
يضعنا كتاب الدولة الموازية: السيستاني والمرجعية الدينية، للمفكر أحمد الكاتب، الصادر في طبعته الأولى سنة 2026، أمام إشكالية تتجاوز الحدود التقليدية للبحث في العلاقة بين الدين والسياسة، لتلامس واحدًا من أكثر الأسئلة الفلسفية عمقًا في تاريخ الفكر الإنساني، وهو السؤال المتعلق بكيفية تحول المعرفة إلى سلطة، وتحول الاعتقاد إلى شرعية، وتحول التفسير الديني إلى مؤسسة تمتلك القدرة على التأثير في المجال العام. فالكتاب، الذي يقع في نحو 367 صفحة في نسخته الإلكترونية، لا يقتصر على دراسة مواقف المرجع الديني السيد علي السيستاني من الدولة العراقية، وإنما يسعى إلى تفكيك الأسس التاريخية والعقائدية والفقهية والمؤسسية التي أتاحت للمرجعية الدينية أن تصبح قوة اجتماعية وسياسية مستقلة، تتعايش مع الدولة الدستورية، وتؤثر في قراراتها، وتحتفظ في الوقت نفسه بمصادر خاصة للمشروعية والنفوذ. ومن هنا تبدو قراءة هذا العمل في ضوء فلسفة المعرفة مدخلًا مختلفًا لفهم أطروحته، لأنها تنقل الاهتمام من سؤال السلطة التي يمارسها الفقيه إلى سؤال أسبق منه: ما طبيعة المعرفة التي يستند إليها الفقيه في ممارسة هذه السلطة، وما شروط صدقها وتبريرها، وأين تنتهي حدود الاختصاص المعرفي وتبدأ حدود التفويض السياسي؟ إن أهمية هذا التحول المنهجي تكمن في أنه يتيح النظر إلى المرجعية الدينية بوصفها مؤسسة لإنتاج المعرفة وتداولها وإضفاء المشروعية عليها، قبل النظر إليها بوصفها مؤسسة ذات نفوذ اجتماعي أو سياسي. وهكذا يصبح الكتاب مناسبة لفحص العلاقة المعقدة بين الحقيقة والتفسير، وبين اليقين والاعتقاد، وبين السلطة الرمزية والمؤسسات الدستورية، وهي علاقة لا تخص التجربة العراقية وحدها، بل تتصل بتاريخ طويل من التفاعل بين المعرفة المقدسة والتنظيم السياسي للمجتمعات البشرية.
من المعرفة الدينية إلى احتكار تفسير الحقيقة
تبدأ الأهمية المعرفية للكتاب من محاولته إعادة بناء التاريخ السياسي الشيعي، عبر تتبع التحولات التي طرأت على مفاهيم الإمامة والنيابة والولاية والمرجعية، وصولًا إلى الصيغ المعاصرة للعلاقة بين الفقيه والدولة. ويخصص المؤلف الباب الأول لاستعراض اتجاهات متعددة في الفكر السياسي الشيعي، من مواقف السيد محسن الحكيم ومحمد الشيرازي ومحمد باقر الصدر إلى ولاية الفقيه عند الخميني، ثم ينتقل إلى تجربة السيستاني بوصفها نموذجًا يختلف عن الانعزال السياسي التقليدي وعن ممارسة الحكم المباشر باسم ولاية الفقيه. وتكمن القيمة الفلسفية لهذا البناء في أنه يكشف أن الشرعية الدينية ليست مفهومًا ثابتًا خارج التاريخ، وإنما هي حصيلة عمليات متعاقبة من التأويل وإعادة التفسير وتوسيع الاختصاصات. ومن منظور فلسفة المعرفة، يمكن النظر إلى هذه التحولات باعتبارها انتقالات في أنظمة تبرير السلطة، حيث لا يتغير مضمون الحكم السياسي وحده، بل تتغير الأدلة التي يُستند إليها في إثبات مشروعيته. ففي مرحلة تُستمد الشرعية من النص على الإمام، وفي مرحلة أخرى من النيابة المفترضة عنه، وفي مرحلة ثالثة من أهلية الفقيه العلمية، ثم يظهر الاعتراف بالانتخاب الشعبي بوصفه مصدرًا للمشروعية السياسية. ولا ينبغي التعامل مع هذه المراحل بوصفها انتقالًا خطيًا متفقًا عليه بين جميع المدارس الشيعية، بل باعتبارها خريطة تفسيرية يقدمها المؤلف لمسار تاريخي متنازع عليه.
إن السؤال الذي تثيره هذه الخريطة يتصل بالتمييز بين الاعتقاد والمعرفة، وهو تمييز أساسي في الفلسفة التحليلية المعاصرة. فليس كل اعتقاد راسخ معرفة، ولا تتحول القناعة إلى حقيقة لمجرد انتشارها الاجتماعي أو استنادها إلى تقليد تاريخي. وقد كشفت مناقشات إدموند غيتييه، منذ مقالته الشهيرة سنة 1963، أن اجتماع الاعتقاد والصدق والتبرير لا يكفي دائمًا لإنتاج معرفة محصنة من المصادفة والخطأ. وإذا استثمرنا هذا التمييز في قراءة الكتاب، وجدنا أن المؤلف لا يناقش السلطة الدينية من حيث نتائجها السياسية فحسب، بل يحاول مساءلة المقدمات المعرفية التي تستند إليها، ولا سيما الاعتقاد بالنيابة العامة عن الإمام الغائب، وحدود الاستدلال بالنصوص والروايات، ومشروعية انتقال سلطة التفسير إلى سلطة الإلزام. غير أن النقد المعرفي الدقيق يقتضي بدوره التمييز بين ثلاثة مستويات: صدق الاعتقاد الديني، وصحة الاستدلال الفقهي داخل منظومته، ومشروعية النتائج السياسية المترتبة عليه. فقد يكون الاستدلال متماسكًا وفق مقدمات مذهبية معينة، دون أن يعني ذلك أن نتائجه ملزمة لجميع المواطنين في دولة متعددة الانتماءات. وهذه المسافة بين التماسك الداخلي والمشروعية العامة هي التي تمنح الكتاب أهميته بوصفه مادة قابلة للقراءة الإبستمولوجية.
الشك المنهجي وإعادة فحص مصادر اليقين الفقهي
يتخذ الكتاب موقفًا نقديًا واضحًا من بعض الأسس العقائدية والفقهية التي تقوم عليها المرجعية الدينية المعاصرة، ويبلغ هذا النقد ذروته في الباب الرابع، حيث يناقش المؤلف العلاقة بين الرواية والنص القرآني، وموقع أخبار الآحاد في الاستنباط، وإشكالية الغلو في المكانة المنسوبة إلى الأئمة، ثم ينتقل إلى أمثلة فقهية تتعلق بصلاة الجمعة والعدة وإرث الزوجة. وهذه الموضوعات، على اختلاف طبيعتها، يجمعها سؤال معرفي واحد يتعلق بمعايير قبول الدليل، ومراتب الحجية، والكيفية التي تنتقل بها الرواية من خبر تاريخي منقول إلى حكم فقهي ملزم. ومن هنا يمكن قراءة هذا الباب في ضوء الشك المنهجي الذي ارتبط بديكارت، لا بمعنى التشكيك المطلق في الدين، وإنما بمعنى تعليق التسليم بالمقدمات حتى تُفحص الأدلة التي تستند إليها. فالمعرفة لا تكتسب مشروعيتها من قوة حضورها في الذاكرة الجماعية وحدها، وإنما من قدرتها على تقديم مسوغات يمكن مناقشتها وتقويمها.
ومع ذلك، فإن القراءة النقدية للكتاب نفسه تقتضي تطبيق المعيار المعرفي ذاته على أحكام المؤلف. فهو يصف بعض الاتجاهات الفقهية بأنها امتداد للمنهج الأخباري، ويصل بينها وبين نتائج تشريعية واجتماعية يراها إشكالية. لكن التمييز التاريخي بين المدرستين الأخبارية والأصولية ضروري هنا، لأن اعتماد الروايات في الاستنباط لا يجعل الفقيه بالضرورة أخباريًا بالمعنى الاصطلاحي، كما أن الخلاف حول حجية الخبر يتضمن تفاصيل تتعلق بالسند والدلالة والتعارض وقواعد الترجيح. ولهذا فإن قوة النقد لا تتوقف على كشف النتائج المختلف عليها، بل على إثبات أن المنهج الذي أنتجها يعاني خللًا معرفيًا يمكن تحديده بدقة. ومن الضروري أيضًا التمييز بين نقد فتوى بعينها، ونقد منظومة الاستدلال التي أفضت إليها، والحكم على المؤسسة الدينية بكاملها. فالتعميم من نماذج محددة إلى وصف شامل يحتاج إلى برهان إضافي، وإلا تحول النقد نفسه إلى صورة من صور اليقين الذي يسعى إلى مساءلته. وتبرز في هذا السياق أهمية الذاكرة بوصفها مصدرًا للمعرفة الدينية والتاريخية. فالمؤسسات الدينية تعتمد على تراكم الروايات والسير والتفاسير والاجتهادات، وتستمد جزءًا مهمًا من سلطتها من قدرتها على حفظ هذا الموروث ونقله بين الأجيال. لكن الذاكرة ليست تسجيلًا محايدًا للماضي، وإنما عملية انتقاء وتنظيم وإعادة تفسير. ومن هنا تصبح دراسة تاريخ المرجعية مرتبطة بالسؤال عن كيفية تشكل الرواية المعتمدة، وعن أسباب ترجيح بعض الشهادات وإهمال غيرها، وعن العلاقة بين سلطة الناقل وقوة المنقول. وهذه الأسئلة لا تلغي قيمة التراث، بل تمنحه إمكانًا أوسع للفحص التاريخي، وتفتح المجال أمام التمييز بين الحقيقة التاريخية والتصور المذهبي عنها.
الدولة الموازية بوصفها بنية لإنتاج الشرعية
يمثل الباب الثالث المركز التحليلي للكتاب، إذ ينتقل فيه المؤلف من التاريخ السياسي والفكر الفقهي إلى دراسة البنية المؤسسية للمرجعية الدينية. ويتناول هذا الباب شبكة من الموضوعات تشمل الأسس العقائدية للمرجعية، وامتدادها العابر للحدود الوطنية، وموقفها من ممتلكات الدولة والقضاء والوصاية على القاصرين وعمل الشرطة، فضلًا عن القاعدة الاقتصادية التي تقوم عليها، ودور الخمس والموارد المالية في استمرار نفوذها. ويستخلص المؤلف من هذه العناصر وجود كيان مؤسسي موازٍ للدولة، يحتفظ بشرعية دينية مستقلة عن الشرعية الديمقراطية، ويمارس وظائف تتقاطع بدرجات مختلفة مع وظائف المؤسسات الحكومية. وتبدو هذه الأطروحة مهمة لأنها تتجاوز التفسير الشخصي للنفوذ، فلا تجعل المشكلة مرتبطة بشخصية المرجع أو مواقفه وحدها، وإنما بالبنية المعرفية والاقتصادية والاجتماعية التي تتيح استمرار السلطة المرجعية وانتقالها عبر الزمن.
ومن منظور فلسفة المعرفة الاجتماعية، يمكن فهم هذه البنية بوصفها نظامًا لإنتاج الثقة وتوزيع الاختصاص المعرفي. فالمؤمن الذي يرجع إلى الفقيه لا يعيد فحص جميع الأدلة الفقهية بنفسه، وإنما يعتمد على اعتقاده بكفاءة المرجع العلمية ونزاهته. وهذه العلاقة ليست استثناءً من الحياة العقلانية، لأن الإنسان يعتمد في معظم معارفه على شهادة الآخرين وخبراتهم. غير أن الإشكال يظهر حين تتسع الثقة المعرفية إلى تفويض سياسي غير محدد، أو حين تصبح مكانة الخبير مصدرًا لسلطة تتجاوز مجال اختصاصه. فالفقيه قد يمتلك أهلية رفيعة في تفسير الأحكام الشرعية، لكن هذه الأهلية لا تكفي وحدها لإثبات امتلاكه اختصاصًا شاملًا في إدارة الاقتصاد أو تنظيم القضاء أو تحديد خيارات الدولة الدستورية. وهنا تتحدد إحدى أهم النتائج التي يمكن استخلاصها من الكتاب: إن السلطة الموازية لا تنشأ بالضرورة من الاستيلاء المباشر على مؤسسات الحكم، بل قد تنشأ من توسيع نطاق الاعتراف بالخبرة الدينية حتى تصبح مصدرًا مستقلًا لتقرير الشؤون العامة. لكن مفهوم الدولة الموازية نفسه يحتاج إلى ضبط معرفي صارم. فليس كل استقلال مؤسسي عن الحكومة شكلًا من أشكال موازاة الدولة، كما أن وجود موارد مالية أو مؤسسات خيرية أو شبكات تعليمية مستقلة لا يكفي لإثبات وجود سلطة سياسية منافسة. ويقتضي استعمال المفهوم تحديد الوظائف التي تمارسها المؤسسة، وطبيعة إلزام قراراتها، ومدى خضوعها للقانون، وعلاقتها بالسلطات المنتخبة. ولذلك فإن الأطروحة التي يقدمها أحمد الكاتب تكتسب قوة تفسيرية حين تُربط بممارسات ووثائق محددة، لكنها تصبح قابلة للاعتراض إذا تحولت الموازاة من وصف مؤسسي قابل للاختبار إلى حكم شامل على كل نشاط ديني مستقل. ومن الضروري هنا التفريق بين سلطة التأثير الأخلاقي، وسلطة الوساطة الاجتماعية، وسلطة إصدار القرار القانوني الملزم، لأن الخلط بينها قد يؤدي إلى تضخيم مفهوم السلطة الموازية أو إضعاف قدرته التحليلية.
من نقد اليقين إلى أفق الشرعية الديمقراطية
تتجلى إحدى أهم مفارقات الكتاب في موقفه من تجربة السيد علي السيستاني بعد عام 2003. فالمؤلف يعترف بدور المرجعية في دعم الانتخابات وكتابة الدستور وتعزيز المسار الديمقراطي، لكنه يرى أن هذا الاعتراف بالإرادة الشعبية لم يصاحبه تحول كامل في الأسس الفقهية والمؤسسية للسلطة الدينية. وهكذا تظهر المرجعية، في قراءته، بوصفها مؤسسة تعترف بشرعية الدولة المنتخبة، وتحتفظ في الوقت نفسه بمصدر آخر للشرعية لا يستمد قوته من الاقتراع الشعبي. وتنبع أهمية هذه الملاحظة من أنها تكشف التوتر بين مصدرين مختلفين للتبرير السياسي: أحدهما يقوم على حق المواطنين في اختيار ممثليهم ومحاسبتهم، والآخر يستند إلى المعرفة الدينية والمكانة الاجتهادية والتقليد التاريخي.
ومن وجهة النظر الإبستمولوجية، لا يستلزم وجود مصدرين للشرعية أن يكون التعارض بينهما حتميًا، لأن المجتمع الديمقراطي يستطيع أن يضم مؤسسات دينية وثقافية وأخلاقية مستقلة، تشارك في تشكيل الرأي العام دون أن تحل محل الدولة. لكن التعايش يصبح إشكاليًا عندما لا تكون حدود الاختصاص واضحة، أو عندما تتحول المشورة الدينية إلى قرار سياسي لا يخضع للمساءلة. وهنا يمكن استحضار مفهوم العقل العمومي عند جون رولز، الذي يميز بين القناعات الشاملة التي يتبناها الأفراد والجماعات، والمسوغات السياسية التي ينبغي تقديمها عند اتخاذ قرارات ملزمة لجميع المواطنين. فالدولة الديمقراطية لا تطالب المؤمن بالتخلي عن معتقده، وإنما تشترط أن تكون القواعد العامة قابلة للنقاش بين مواطنين يختلفون في معتقداتهم ومصادر يقينهم. وتتضح الوجهة الإصلاحية للكتاب في خاتمته المعنونة المذهب الشيعي الديمقراطي، حيث يدعو المؤلف إلى إعادة بناء العلاقة بين الفكر السياسي الشيعي ومبدأ الشورى والإرادة الشعبية. ويمكن قراءة هذا المقترح بوصفه محاولة لنقل الشرعية السياسية من مجال المعرفة الدينية الخاصة إلى مجال الاختيار الجماعي العام. غير أن نجاح هذه المحاولة يتطلب أكثر من نقد الأسس التقليدية للمرجعية، إذ يحتاج إلى تصور مؤسسي يحدد كيفية حماية استقلال الاجتهاد الديني، وضمان حرية الاعتقاد، ومنع توظيف المقدس في الصراع السياسي، وترسيخ المساواة بين المواطنين بصرف النظر عن انتماءاتهم. فالديمقراطية لا تتحقق بمجرد نزع المشروعية عن سلطة غير منتخبة، وإنما ببناء مؤسسات تتيح تداول السلطة، ومراقبة القرار، وتصحيح الأخطاء، وحماية الاختلاف. ولعل القيمة الفكرية الأبرز لكتاب الدولة الموازية تكمن في جرأته على إخضاع مؤسسة ذات مكانة دينية واجتماعية واسعة للفحص التاريخي والنقد المؤسسي، وفي محاولته ربط المواقف السياسية المعاصرة بجذورها الفقهية والعقائدية. ومع ذلك، فإن هذه الجرأة لا تعفي العمل من ضرورة التمييز بين الوقائع المثبتة والتأويلات النقدية، وبين الاستنتاجات التي تدعمها النصوص والأحكام التي تحتاج إلى مزيد من المقارنة والتحقق. فالمؤلف يكتب من موقع نقدي واضح، وليس من موقع الحياد الوصفي الخالص، وهو ما يمنح عمله طاقة سجالية ظاهرة، لكنه يفرض على القارئ التعامل مع استنتاجاته باعتبارها أطروحات قابلة للنقاش، لا حقائق نهائية.
إن قراءة هذا الكتاب من منظور فلسفة المعرفة تفضي إلى نتيجة تتجاوز موضوع المرجعية الدينية في العراق، مفادها أن كل سلطة تستند إلى ادعاء امتلاك الحقيقة تحتاج إلى مساءلة مصادر معرفتها وحدود اختصاصها وطرائق تبرير أحكامها. فالمشكلة ليست في وجود المعرفة الدينية، ولا في احترام المجتمع لعلمائه، وإنما في اللحظة التي تتحول فيها الخبرة إلى ولاية شاملة، ويتحول الاعتقاد إلى تفويض سياسي، وتصبح المكانة الرمزية بديلًا عن المساءلة الدستورية. وفي المقابل، لا تستطيع الدولة الديمقراطية أن تدّعي امتلاك الحقيقة النهائية، لأنها تقوم في جوهرها على الاعتراف بإمكان الخطأ، وشرعية الاختلاف، وقابلية القرارات للمراجعة. وبين يقين المرجعية ونسبيّة المعرفة السياسية يفتح كتاب أحمد الكاتب مجالًا لنقاش فلسفي وتاريخي ضروري حول مستقبل الدولة العراقية، وحول إمكان تأسيس علاقة أكثر وضوحًا بين الدين والمجتمع والسلطة. ولعل السؤال الذي يبقى بعد إغلاق صفحاته ليس متعلقًا بمن يمتلك الشرعية وحده، بل بمن يملك حق تحديد شروطها، وبالضمانات التي تحول دون أن تصبح المعرفة، مهما بلغت مكانتها، وسيلة لاحتكار المجال العام. فالدولة التي تحترم المعرفة دون أن تخضع لاحتكارها، والمؤسسة الدينية التي تحافظ على استقلالها دون أن تتحول إلى سلطة فوق المساءلة، تمثلان معًا شرطًا أساسيًا لقيام مجتمع يستطيع أفراده ممارسة الإيمان والنقد والاختيار في آن واحد.







