ثمة التباس قديم جعل كلمة الماركسي تكاد تصبح مرادفًا لكلمة الثوري، كأن الانتساب إلى ماركس يمنح صاحبه، بصورة تلقائية، شهادة دائمة في التمرد على السلطة والمجتمع والتاريخ. غير أن المسألة أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير؛ لأن الماركسية نفسها نشأت من فعل نقدي قبل أن تصبح منظومة فكرية، ومن سؤال قبل أن تتحول في تجارب كثيرة إلى جواب مكتمل. كان ماركس ثوريًا، في جانب جوهري من ثوريته، لأنه لم يقبل العالم كما قدم نفسه إليه: لم يقبل الاقتصاد السياسي كما شرحه الاقتصاديون، ولا الدولة كما وصفها فلاسفة القانون، ولا المجتمع البرجوازي كما برر نفسه، بل ذهب إلى المنطقة الواقعة خلف الكلمات والمؤسسات، باحثًا عما تخفيه العلاقات الظاهرة من مصالح وقوى وتناقضات. ولهذا فإن المفارقة تبدأ عندما يرث الماركسي نتائج ماركس ولا يرث طريقته في الشك؛ عندما يحفظ الإجابات ويترك الأسئلة، ويتمسك بالمقولات بينما يتغير الواقع الذي وُلدت تلك المقولات لتفسيره. عندئذ يمكن للمرء أن يكون ماركسيًا شديد الإخلاص للنص، لكنه قليل الصلة بالروح الثورية التي صنعت النص نفسه. فالثورة ليست بطاقة عضوية، وليست قاموسًا اصطلاحيًا، ولا مجموعة اقتباسات محفوظة من رأس المال، بل قدرة مستمرة على وضع الواقع والفكرة والذات موضع المساءلة. وقد كان ماركس نفسه قاسيًا في نقد الأفكار التي تتحول إلى ستار يحجب العلاقات الفعلية بين البشر، لأن الوعي لا يتحرك في فراغ، بل يتشكل داخل شروط اجتماعية ومادية وتاريخية محددة (Karl Marx and Friedrich Engels, The German Ideology, 1846). ومن هنا يمكن قلب السؤال الشائع: بدل أن نسأل هل الماركسي ثوري؟ ينبغي أن نسأل: ماذا يفعل الماركسي عندما تصبح الماركسية نفسها جزءًا من النظام الرمزي الذي يحتاج إلى النقد؟

حين تتحول الثورة إلى مؤسسة

أخطر لحظة في حياة الفكرة الثورية ليست لحظة اضطهادها، وإنما لحظة انتصارها. الفكرة المطاردة تحتاج إلى الشجاعة، أما الفكرة المنتصرة فتحتاج إلى شيء أصعب: القدرة على الشك في نفسها. وما إن تنتقل العقيدة من الهامش إلى المركز حتى تبدأ بإنتاج لغتها ومؤسساتها وحراس حدودها، ويظهر بالتدريج تعريف لما هو صحيح وما هو منحرف، ولمن يمثل الخط ومن يخرج عليه. وهنا يمكن أن يقع الماركسي في المفارقة التي قضى عمره النظري يحذر منها: أن يصبح مدافعًا عن سلطة لمجرد أن السلطة تتحدث بلغته. وقد أدرك أنطونيو غرامشي أن الهيمنة أعمق من السيطرة المباشرة، لأنها تعمل من خلال إنتاج القبول وبناء الحس المشترك الذي يجعل نظامًا معينًا يبدو طبيعيًا ومعقولًا (Antonio Gramsci, Selections from the Prison Notebooks, 1971). لكن ماذا يحدث إذا أصبحت الماركسية نفسها حسًا مشتركًا داخل حزب أو دولة أو جماعة؟ عندها يصبح تطبيق السؤال الغرامشي على الماركسيين أنفسهم أكثر ثورية من تكرار غرامشي. فالسلطة لا تفقد طبيعتها لأنها ترفع الراية الحمراء، والإجماع لا يصبح بريئًا لأن الذين يصنعونه يتحدثون باسم الطبقة العاملة. ويمكن للثوري القديم أن يتحول إلى محافظ جديد حين يصبح همه حماية النظام الذي أنتجته ثورته بدل مساءلة ما أنتجه ذلك النظام من امتيازات وصمت ومراكز قوة. وهنا يظهر الفارق الحاسم بين الثائر العقائدي والثائر النقدي: الأول يريد تغيير العالم حتى يطابق الحقيقة التي يحملها، أما الثاني فيعرف أن الحقيقة نفسها يجب أن تظل معرضة لامتحان العالم.

الثورة تبدأ من العصيان على اللغة

للأنظمة السياسية قاموسها، لكن للأيديولوجيات أيضًا قواميسها. وكل جماعة مغلقة تبدأ، عاجلًا أو آجلًا، بتحديد الكلمات التي يجوز استعمالها، والأوصاف التي ينبغي إطلاقها على الخصوم، والأسئلة التي تعد مشروعة، وتلك التي يصبح مجرد طرحها علامة على الانحراف. هنا لا تعود اللغة وسيلة لوصف العالم، بل تتحول إلى جهاز لترتيبه مسبقًا. يصبح شخص ما رجعيًا قبل أن نقرأ حجته، ويصبح آخر تقدميًا قبل أن نفحص ممارسته، وتتحول أسماء مثل الشعب والطبقة والثورة والبرجوازية والإمبريالية إلى أحكام جاهزة قد تعفي العقل من مشقة النظر في الواقع. وهذه إحدى المناطق التي يصبح فيها المثقف الماركسي مطالبًا بأن يكون منشقًا داخل لغته نفسها. فالانشقاق الحقيقي لا يعني الانتقال من معسكر إلى معسكر، بل الاحتفاظ بمسافة تسمح للمرء بأن يسأل عما تخفيه الكلمات التي يستخدمها معسكره. وقد جعلت جوليا كريستيفا الغربة، بالمعنى الوجودي والنفسي والثقافي، مدخلًا لفهم علاقة الذات بالآخر وبنفسها؛ فالآخر ليس دائمًا شخصًا يقف خارج حدودنا، بل قد يكون مقيمًا في داخل الذات والجماعة والهوية ذاتها (Julia Kristeva, Strangers to Ourselves, 1991). ويمكن دفع هذه الفكرة إلى قلب السؤال الماركسي: ربما يكون الماركسي الأكثر ثورية هو القادر على أن يصبح غريبًا قليلًا داخل ماركسيته؛ قريبًا بما يكفي لكي يفهمها، وبعيدًا بما يكفي لكي يراها. إنه لا يغادر البيت بالضرورة، لكنه يرفض أن يفقد القدرة على النظر إلى البيت من النافذة. ومن هنا يصبح نقد اللغة السياسية فعلًا ثوريًا، لأن اللحظة التي تبدأ فيها الكلمات بالتفكير نيابة عنا هي اللحظة التي تبدأ فيها الثورة بفقدان قدرتها على التفكير.

المنشق الذي يزعج رفاقه

الثائر المريح تناقض في ذاته. فإذا أصبح المثقف محبوبًا دائمًا من جماعته، وكانت آراؤه تأتي باستمرار مطابقة لما تنتظره منه، فثمة سبب يدعو إلى الشك في مقدار الاستقلال الذي بقي لديه. ليست وظيفة المثقف أن يكون خصمًا آليًا لجماعته، لكن وظيفته كذلك ليست توفير الطمأنينة الفكرية لها. وهنا تبدو تجربة إدوارد سعيد شديدة الدلالة؛ فالمثقف عنده ليس موظفًا لدى إجماع، وإنما شخصية يفترض أن تكون مستعدة لتحمل كلفة قول ما لا ترغب السلطة أو الجماعة في سماعه (Edward W. Said, Representations of the Intellectual, 1994). وهذه الفكرة تصبح أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بالماركسي، لأن تاريخ الحركات اليسارية عرف مفكرين بدأوا باعتبار النقد جوهرًا للثورة، ثم أصبح نقد الحزب أو التجربة أو القيادة عند بعضهم خيانة للثورة ذاتها. والمفارقة أن من يعترض داخل الحركة قد يكون أكثر وفاءً لمبدئها التحرري ممن يصفق لقيادتها. ليس كل منشق ثوريًا بالطبع، كما أن المعارضة لا تنتج الحقيقة تلقائيًا، لكن الجماعة التي تفقد قدرتها على احتمال المنشق تفقد في الوقت نفسه إحدى أهم آليات تصحيح ذاتها. ولذلك يمكن قياس حيوية أي حركة ثورية بسؤال بسيط: ماذا تفعل بمن يقول لها إنها مخطئة؟ هل تناقش حجته، أم تبحث عن أصله ودوافعه وولائه؟ حين تنتقل الجماعة من مناقشة الفكرة إلى محاكمة صاحبها، تكون قد بدأت بناء أرثوذكسيتها، حتى لو ظلت أناشيدها تتحدث عن الثورة.

الثورة الأخيرة: أن تنشق على نفسك

يبقى الامتحان الأصعب، وهو الامتحان الذي لا تحله عضوية الحزب ولا قراءة ماركس ولا الوقوف ضد الرأسمالية: هل يستطيع الثوري أن يمارس النقد على ذاته؟ هنا ينتقل السؤال من السياسة إلى الأخلاق والمعرفة. فمن السهل نسبيًا اكتشاف أيديولوجيا الخصم؛ الأصعب اكتشاف الأيديولوجيا التي ننظر نحن من خلالها إلى العالم. ومن السهل تحليل مصالح الطبقة الأخرى؛ الأصعب إدراك المصالح النفسية والرمزية التي تجعلنا نتشبث باعتقاد معين لأن التخلي عنه يهدد هويتنا. ولهذا كان إريك فروم، في قراءته الإنسانية لماركس، حريصًا على استعادة الإنسان من وراء الجهاز العقائدي، وعلى التأكيد أن التحرر لا يمكن اختزاله في تغيير الملكية والمؤسسات إذا ظل الإنسان نفسه خاضعًا لأشكال جديدة من الاغتراب (Erich Fromm, Marx’s Concept of Man, 1961). ومن هذه الزاوية يصبح السؤال: هل الماركسي ثوري بالضرورة؟ سؤالًا يكاد يجيب عن نفسه. كلا. يمكن للماركسي أن يكون ثوريًا، ويمكن أن يكون محافظًا على ثورة قديمة، ويمكن أن يكون بيروقراطيًا يتكلم بمفردات ثورية، ويمكن أن يكون حارسًا لنصوص فقدت علاقتها بالواقع، مثلما يمكن لشخص لا يحمل بطاقة ماركسية أن يمارس في تفكيره قدرًا هائلًا من النقد الجذري. المعيار ليس مقدار ما يحفظه المرء من ماركس، وإنما مقدار ما بقي فيه من الجرأة التي جعلت ماركس نفسه يضع عصره أمام محكمة النقد. وربما تكون المفارقة الأجمل أن الوفاء الحقيقي لماركس قد يقتضي أحيانًا العصيان على الماركسيين، مثلما أن الوفاء للثورة قد يقتضي الانشقاق عليها عندما تتحول من أداة لتحرير الإنسان إلى حقيقة تطالبه بالطاعة. فالثوري ليس من وصل إلى الحقيقة واستراح فيها؛ الثوري هو من يظل قادرًا على اكتشاف أن المكان الذي يقف فيه، مهما بدا له تقدميًا، قد يتحول يومًا إلى مركز جديد للسلطة. عندئذ لا يعود الانشقاق خيانة للفكرة، بل يصبح آخر وسيلة لإنقاذها من أن تتحول إلى نقيضها.