توطئة: في بحثي عن الموازنات العراقية وجدتُ فرقا مفصليا بين عهد التأسيس الملكي في 1921 موازنات حقيقية وواقعية ليس بالضرورة أن تكون من مجموعة أرقام لأعلام دعائية ، بل كانت مرأة للوضع الأنثروبولوجي الجمعي القائم بالرغم من عدم معرفة ( النفط) الكارثة التي أصبحتْ لاحقا من مصادر الطاقة ، حينها اعتمدت  المملكة العراقية على موارد ما تجود بهِ أرض السواد من الزراعة والضرائب فقط ، وعند الحاجز التأريخي المفصلي 2003 أنتقل العراق من دولة شبه منتجة إلى دولة استهلاكية واتكالية تعاني مرارة الصراع الطبقي بفعل تطبيق السياسة الديماغوجية الفجة ، ولآن السياسة: هي علم المراوغة والمكر للحصول على مكاسب ، الرابح فيها هم حيتان اللعبة القذرة ، والخاسر هم جموع الشعب ، لذا يمكن القول بأن السياسة حرفة والوطن رسالة ، والسياسة دهاء والوطنية إخلاص ، والسياسة دراسة والوطنية فطرة ، والسياسة اجتهاد والوطنية جهاد ، والسياسة تطوع والوطنية واجب ، وأخيراً السياسة منصب والوطنية نصُبْ تذكاري ، وقال فيها : عظماء وقادة أقوالٌ مأثورة :* السياسة فن السفالة الأنيقة (أنيس منصور ) * السياسة فن الخداع تجد لها ميداناً واسعاً في العقول الضعيفة ( فولتير ) * في السياسة أذا كنت لا تستطيع أقناعهم فحاول أن تسبب لهم الارتباك ( ترومان ) * السياسة فن الخباثة يكون فيها من الضروري الضرب تحت الحزام ( شارل ديغول ) .

الموضوع : الموازنة هي التخطيط للاستخدام الأمثل للطاقات المادية والبشرية ، وتنمية أكبر قدرة من الموارد عن طريق العمل في تخطيطها واستخداماتها لفتراتٍ مالية مقبلة ، وبتعبير اقتصادي أدق : ترقى لتعبير رقمي ( كمي وقيمي ) عن الخطة المستعملة لفترةٍ مالية مقبلة وهي بذلك تحقق هدفين رئيسيين هما ( التخطيط والتنسيق – والرقابة وتقويم الأداء ) ، وهي تلبية وطنية ضرورية لاستحقاقات واجبة التنفيذ عبر متطلبات بناء البلد ، وتعني من الناحية النظرية أن تتضمن كافة المعاملات المالية للحكومة في أجمالي الإيرادات والمبالغ التي تتم أنفاقها والديون التي يجب سدادها ، أما الميزانية تعني : توضيح المركز المالي للمشروع وحساب فترة سابقة والأرقام فيها استخدمت فعلا ( صحيفة طريق الشعب الغراء – مارس 2026).

 أن حجم مشروع الموازنة العراقية  (217) ترليون دينار عراقي أي (166) مليار دولار أمريكي ، تبدو بالرغم من عجزها إنها الأعلى في تأريخ العراق ، انفجارية بالأرقام أعلاه للعام  2027  تعادل وتوازي ميزانيات 10 دول  مجاورة حيث تساوي ضعفي موازنة أيران وتساوي 8 مرات ميزانية الأردن وبنحو ضعف ميزانية الكويت وتساوي  ثلاثة أضعاف موازنة  سلطنة عُمان ونحو 12 ضعفاً لموازنة البحرين وكذلك تجاوزت ميزانية مصر التي بلغتْ مئة مليار دولار لهذا العام ، بينما تعادل ضعفي ميزانية ليبيا المضطربة أمنياً والغنية نفطا ، وبذلك يعتبر العراق ثاني أكبر منتج في منطقة الدول المصدرة للنفط ( أوبك ) ، كل هذا الغنى  في العراق (هو) رهين عبودية صندوق النقد الدولي ويشكو من عجز مالي يقدر بأكثر من  30  ترليون دينار، مع متلازمة انخفاض مستويات التعليم والصحة وتفشي البطالة والمحسوبية  في مؤسسات الدولة ، وتصنف هذه الموازنة { أنها موازنة اضطرارية وتصحيحية } كما يتوضح في سيمياء العنوان  تسعى حكومة الزيدي من خلالها تفادي التراكمات المالية وسد الفجوة النا جمة عن تعذر إقرار موازنة 2026 .

إن عجز موازنة 2027 أكثر من 30 ترليون دينار عراقي ( بتقدير دقيق (553, 30 ) ترليون دينار ، بواقع 45 ترليون دينار( استيرادات) مقابل 75 ترليون دينار( أنفاق) مصروفات الحكومة في نفقاتها التي تتجاوز الإيرادات بأكثر من ثلاثين ترليون دينار ، والعجز المالي في موازنة هذه السنة يفاقم الضغوطات المالية في العراق والتي هي : الرواتب والرعاية الاجتماعية حيث تشكل  78 % من النفقات ، علما أن الرواتب والرعاية الاجتماعية تستحوذان على الحصة الأكبر، وهذا العجز المالي يعود إلى انعدام هندسة الأنفاق الذي يخفض تطوير الإيرادات .

وأحدث أخبارها أمس 29-10- 2026 إنها على طاولة ألزيدي رئيس مجلس الوزراء  ، وتبين لي : إن موازنة   2027 تمر حاليا  بمراحل نقاش ومراجعة مكثفة  تناقش { اختلافات سياسية  ومالية وخاصة في النسب والتخصيصات} وحسنا فعل الزيدي في أ نهاء عقود 59 مستشارا حكوميا خطوة نحو ترشيد النفقات والاستعاضة بنواب يستغنون عن نفقات المستشارين ، والبرلمان على أهبة الاستعداد يستبق وصولها بمناقشات مستفيضة.

لماذا العجز؟ ولماذا الأستدانة !

وبعد مناكفاتٍ وصراعاتٍ مريرةٍ وجدالٍ دام أكثر من  مئة يوم من مدة حكم الزيدي رئيس مجلس الوزراء  الذي واعد الشعب العراقي  في تقديم موازنة 2027 في موعدها الدستوري نهاية ديسمبر من هذا العام ، ولكن للأسف إن جميع الكتل السياسية تنظر أليها كهدف انتخابي وليس مشروعا وطنيا يهم الأجيال القادمة  ، وهي الحقيقة حين تستغل الموازنة في أدارة ماكنة المصالح الطائفية والأثنية والمناطقية ، وارتياد الكافيتريا وتتجلبب برداء النرجسية الذاتية وبيافطة كُتب عليها ( لو ألعب لو أخرب الملعب ) حيث تتشابك الكبوة والصحوة والعتمة والضوء والجمود والخلخلة والسكون والحركة والحب والكراهية في اجترار فكري سمج ومقرف وفج ومزج لتلك النرجسية مع طفيليات وفايروسات الزمن المرْ بحصيلة أكثر وجعاً حين تعلو رايات المصالح الحزبية والهوياتية الشعبوية. 

- الارتهان للاستيراد ، الاقتصاد الريعي ، التلاعب بمصير الاحتياط النقدي ، غياب الضوابط الضريبية والكمركية على البضائع المستوردة ، عدم خضوع المنافذ الحدودية و بعض المطارات إلى سلطة الحكومة المركزية ، قلة مساهمة القطاعين الصناعي والزراعي في عملية التنمية  ، ربما تكون نسبة مساهمة الصناعة 1% والزراعة 3% ، غياب العامل الاستثماري في البلاد عموماُ ، البيروقراطية والمحسوبية والمنسوبية والفساد الإداري والمالي ، ارتفاع مؤشرات التضخم النقدي بسبب الكساد الاقتصادي والبطالة والفقر ، الإرث الثقيل من النظام البائد في اقتصاد منهك غارق في حروب عبثية ومديونيات ثقيلة للجارة الكويت مما أوقع العراق تحت البند السابع ذلك الثقب الأسود الذي أبتلع المليارات من أموال الشعب العراقي الذي لا ناقة له ولا جمل في تلك الحروب العبثية ، وغياب الولاء الوطني وتجيرهُ للولاء الكتلوي والفئوي والحزبي الذي كان ضحيته الاقتصاد العراقي الذي يشكل ديمومة من الأزمات على المواطن العراقي .

- ودخل العراق في النفق المظلم للصندوق النقد الدولي ، والعجز في الميزانية هو الذي دفع العراق لأحضان صندوق النقد الدولي والرضوخ لشروطها التعسفية والموجعة  وافق الصندوق على إقراض العراق مبلغ 482 مليون دولار ساري السداد للعام 2030 .

- مما أضطر العراق إلى اللجوء لصندوق النقد الدولي أو ما أسميه الصندوق الأسود مجازاً الذي جعل ارتهان أجيال المستقبل لديون ثقيلة  فاتوراتها عجز مالي يقدر بأكثر من 64 ترليون دينار عراقي ، وهنا تسكب العبرات حين يأتي ذكر صندوق النقد الدولي الذي يعتبر ذراع الرأسمالية الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية في وضع الدول الغارقة في الأزمات المالية في مصيدة هذا الصندوق الأسود ، وأجزم بأنهُ مصيدة للدول المبتلية بأزمات مالية  يكون أشرس المؤسسات الاقتصادية العالمية الذي هو( فخ )  لتطبيق السياسات الل ، باستغلاله خيبات الدول ا لعاثرة بأزمات اقتصادية ليقرضها أموالا للإنقاذ كما حدثت مع زامبيا في 2002 القرض مقابل وضع التعريفة الكمركية على المواد الزراعية وإغراق السوق بالمواد والسلع الزراعية  المستوردة مما أدى إلى ترك الزراعة والهجرة والبطالة  والفقر ، وحدثت مع الأرجنتين القرض مقابل ترسيمة كمركية على القمح مما أدى إلى أتجاه الفلاحين لزراعة المخدرات  بدل القمح ( (كتاب الاغتيال الاقتصادي للأمم لجون ديكنز ) .

-اقتصاد أحادي ريعي في الاعتماد على النفط بنسبة96% ، يعتبر العراق دولة ريعية منذ تأسيسه في عشرينيات القرن الماضي وقد تبد وكلمة الريعية تبشر بالنماء والازدهار ولكنهُا مسكناً مؤقتاً في تلبية الحكومة لمتطلبات الناس بسهولة ، فمعطيات الفجة للريعية وضعتْ العراق في ( مصيدة ) الديون لتصبح دولة استهلاكية .

- والاقتصاد العراقي أسير سياسات الدول والأمر الخطير الواضح اليوم هو( سياسة الإغراق ) للسوق العراقية بكمٍ هائل من المنتجات من دول الجوار والعالم( أيران بالدرجة الأولى وتركيا بعدها ودول الخليج ومن الصين ) ، وليس بالضروري أن تكون البضاعة جيدة المهم هنا الربح فقط ، وبلغت نسبة المنتجات المستوردة 96 %أنها نسبة خطيرة فعلاً بجعل الاقتصاد العراقي مر

 ملاحظات نقدية لموازنة 2027

-الموازنة تجاوزت الموعد الدستوري 15-10 -2026في أرسالها للبرلمان العراقي .

- خضعت للمناقشة كمسودة في مجلس الوزراء بغياب الحسابات الختامية التي تخص الموازنة السابقة فهي مخالفة دستورية ( رائد فهمي) .

- إن أغلب الكتل السياسية والأحزاب تنظر أليها كهدف انتخابي وليس مشروعا يهم مستقبل الأجيال  .

- الدولة العراقية تستدين لكي تستهلك لا لتبني أو تستثمر ، ولذا أتجه الزيدي إلى التصحيحية لموازنة 2027 كما أشرتُ سيمياء عنوان البحث في محاولة جادة  معالجة سوء الأنفاق في الموازنة .

كاتب وباحث وناقد أدب

تشرين ثاني 2026ا.