/
/
/
/

عندما تقوم بلدان العالم باجراء التعدادات السكانية (بصورة منتظمة فلانها تدرك تماما ان الحياة الاقتصادية والاجتماعية وتطورهما يتوقفان على مخرجات هذه التعدادات (الاحصاءات السكانية) من ارقام تنبض بالحياة وتتحول الى قاعدة ترسى عليها الخطط الخمسية والعشرية وعمليات التنمية المستدامة فيما تحولت عندنا الى واحدة من حكايات الف ليلة وليلة بسبب مواقف وسياسات خاطئة ادت الى تمييع توقيتاتها.
واذا اخذنا بعين فاحصة تصريحات رئيس مجلس الوزراء التي يؤكد فيها على اجراء عملية التعداد العام للسكان والاستعداد على اعلى المستويات لتنفيذ ما خططت له وزارة التخطيط بتنفيذ هذه العملية في خريف عام 2020، بعد مرور ثلاثة وعشرين عاما على آخر احصاء سكاني جرى في عام 1997 وولد ميتا لان ظروف تلك الفترة لم تكن سانحة، فهل يستطيع الجهاز التنفيذي المتعب تنفيذ هذا التعداد وتجاوز المعوقات التي حالت دون تنفيذ ثلاثة من الخطط الخمسية واثنتين من خطط خفض معدلات الفقر؟
في العراق كانت عمليات الاحصاء حاضرة منذ عهد السومريين واستمرت في العصور اللاحقة الا انها لم تكن سوى روايات وأحاديث تفتقر الى التوثيق باستثناء التعدادات الثمانية التي جرت في القرن الماضي والتي كانت الاولى منها الأعوام 1927، 1934، 1947، 1957. وهذا الاخير كان الافضل من بين الجميع من حيث دقته وسريان العمل في سجلاته الى يومنا هذا اما الاحصاءات اللاحقة لأعوام 1965 و1977 و1987 و1997 فاقتصرت الفوائد من بعض ارقامها على أغراض محدودة كعدد السكان وتصنيفهم بين ذكور واناث وتوزيعهم على اساس المحافظات وسواها من المعطيات التي تحتاج الى دراسة اوسع.
ان الامر المهم في كل تلك العمليات الاحصائية هو تقييم هذه السلسلة من التجارب والوقوف على ابرز المعوقات التي حالت دون تحويلها الى محطات تنقل البلاد في النواحي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الى مصاف الدول التي شهدت طفرات نوعية لم تكن بداياتها افضل من الحالة العراقية. واية مخططات حكومية لم تأخذ في عين الاعتبار الدروس المستخلصة من عمليات التعداد السابقة سوف يكون مصيرها الفشل لا محالة وخاصة المعوقات التي واجهت هذه العمليات والتي تجد تعبيرها في شكل الاستمارات الاحصائية المعتمدة في معظم التعدادات والتي ترتبت عليها نواقص في البيانات الملائمة للخطط المستقبلية التي ترسمها الدولة، زمانيا ومكانيا، بالإضافة الى الشك في صحة ارقام ومعطيات التعداد بسبب طرق التعداد المباشرة او غير المباشرة والجهل في املاء هذه الاستمارات من قبل المواطنين، والتغيرات المستمرة في حركة السكان وفي الحدود السياسية والادارية الداخلية والمشكلات الامنية والسياسية وطبيعتها التي تحول دون شمول التعداد كامل الجغرافية العراقية.
ان الدولة وهي تحث الخطى باتجاه تنفيذ عملية التعداد السكاني العام في التوقيت المعلن مدعوة لتوظيف هذه العملية الكبرى لتأسيس قاعدة متينة لبناء دولة مدنية في اطار عراق ديمقراطي اتحادي تعددي موحد آخذا بعين الاعتبار التجارب العالمية الناجحة، تعيد للمجتمع العراقي التوحد والانسجام والتآخي بين طوائفه انطلاقا من روح الدستور ومن اجل كل ذلك نقترح ما يلي:
• الالتزام بالتوصيات العلمية والبرامج السكانية التي تصدرها الدائرة السكانية التابعة للأمم المتحدة عن طريق التنسيق مع المنظمات الاممية ذات الاختصاص في هذه العمليات ومتابعتها عن طريق الدوريات والمجلات التي تتعلق بكيفية اجراء التعداد والخطوات اللازمة لإنجاحه.
• وضع التشريعات الناظمة لعملية التعداد السكاني على اسس مدنية حضارية وابعاد الاستمارات الاحصائية عن كل ما يثير النعرات الطائفية والاثنية التي ارهقت العراقيين واججت بينهم الصراعات الدموية بتحريض خارجي.
• توعية المواطنين بأهمية التعداد في عملية الاصلاح المجتمعي وتدوين المعلومات الصحيحة في الاستمارة الاحصائية من خلال التعبئة الاعلامية الواسعة لرفع مستوى الوعي العام بأهمية التعداد وانعكاساته على تطور العراق وضمان وحدته والاستعانة بمنظمات الامم المتحدة ذات الاختصاص في مراقبة هذه العملية لدرء محاولات التزوير.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل