والادانة وتشويه صورتها وتخريب توجهاتها السلمية.. فالعنف على مر التاريخ لا يولد الا العنف، والشرارة ان اشتعلت لا تنطفئ، وهذا ما نخشاه جميعاً ونحذر منه، وندعو الى سلميته وحفظ امنه، وليس بإلحاق الأذى وحصاد المزيد من الشهداء والجرحى والمعاقين والمخطوفين والمعتقلين.. وهذا ما حصل في الناصرية والنجف وبغداد..
الحكمة موقف عقلاء القوم، ومباركة الانسان لانسانيته، وليس القسوة عليه او استخدام العصا الغليظة ضده وكتم صوته.. الوعي من كل الأطراف لا يخرج عن اطار: حقوق مشروعة، وحلول عقلانية تمتلك مصداقيتها وارادتها الحكيمة..
فهل نصغي الى حكمة العقل ونسمو بأنفسنا عن استخدام القوة التي لا تحمد عقباها.. هل؟ هل نتعلم حكمة ان نتعامل مع الواقع بواقعيته؟

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل