
في الساعة التي تتعب فيها المدن من تمثيل دور الحجارة، نهضت المسيب من مكانها، نفضت عن كتفيها غبار سبعين عامًا، مشت بمحاذاة الفرات، ثم طرقت باب بغداد بعصا من قصب وقالت لها: أعيدي إليّ ولدي. فتحت بغداد الباب وكانت متعبة كعادتها، شعرها من دخان المقاهي، وعلى ثوبها بقع حبر وحروب وأغان قديمة، وسألتها: أي ولد؟ قالت المسيب: ذلك الذي أرسلته إليك شابًا فعلمته أن المدن يمكن أن تموت وهي مزدحمة، وأن الإنسان يستطيع أن يعيش في وطنه ويشتاق إليه. ضحكت بغداد وقالت: أنت تتحدثين عن علي عبد الأمير عجام، وهذا لم يعد لك وحدك. عندها بدأ النزاع الذي لم تسجله محكمة عراقية قط؛ وقفت المسيب تقول إن الرجل ولد فيها سنة 1955 وإنها أعطته النهر والطفولة والذاكرة الأولى، بينما قالت بغداد إنها منحته الجامعة والصحافة والشعر والمقاهي والكتب والأصدقاء وكل تلك الخسارات التي يحتاجها الكاتب لكي يصبح كاتبًا، وقبل أن ينتهي الجدال ظهر رجل نحيل يحمل حقيبة سفر وقال: وأنا أطالب بحصتي. التفتتا إليه وسألتاه عن اسمه، فقال: المنفى. ثم جاءت امرأة ترتدي فستانًا أحمر، وجلست على مقعد بعيد من دون استئذان وقالت: لا تبدأوا المحاكمة من دوني، فأنا الشاهدة الوحيدة التي سمعت العراق يغني طوال سبعين عامًا. هكذا، ربما، ينبغي أن تبدأ حكاية علي عبد الأمير عجام، لا بتاريخ الولادة ولا بشهادة الجامعة ولا بتسلسل المناصب، وإنما بمحاكمة تتنازع فيها أربعة أطراف ملكية رجل قضى حياته موزعًا بينها: المسيب التي منحته الجذر، وبغداد التي منحته السؤال، والمنفى الذي منحه المسافة، والأغنية التي منحته وسيلة غريبة لقياس التاريخ. كان يمكن للصبي المولود في المسيب أن يمضي في مسار مختلف تمامًا؛ فقد دخل جامعة بغداد ودرس الطب البيطري وتخرج سنة 1979، وكأن الحياة وضعت أمامه منذ البداية الكائن الحي موضوعًا للفحص والمعرفة، لكنها سرعان ما وسعت معنى الكائن أمامه حتى أصبح المجتمع نفسه جسدًا هائلًا، وأصبحت المدينة مخلوقًا يحتاج إلى الإصغاء، وأصبح التاريخ حيوانًا جريحًا لا يعرف أين أصابته الرصاصة. لم يهجر الطبيب مهنته تمامًا كما قد يبدو، وإنما غيّر مريضه فقط؛ صار يضع أذنه على صدر العراق. وحين يسأله أين يؤلمك؟ كانت البلاد تشير مرة إلى الحرب، ومرة إلى المنفى، ومرة إلى شاعر غادر، ومرة إلى أغنية قديمة، ومرة إلى مقهى أغلق بابه ومات من دون أن تنشر الصحف نعيًا له. ومن هنا بدأت تلك العلاقة الغريبة بين عجام والأشياء التي تختفي؛ كأن مهمته لم تكن وصف الموجود بقدر ما كانت الوقوف عند الباب الذي خرج منه الغائب ومحاولة معرفة ماذا أخذ معه. وحين اعترضت المسيب أمام المحكمة قائلة إنها صاحبة الحق الأول فيه، أخرجت بغداد ملفًا ضخمًا وقالت: لكنه حين وصل إليّ لم يكن يعرف أن الذاكرة يمكن أن تصبح مهنة. هنا تعلم ذلك. هنا اكتشف أن المدينة لا تسكن الخرائط، بل تسكن الذين يتذكرونها، وأن أكثر المدن رسوخًا قد تكون أكثرها عرضة للزوال إذا مات شهودها واحدًا بعد آخر.
بغداد تستدعي غرفة الأخبار للشهادة
ثم دخلت غرفة الأخبار المحكمة. لم تدخل من الباب، فقد كانت مستعجلة كعادتها، وإنما اندفعت من شاشة كبيرة تحمل في يديها عشرات الأخبار العاجلة، وأقسمت أنها ستقول الحقيقة قبل موعد النشرة. قالت للقاضي المتخيل: أعرف هذا الرجل، لقد عاش بيننا طويلًا. كان الشاعر داخله يريد أن ينتظر حتى تنضج الجملة، وكنت أصرخ فيه: لا وقت، الخبر الآن. كان يريد للكلمة أن تعيش خمسين سنة، وكنت أريدها أن تصل خلال خمسين ثانية. وهنا تكشف الشهادة عن واحد من أعمق التوترات في تجربة علي عبد الأمير عجام؛ ذلك التوتر بين زمن الشعر وزمن الإعلام، بين التأمل والسرعة، بين الكاتب الذي يريد أن يعرف معنى الحدث والصحفي الذي يجب أن يخبر الناس بأن الحدث وقع قبل أن يعرف أحد معناه. عمل في الصحافة والثقافة وأسهم في تأسيس وتحرير صحف ومجلات عراقية وعربية، ثم وجد نفسه في قلب الإعلام المرئي، فتولى مسؤوليات تحريرية وإدارية، بينها إدارة تحرير الأخبار في قناة الحرة عراق بين 2004 و2009، ثم إدارة قنوات فضائية أخرى، ومنها التغيير وUTV. غير أن تعداد هذه المواقع لا يقول الكثير إذا لم نتخيل ما الذي تفعله عقود من الأخبار بعقل شاعر. غرفة الأخبار آلة عجيبة تطحن الحاضر وتحوله فورًا إلى ماض، وكل خبر يدخل إليها حيًا يخرج بعد ساعات وقد بدأ يشيخ. عاش عجام قرب هذه الآلة حتى صار يرى الزمن وهو يتحول أمام عينيه إلى أرشيف، وربما من هنا جاءت حساسيته الخاصة تجاه ما يسقط من الأرشيف الرسمي؛ فالخبر يقول إن حكومة سقطت، لكنه لا يقول ماذا كانت الأم تغني لطفلها في الليلة التي سقطت فيها الحكومة؛ يسجل أسماء القتلى ولا يسجل الأغنية التي كانت تعمل في سيارة أحدهم قبل دقائق من موته؛ يخبرنا أن مئات الآلاف غادروا البلاد لكنه لا يعرف ماذا وضع كل واحد منهم في حقيبته. وهنا تدخل الشاعر ليكمل ما يعجز عنه الصحفي. صار أحدهما يجمع الوقائع والآخر يجمع ظلالها، وصار الإعلام يمنحه الحدث فيما تمنحه القصيدة المعنى المتبقي بعد انطفاء الحدث. لذلك تبدو عناوين مثل يدان تشيران لفكرة الألم، وخذ الأناشيد ثناء لغيابك، وبلاد تتوارى، وتلويحة لشراع بعيد، كأنها ليست أسماء كتب منفصلة بقدر ما هي إشارات على خريطة خسارة طويلة. اليد تشير أولًا إلى الألم لأنها عاجزة عن الإمساك به، ثم تأتي الأناشيد لمواجهة الغياب، وبعدها تبدأ البلاد نفسها بالتواري، وأخيرًا لا يبقى في الأفق سوى شراع بعيد ويد تلوح له. يا لها من حركة كاملة للابتعاد: إشارة، غياب، توار، شراع. وكأن العناوين، إذا وضعناها بجانب بعضها، تؤلف قصيدة سرية كتبها الزمن نيابة عن صاحبها. عندها اعترضت بغداد وقالت للمحكمة: أرأيتم؟ لقد أعطيته اللغة التي يستطيع بها وصف اختفائي. لكن المنفى، الجالس في آخر القاعة، ابتسم وقال: انتظري، لم يبدأ دوري بعد.
المنفى يفتح الحقيبة والفستان الأحمر يدلي بشهادته
نهض المنفى ببطء ووضع حقيبته أمام المحكمة. لم تكن كبيرة، ومع ذلك خرجت منها عمان أولًا، ثم مدينة أمريكية، ثم مطار، ثم جواز سفر، ثم مقهى عراقي، ثم صحيفة قديمة، ثم صوت رجل يقول لصديقه سأعود قريبًا، مع أنه يعرف أن كلمة قريبًا في لغة المنفيين قد تعني عشرين عامًا. قال المنفى: تتهمونني دائمًا بأنني أسرق الناس من أوطانهم، لكن بعضهم يفعل بي شيئًا أشد غرابة؛ يحمل وطنه معه حتى أصبح أنا المنفي منه. كان علي عبد الأمير عجام واحدًا من هؤلاء. تنقل في تجربة امتدت بين العراق والأردن والولايات المتحدة، لكن المسافة لم تنجح في تحويل بغداد إلى مكان بعيد؛ على العكس، كلما ابتعد الجسد اقتربت المدينة في الكتابة حتى أصبح الاغتراب نفسه مادة للتأمل، وصار من الممكن أن يولد عنوان متناقض وجميل مثل الاغتراب الجميل. فالاغتراب لا يكون جميلًا في ذاته، لكن الذاكرة تمتلك قدرة شيطانية على تزيين ما يؤلمنا حين يصبح بعيدًا. البيت الذي ضاق بنا يصبح واسعًا بعد أن نفقده، والشارع الذي كنا نشكو ازدحامه يصبح في المنفى فردوسًا، والمقهى الذي كنا نتأخر عن أصدقائنا فيه يصبح معبدًا حين يموت الأصدقاء. هكذا يعيد البعد ترتيب الأشياء؛ لا لأنه يكذب، بل لأنه يجعلنا نرى القيمة بعد أن تفصلنا عنها المسافة. وقبل أن يكمل المنفى شهادته، نهضت المرأة ذات الفستان الأحمر. قالت: كفى حديثًا عن المطارات، فأنا أحمل تاريخًا أطول من كل تذاكر السفر. تقدمت إلى وسط القاعة، وفجأة خرج من أطراف ثوبها صوت عود، ثم صوت مطربة، ثم تصفيق جمهور، ثم خشخشة أسطوانة قديمة، ثم ضجيج شارع عراقي من زمن لم يعد موجودًا. قالت: أنا رقصة الفستان الأحمر الأخيرة، لكنني لست كتابًا عن الموسيقى كما تظنون. أنا شاهد التاريخ الذي نسي المؤرخون استدعاءه. وهنا تبلغ تجربة عجام الثقافية إحدى أكثر مناطقها إثارة؛ إذ يتحول الغناء والموسيقى من مادة للمتعة إلى أرشيف مواز للحياة العراقية، ويصبح السؤال: هل يمكن كتابة تاريخ مجتمع من الأصوات التي أحبها؟ التاريخ السياسي يعرف أسماء الملوك والرؤساء والانقلابات والحروب والمعاهدات، لكن ماذا عن التاريخ الذي يختبئ في حناجر المطربين؟ ماذا كان العراقيون يغنون حين كانوا يأملون؟ وماذا غنوا حين خافوا؟ وكيف تغيرت الكلمات والألحان والأذواق حين تغيرت المدن والطبقات وأنماط الحياة؟ هنا لا يعود الفستان الأحمر استعارة زخرفية، بل يصبح جسدًا ثقافيًا حمل سبعة عقود من التحولات. إن الأغنية وثيقة غريبة لأنها لا تخبرنا بما وقع فقط، وإنما بما شعر به الذين وقع عليهم ما حدث. الوثيقة الرسمية تقول إن الحرب بدأت في يوم محدد؛ الأغنية تقول ماذا فعلت الحرب بقلب إنسان. الصحيفة تسجل تاريخ الهجرة؛ الأغنية تحفظ الحنين الذي رافق المهاجر إلى المطار. الإحصاء يحصي الموتى؛ الموسيقى تحفظ الأصوات التي بقيت في بيوت الأحياء. ولذلك، عندما جعل عجام الغناء والموسيقى نافذة لقراءة تاريخ العراق، كان في العمق يعيد الاعتبار إلى التاريخ الحسي للمجتمع، إلى ما سمعه الناس وما رددوه وما رقصوا عليه وما بكوا بسببه. وعندما انتهت المرأة من شهادتها لم تعد المحكمة متأكدة من أنها أمام فستان؛ ربما كانت أمام العراق نفسه وقد قرر، للمرة الأولى، أن يروي تاريخه من حنجرته بدل أن يرويه من فوهة بندقية.
حين اكتشفت المحكمة أن المتهم لم يسرق بغداد
وصلت المحاكمة إلى نهايتها، لكن أحدًا لم يعرف ماذا يفعل بالمتهم. قالت المسيب: أعيدوه إليّ، فقد خرج مني أول مرة. قالت بغداد: لكنه صار جزءًا من ذاكرتي. قال المنفى: لقد أقام عندي طويلًا حتى تعلم أن المسافة ليست عدد الكيلومترات بين مدينتين، وإنما عدد الذكريات التي تقف بين الإنسان وباب بيته. وقال الفستان الأحمر: اتركوه، إنه يحمل شيئًا من أصواتنا جميعًا. عندئذ طلب القاضي فتح حقيبة علي عبد الأمير عجام التي ظلت طوال الجلسة مغلقة تحت الطاولة. انتظر الجميع أن يجدوا فيها أوراقًا أو مخطوطات أو صورًا أو تذاكر سفر، لكن عندما فتحت الحقيبة خرج منها شارع. نعم، شارع كامل. خرج بائع صحف يصرخ بالعناوين، وخرج مقهى بطاولاته، وخرج شاعر يحمل جريدة تحت إبطه، ثم خرجت أغنية، ثم صبي من المسيب ينظر بدهشة إلى كل شيء، ثم خرجت بغداد أصغر سنًا من بغداد الجالسة في المحكمة. كانت تلك هي المفاجأة: الرجل لم يكن يحمل كتبه في الحقيبة، بل كان يحمل المدن التي كتب عنها، والناس الذين مروا بها، والأصوات التي خشي أن تموت. عندها يمكن أن نفهم أمة في منفى لا باعتباره عنوانًا منفردًا، بل بوصفه سؤالًا يطارد جانبًا كبيرًا من تجربته: ماذا يحدث عندما يصبح المنفى أكبر من الفرد، وحين لا يغادر الوطن شخص واحد بل تتوزع جماعات كاملة من ذاكرته في مدن العالم؟ الوطن عندئذ لا يعود قطعة أرض فحسب؛ يتحول إلى شبكة هائلة من الحكايات يحمل كل مهاجر جزءًا منها. واحد يأخذ وصفة طعام، وآخر يحمل أغنية، وثالث يحتفظ بصورة شارع، ورابع يأخذ نكتة لا يفهمها أحد في البلد الجديد، والكاتب يأخذ الكلمات ويحاول أن يبني بها بيتًا مؤقتًا للجميع. ولعل هذا هو المعنى الأعمق وراء حضور الذاكرة بهذه القوة في تجربة عجام: الكتابة ليست استعادة للماضي لأن الماضي أجمل بالضرورة، بل لأن ما لا يُستعاد قد يُمحى. ثمة فرق هائل بين الحنين والذاكرة؛ الحنين يريد الماضي كما كان في خيالنا، أما الذاكرة فتريد إنقاذ ما يمكن إنقاذه من اختفائه. وعجام، في كثير من كتابته، يبدو أقرب إلى عامل إنقاذ يصل بعد الحريق؛ لا يستطيع إعادة البيت، لكنه يدخل بين الأنقاض باحثًا عن صورة، رسالة، أسطوانة، اسم، وجه، نكتة، أغنية، تفصيل صغير يستطيع أن يقول لمن سيأتي بعد ذلك: كان هنا عالم كامل. وهذا يفسر تعدد أقنعته المهنية والفكرية من دون الحاجة إلى تفريقها؛ الشاعر والصحفي والناقد والإعلامي ليسوا أربعة رجال يتزاحمون داخله، وإنما أربع طرائق لإنقاذ الشيء نفسه. الصحفي ينقذ اللحظة قبل أن تختفي، الشاعر ينقذ الشعور الذي تركته، الناقد يحاول فهم معناها، والإعلامي يرسلها إلى الآخرين قبل أن يغلق الليل نافذته. وحين أعلنت المحكمة انتهاء الجلسة، نهض الجميع وغادروا إلا بغداد. بقيت وحدها مع الرجل. قالت له: لقد اتهمتك بسرقتي. ابتسم ولم يجب. قالت: فتشنا حقيبتك فوجدناك لم تسرقني، بل كنت تجمع أجزائي التي أسقطتها وأنا أركض في التاريخ. ثم سألته: لماذا؟ نظر إلى الراديو القديم الموضوع في زاوية القاعة وقال: لأن المدن تموت حين لا يبقى أحد يتذكر صوتها. وفي تلك اللحظة اشتغل الراديو وحده. خرجت منه الأغنية نفسها التي كانت تبحث عن صاحبها منذ بداية الحكاية، وعادت المرأة ذات الفستان الأحمر من آخر الممر، لكنها هذه المرة لم تدخل القاعة؛ توقفت عند الباب وبدأت ترقص. نهضت المسيب من بعيد، وجاء الفرات يحمل ماءه القديم، وفتحت بغداد شبابيكها، وأخرج المنفى من جيبه تذكرة عودة لا تاريخ عليها. أما الرجل فظل جالسًا يستمع. مرت الأغنية بالمسيب وبغداد وعمان والمدن البعيدة، مرت بغرف الأخبار والصحف القديمة والمقاهي التي أغلقت أبوابها، مرت بالذين رحلوا وبالذين ظلوا ينتظرون، ثم عادت إلى الراديو. وعندما انتهت، مد علي عبد الأمير عجام يده ليطفئ الجهاز، لكنه سمع بغداد تهمس من خلفه: لا تفعل. سألها: لماذا؟ قالت: لأن أحدًا سيولد غدًا ولن يعرف كيف كان صوتنا. سحب يده ببطء. بقي الراديو مضاءً في الغرفة الخالية، وبقي الفستان الأحمر يدور وحده في آخر الممر. أما بغداد، فجلست قرب الجهاز تنتظر الأغنية التالية، كمدينة اكتشفت أخيرًا أن بعض أبنائها لا يكتبون عنها لكي يتذكروها، بل يكتبون كي لا يأتي يوم تضطر فيه هي إلى تذكّر نفسها.







