
ليست قضية الأسرى والمعتقلين في السجون الإسرائيلية قضية فئة أو ملفاً إنسانياً عابراً فحسب، بل هي جوهر القضية الفلسطينية ومرآتها الأكثر وضوحاً وطليعتها في الكفاح الوطني. كل أسير هو حكاية صمود ووطن، وكل معتقل هو شاهد حي على أن هذا الاحتلال لم يستطع، رغم كل أدوات القمع الوحشية، أن يكسر عزيمة وإرادة شعبنا لثنيه عن حقوقه الوطنية في الحرية والاستقلال والعودة.
ما يمثله الأسير الفلسطيني اليوم يتجاوز جدران الزنزانة:
هو يمثل شرعية النضال الوطني التحرري، فاعتقال أكثر من مليون فلسطيني منذ نشوء وتطور القضية الفلسطينية هو دليل قانوني وتاريخي على أننا شعب يرزح تحت الاحتلال، وأن مقاومتنا له حق كفلته كل الشرائع الدولية.
وهو يمثل وحدة الشعب، ففي السجون يذوب الانقسام وتتوحد كافة الانتماءات السياسية والفكرية خلف ذات القضبان وذات المطالب.
وهو يمثل جريمة الاحتلال المستمرة، فالسجن هو المختبر الحقيقي لإرهاب وعنصرية وفاشية هذا الاحتلال.
لكن إذا كانت رمزية الأسير وطنية وجامعة، فإن حمايته القانونية تحكمها وثيقة دولية واحدة هي الفيصل بين الحضارة والهمجية: اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949.
أولاً: ما هي اتفاقية جنيف الرابعة ولماذا تنطبق علينا حكماً؟
وُضعت هذه الاتفاقية خصيصاً لحماية المدنيين الذين يقعون تحت سيطرة دولة معادية تحتل أرضهم، وهذا هو التعريف القانوني الدقيق لوضعنا في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية.
المادة الثانية من الاتفاقية تنص بوضوح على أنها تنطبق في جميع حالات الاحتلال الجزئي أو الكلي، حتى لو لم يواجه هذا الاحتلال مقاومة مسلحة. ومحكمة العدل الدولية أكدت ذلك مرتين، في فتواها عام 2004 حول الجدار، وفتواها التاريخية في يوليو 2024، وقالت بالنص إن الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 ينطبق عليها القانون الدولي الإنساني، وفي مقدمته اتفاقية جنيف الرابعة.
ثانياً: ماذا تقول الاتفاقية عن أسرانا؟
الاتفاقية ليست شعاراً عاماً، بل هي مواد قانونية ملزمة تفضح كل ما يجري اليوم في السجون:
1.جريمة النقل القسري - المادة 49: تحظر الاتفاقية بشكل مطلق النقل الجبري الجماعي أو الفردي للأشخاص المحميين من الأراضي المحتلة إلى أراضي دولة الاحتلال. إسرائيل ترتكب هذه الجريمة كل يوم بنقلها كل الأسرى تقريباً إلى سجون داخل إسرائيل كالنقب وعوفر ومجدو ومعتقل سدي تيمان (حقل اليمن) الذي يطلق عليه اليوم غوانتانامو إسرائيل. وهذا النقل وحده يعتبر جريمة حرب.
2. حظر الاعتقال الإداري التعسفي - المادة 42 و78: لا يجوز اعتقال المدني إلا إذا كان يشكل تهديداً أمنياً حتمياً، وحتى في هذه الحالة يجب أن يكون مؤقتاً واستثنائياً ويخضع لمراجعة قضائية. أما الاعتقال الإداري الإسرائيلي لآلاف الفلسطينيين بدون تهمة وبملف سري يجدد إلى ما لا نهاية، فهو تحويل للاستثناء إلى قاعدة عقابية.
3.ضمانات المحاكمة العادلة - المواد 71 إلى 76: تشترط الاتفاقية محاكمة المدني أمام محكمة نظامية تشكلت قبل الجريمة، وحقه في معرفة تهمته بلغة يفهمها وحقه في الدفاع. المحاكم العسكرية الإسرائيلية التي تحاكم أطفالنا وتصل نسبة الإدانة فيها إلى 99% وقضاتها ضباط عسكريون، لا تمت لهذه الشروط بصلة.
4.حظر التعذيب والإهمال الطبي - المواد 31 و32 و91: تحظر أي تدبير يسبب معاناة بدنية، وتلزم دولة الاحتلال بتوفير الغذاء والرعاية الطبية. وما وثقته الأمم المتحدة وما تسرب من معتقل سدي تيمان من اعتداءات وتقييد حتى بتر الأطراف وتجويع أفقد المعتقلين 30 كيلوغراماً من أوزانهم، هو انتهاك ممنهج لهذه المواد.
ثالثاً: حيلة إسرائيل القانونية: التطبيق الإنساني وليس القانوني
وهنا بيت القصيد. إسرائيل تتهرب بحيلة لغوية خطيرة، فهي تقول: نحن لا نطبق الاتفاقية بحكم القانون لأننا لا نعتبر الضفة وغزة أراضٍ محتلة بل أراضٍ متنازع عليها، لكننا نطبق أحكامها الإنسانية بحكم الواقع من باب حسن النية.
هذا التلاعب هدفه الإفلات من المسؤولية الجنائية، فلو اعترفت بالتطبيق القانوني لأصبح كل نقل لأسير وكل مستوطنة جريمة حرب. وقد رفض العالم كله هذه الحيلة، وأكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وهي الحارسة لاتفاقيات جنيف، أن التطبيق إلزامي وكامل.
رابعاً: سياسة بن غفير.. من التضييق إلى التجويع والانتقام العلني
عند صعود حكومة اليمين العنصرية المتطرفة إلى سدة الحكم وتولي إيتمار بن غفير حقيبة الأمن القومي، التي تشرف مباشرة على مصلحة السجون، بدأت مرحلة جديدة من الاستهداف الممنهج للأسرى.
إذا كانت الاتفاقية هي القانون، فإن من يطبق عكسها اليوم في السجون هو بن غفير نفسه.
منذ توليه منصبه جعل من التنكيل بالأسرى برنامجاً انتخابياً، لكن بعد السابع من أكتوبر 2023 حول هذا البرنامج إلى سياسة رسمية ممنهجة للانتقام الجماعي.
وتقوم سياسته الوحشية على خمسة محاور:
1.التجويع المتعمد: اعتمد ما سماه سياسة "الحد الأدنى من المعيشة". قلص الطعام إلى رغيف خبز وقطعة تونة وطبق أرز لا يتجاوز 150 غراماً، ومنع الكانتينا والمخابز، حتى أن الأسرى فقدوا ما بين 20 إلى 30 كيلوغراماً من أوزانهم، فيما سمي في الإعلام الإسرائيلي نفسه "دايت بن غفير".
2. إلغاء مقومات الحياة: أمر بقطع الكهرباء والماء الساخن، وتقليص الاستحمام لأيام، ومنع الخروج إلى ساحة الفورة، ومصادرة الملابس والأغطية والكتب.
3. العزل الكامل: جدد بشكل شهري قرار منع زيارات الأهالي والمحامين، ومنع اللجنة الدولية للصليب الأحمر من زيارة أي أسير فلسطيني منذ أكتوبر 2023 حتى اليوم، ليحول السجون إلى مقابر معزولة عن العالم.
4. التنكيل أمام الكاميرا: لم يعد التعذيب سرياً، بل تحول إلى مادة دعائية. اقتحم بنفسه سجن عوفر وسجن الدامون للأسيرات وصور نفسه وهو يهدد الأسرى ويتباهى بتشديد ظروف اعتقالهم، حتى أن النيابة العامة الإسرائيلية نفسها اضطرت لمنعه من استخدام السجون والأسرى في دعايته الانتخابية.
5. تشريع الجريمة: سعى لتحويل إجراءاته الاستثنائية إلى قوانين دائمة، وعلى رأسها مشروع قانون إعدام الأسرى، وارتفعت في عهده نسبة الأسرى المحتجزين في العزل الانفرادي من 3.5% عام 2022 إلى 37% عام 2024.
إن سياسة بن غفير ليست مجرد تشديد إداري، بل هي جريمة عقاب جماعي وتعذيب وتجويع ممنهجة تثبت أن ما يجري في السجون اليوم هو قرار سياسي من أعلى مستوى لحكومة الاحتلال.
خاتمة: من نصوص جنيف إلى خطة التحرير.. ماذا نفعل؟
إن اتفاقية جنيف الرابعة ليست كتاب تاريخ، بل هي أداة محاسبة. المادة 146 منها تلزم كل الدول الموقعة عليها وعددها 196 دولة بملاحقة مرتكبي المخالفات الجسيمة.
واليوم، ومع وجود أكثر من 9500 أسير، بينهم 3500 إداري و300 طفل و80 امرأة، واستشهاد أكثر من 60 معتقلاً منذ 7 أكتوبر، لم يعد كافياً أن نذكر العالم بالقانون. المطلوب تحويل القانون إلى خطة عمل لتحريرهم:
1. المسار القانوني: ضرورة متابعة وتفعيل دور الشرعية الفلسطينية، السلطة ومنظمة التحرير والاستفادة من تزايد الاعتراف الدولي بدولة فلسطيني والتعاطف الشعبي العالمي مع القضية الفلسطينية: إعداد الملفات بشكل عاجل وموثق لتقديمها إلى المحكمة الجنائية الدولية، وتفعيل مبدأ الولاية القضائية العالمية في أوروبا لملاحقة ضباط السجون والمحققين وكل من نفذ سياسة بن غفير.
2. المسار السياسي: استعادة مكانة قضية الأسرى كشرط مركزي وثابت من الثوابت الوطنية في أي مفاوضات، فلا حل ولا تهدئة ولا تبادل دون إطلاق سراحهم، وهذا يتطلب اولا إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية في إطار منظمة التحرير. والاتفاق على استراتيجية وطنية موحده
3. المسار الشعبي والإعلامي: إعادة الأسير إلى قلب الشارع والمدرسة والجامعة، وبناء بنك معلومات رقمي موحد بكل أسماء الأسرى وشهاداتهم مترجمة لكل اللغات، وتحويل كل أسير محرر إلى سفير يروي ما جرى في سدي تيمان أمام برلمانات العالم.
إن أسرانا لم يطلبوا المستحيل، طلبوا أن لا ننساهم. وحقهم ليس منة من الاحتلال، بل هو حق كفلته اتفاقية وقعت عليها إسرائيل نفسها عام 1951. ومن وقع على القانون يجب أن يحاسب بالقانون، وحريتهم هي اختبار لصدق انتمائنا لهذا الوطن.
* عضو اللجنة المركزية لحزب الشعب الفلسطيني







