ليس الرقم المتداول عن وجود آلاف الطلبة العراقيين في الدراسات العليا في جامعة سمنان الإيرانية، سواء ثبت أن العدد هو 5600 طالب في هذه الجامعة وحدها أم احتاج إلى تدقيق رسمي، هو جوهر المشكلة؛ فالرقم، في دلالته الاجتماعية، يفتح نافذة على ظاهرة عراقية أوسع بكثير: الاندفاع المتزايد نحو الماجستير والدكتوراه، لا بوصفهما بالضرورة مرحلة متقدمة في إنتاج المعرفة، وإنما بوصفهما في حالات واسعة أداة لتحسين الموقع الوظيفي وزيادة الراتب والحصول على اللقب والمكانة، أو وسيلة للدخول مستقبلاً إلى جهاز الدولة. هنا تتحول القضية من مسألة تعليمية إلى مسألة في الاقتصاد السياسي. فحين تربط الدولة الشهادة العليا بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالترقية والعلاوة والمخصصات والموقع الإداري، من دون أن تربط ذلك بحاجتها الفعلية إلى المعرفة التي تحملها الشهادة، فإنها تخلق طلباً اقتصادياً على "الشهادة" قد يكون منفصلاً عن الطلب الاجتماعي على "المعرفة". ومن منظور ماركسي، نحن أمام اختلال في العلاقة بين التأهيل وقوى الإنتاج وتقسيم العمل؛ إذ لا تتوسع الدراسات العليا استجابة لتوسع مماثل في الصناعة والزراعة ومراكز البحث والتطوير والاقتصاد المعرفي، وإنما تتضخم داخل اقتصاد ريعي تظل الدولة فيه رب العمل الأكبر وموزعاً أساسياً للدخل. وبذلك تدخل الشهادة في دائرة التوزيع أكثر مما تدخل في دائرة الإنتاج، ويصبح السؤال الحقيقي: ماذا يحدث لمجتمع ينتج ألقاباً أكاديمية بوتيرة أسرع من إنتاجه للوظائف والمعرفة والمؤسسات القادرة على استثمارها؟

من قيمة المعرفة إلى قيمة الشهادة في سوق الدولة

في التحليل الماركسي، لا يمكن فهم التعليم منفصلاً عن البنية المادية للمجتمع وتقسيم العمل داخله. فالتأهيل يفترض، من حيث الأصل، أن يرفع قدرة قوة العمل على الإنتاج، وأن تتطلب البنية الاقتصادية مهارات أكثر تعقيداً كلما تطورت قوى الإنتاج. لكن الحالة العراقية تكشف مفارقة معاكسة: الاقتصاد الحقيقي لا يتوسع بالسرعة التي يتوسع بها الطلب على المؤهلات العليا. عدد المصانع ومراكز البحث وشركات التكنولوجيا والمؤسسات الاستشارية والصناعات المتقدمة لا ينمو بالنسبة نفسها التي ينمو بها عدد حملة الماجستير والدكتوراه. ومع ذلك يستمر الطلب على هذه الشهادات لأن قيمتها لم تعد تحدد فقط بما تضيفه إلى الإنتاج، وإنما بما تمنحه داخل الجهاز البيروقراطي من زيادة في الدخل وفرص للترقية ورأسمال رمزي واجتماعي. وهنا يحدث انفصال بين "القيمة الاستعمالية" للشهادة، أي المعرفة والمهارة التي يفترض أن تقدمها، وبين قيمتها التبادلية داخل سوق الوظيفة الحكومية، أي مقدار ما يمكن أن تمنحه لصاحبها من امتياز مالي أو إداري أو اجتماعي. وهذا الانفصال يفسر جانباً مهماً من تضخم الدراسات العليا؛ فالموظف الذي يكتشف أن الحصول على شهادة أعلى سيحسن موقعه الوظيفي بصورة دائمة يتصرف، من الناحية الاقتصادية، تصرفاً عقلانياً حين يسعى إليها، حتى إذا كانت المؤسسة التي يعمل فيها لا تحتاج فعلياً إلى تخصصه الجديد. المشكلة، إذن، ليست أخلاقية ولا ينبغي تحميلها للطالب وحده؛ إنها نتيجة نظام حوافز صنعته الدولة نفسها. فعندما يكون الفرق بين مردود الشهادة على الدخل الشخصي وبين مردودها على الإنتاج المؤسسي كبيراً، يصبح التعليم العالي قناة لإعادة توزيع الدخل أكثر من كونه استثماراً في رفع إنتاجية العمل. ومن هنا تتكون سوق كاملة للشهادات: جامعات تستقبل، ووسطاء يسهلون، وأسر تمول، وموظفون يسافرون، ومؤسسات تعادل، ثم تعود الشهادة إلى العراق لتدخل دورة الراتب والترقية والتعيين. إنها، بالمفهوم الماركسي، عملية إعادة إنتاج لمواقع اجتماعية داخل جهاز الدولة أكثر مما هي عملية إعادة إنتاج لقوة عمل يحتاجها الاقتصاد الحقيقي.

الدولة الريعية ومصنع البطالة المقنّعة

تكشف ظاهرة الدراسات العليا بصورة أوضح أزمة البطالة المقنّعة التي تراكمت في العراق طوال عقود. والبطالة المقنّعة لا تعني أن الإنسان لا يعمل إطلاقاً، بل أن مؤسسة ما تستخدم عدداً من العاملين أكبر مما تحتاج إليه فعلياً، أو أن جزءاً من قوة العمل لا يضيف إنتاجاً يتناسب مع كلفته الاقتصادية. وهي ظاهرة تصبح أكثر تعقيداً حين تكون الدولة قادرة، بفضل الإيرادات الريعية، على تمويل جهاز وظيفي واسع من دون أن يقابله توسع متناسب في القاعدة الإنتاجية. ففي الاقتصاد المنتج، يفترض أن ينشأ الطلب على الاختصاص من داخل عملية الإنتاج: مصنع يحتاج مهندساً، مستشفى يحتاج اختصاصياً، مختبر يحتاج باحثاً، شركة تحتاج خبير بيانات، وجامعة تحتاج أستاذاً وفق أعداد الطلبة والبرامج والبحوث. أما حين تصبح الدولة ملاذاً شبه نهائي لقوة العمل المتعلمة، فإن العلاقة تنقلب: لا تُنشأ المهارة لأن الاقتصاد طلبها، بل يُنتج حامل الشهادة أولاً ثم يبدأ الضغط السياسي والاجتماعي لإيجاد وظيفة له لاحقاً. وهكذا تتشكل دائرة مألوفة: بكالوريوس، ثم عجز عن الحصول على فرصة مناسبة، فدراسات عليا لتأجيل لحظة البطالة أو تحسين الموقع، ثم ماجستير أو دكتوراه، ثم مطالبة بالتعيين لأن حامل الشهادة يرى أن سنوات الدراسة تمنحه حقاً إضافياً في وظيفة عامة. وإذا استجابت الدولة تحت ضغط التظاهر والاعتصام، فإنها لا تحل البطالة؛ إنها تنقلها من الشارع إلى المكتب وتحول البطالة المكشوفة إلى بطالة مقنّعة ممولة من الخزانة العامة. والأسوأ أن الدورة تعيد إنتاج نفسها، لأن كل دفعة يتم استيعابها استثنائياً تصبح سابقة تتطلع إليها الدفعة التالية. عندئذ لا تعود الموازنة أداة للاستثمار الاجتماعي والإنتاجي بقدر ما تصبح آلية لاستيعاب فائض قوة العمل. وهذه ليست دولة رفاه بالمعنى الاقتصادي الحديث، لأن دولة الرفاه تعيد توزيع جزء من فائض ينتجه اقتصاد مرتفع الإنتاجية؛ أما الحالة الريعية فتعيد توزيع مورد خارجي، أساسه النفط، من خلال الرواتب والمخصصات والتعيينات. وهنا تكمن المفارقة العراقية: الدولة تستطيع لفترة طويلة إخفاء البطالة، لكنها لا تستطيع بهذه الطريقة إلغاء أسبابها.

فائض الشهادات وفقر البنية المنتجة

المشكلة الأعمق ليست كثرة حملة الشهادات العليا في ذاتها؛ فالمجتمعات المتقدمة تحتاج آلاف الباحثين والمتخصصين، وقد يكون ازدياد حملة الدكتوراه مؤشراً إيجابياً إذا كان جزءاً من توسع اقتصادي وعلمي حقيقي. الأزمة تبدأ عندما يصبح معدل إنتاج الشهادات أعلى كثيراً من قدرة البنية الاقتصادية والعلمية على استيعاب المعرفة التي يفترض أنها تحملها. يستطيع العراق نظرياً أن يستفيد من آلاف حملة الدراسات العليا لو كانت هناك منظومة بحث علمي مرتبطة بالصناعة والزراعة والمياه والطاقة والصحة والذكاء الاصطناعي والتخطيط الحضري والإدارة العامة. لكن إنتاج الدكتوراه في بيئة محدودة الإنفاق البحثي وضعيفة الصلة بين الجامعة والاقتصاد يخلق ما يمكن تسميته "فائضاً أكاديمياً": قوة عمل مرتفعة المؤهل على الورق، لكنها تجد نفسها في سوق لا يحتاج إلى هذا الحجم من التأهيل أو لا يعرف كيف يستخدمه. ويصبح الأمر أكثر خطورة عندما تتفاوت مستويات الجامعات والبرامج وشروط القبول والإقامة والبحث والإشراف، لأن تضخم العدد قد يترافق مع تضخم غير منضبط في القيمة الشكلية للشهادة نفسها. عندها تتعرض الدكتوراه لما يشبه التضخم النقدي: كلما ازداد المعروض منها من دون زيادة موازية في القيمة العلمية والإنتاجية التي تمثلها، تراجعت قدرتها على التمييز بين مستويات الكفاءة. فيلجأ المجتمع إلى شهادة أعلى أو لقب إضافي لاستعادة التمييز، وتبدأ حلقة تضخمية جديدة. ومن المنظور الماركسي، يمثل ذلك شكلاً من أشكال التناقض بين تطلعات قوة العمل المتعلمة وبين بنية علاقات الإنتاج القائمة؛ فالمجتمع يرفع توقعات الأفراد عبر التعليم، بينما لا يعيد تنظيم اقتصاده ليستوعب تلك التوقعات. ولذلك فإن مشهد حامل شهادة عليا يطالب بالتعيين ليس مجرد مشكلة شخص يبحث عن راتب، بل النتيجة الأخيرة لسلسلة طويلة بدأت حين أوحى النظام التعليمي والوظيفي بأن الشهادة طريق شبه مضمون للصعود الاجتماعي. وحين تعجز الدولة عن الوفاء بهذا الوعد، يتحول الحق في التعليم تدريجياً في المخيال الاجتماعي إلى مطالبة بحق في الوظيفة، ثم يتحول التوظيف من قرار اقتصادي تحكمه الحاجة والكفاءة إلى تسوية سياسية لإدارة الاحتجاج.

كسر الحلقة: فصل المعرفة عن الامتياز الريعي

لا يكون الحل بإغلاق الدراسات العليا، ولا بازدراء آلاف العراقيين الذين أنفقوا سنوات وأموالاً على تعليمهم، ولا بحرمان الموظف من حقه في تطوير معرفته؛ فذلك يعالج النتيجة ويترك البنية التي صنعتها. المطلوب إعادة تعريف العلاقة بين الشهادة والعمل والأجر. ينبغي ألا تؤدي الشهادة العليا آلياً إلى زيادة دائمة في الراتب لمجرد وجودها، بل يجب أن يرتبط أثرها الوظيفي بحاجات المؤسسة، وبصلة التخصص بالعمل، وبالكفاءة التي أضافتها، وبوظيفة فعلية تتطلب هذا المستوى من التأهيل. فالمهندس الذي يحصل على تخصص دقيق تحتاجه مؤسسته ليس كالموظف الذي يجمع شهادة لا علاقة لها بعمله لمجرد تحسين درجته. كما أن الدراسات العليا خارج العراق تحتاج سياسة تخطيط حقيقية تحدد التخصصات والجامعات ومعايير الجودة والطاقة الاستيعابية وحاجة البلد المستقبلية، بدلاً من ترك العملية لمنطق العرض التجاري والطلب الفردي ثم مطالبة الدولة بتحمل نتائجها. والأهم أن التعيين الحكومي يجب ألا يبقى المصير الطبيعي لخريج الجامعة؛ لأن أي دولة، مهما بلغت مواردها النفطية، لا تستطيع تحويل كل شهادة إلى وظيفة عامة من دون أن تنتهي إلى جهاز هائل يستهلك الثروة بدلاً من أن ينتجها. الحل الماركسي بالمعنى التحليلي، لا الشعاري، يبدأ من نقل مركز الثقل من التوزيع إلى الإنتاج: توجيه الريع النفطي نحو الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والبحث العلمي والبنية الأساسية، بحيث يتكون طلب حقيقي على العمل الماهر خارج الوزارات. عندها فقط تستعيد الشهادة معناها؛ لأن قيمتها ستأتي مما يستطيع حاملها أن ينتجه ويبتكره ويحلّه من مشكلات، لا من مقدار الزيادة التي تضيفها إلى جدول الراتب.

إن قضية آلاف العراقيين الذين يدرسون اليوم في الخارج ليست سوى الجزء الظاهر من بنية أكبر. فالعراق لا يعاني من "كثرة المتعلمين"، وإنما من اختلال تاريخي بين إنتاج المؤهلات وإنتاج الفرص، وبين اقتصاد الشهادة واقتصاد المعرفة، وبين جهاز توزيع الثروة وجهاز إنتاجها. والاستمرار في الدورة الحالية يعني أن كل حل مؤقت سيخلق أزمة أكبر بعد سنوات: المزيد من الشهادات، ثم المزيد من المطالبات، ثم المزيد من التعيينات، ثم كتلة رواتب أضخم، ثم موارد أقل للاستثمار المنتج، وبالتالي وظائف حقيقية أقل، فتزداد مرة أخرى جاذبية الوظيفة الحكومية والشهادة المرتبطة بها. هذه هي الحلقة التي ينبغي كسرها. وبالمعنى الماركسي الدقيق، لا تكمن المعضلة في وعي الأفراد ولا في رغبتهم الطبيعية في تحسين أوضاعهم، وإنما في البنية التي تجعل الطريق العقلاني للفرد غير عقلاني للمجتمع: من مصلحة الفرد أن يحصل على شهادة تزيد راتبه، ومن مصلحة الخريج أن يضغط للحصول على وظيفة حكومية، لكن تراكم ملايين القرارات العقلانية فردياً داخل بنية ريعية مختلة ينتج نتيجة غير عقلانية اجتماعياً. لذلك فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بسؤال: كيف نمنع العراقيين من الحصول على الشهادات؟ بل بسؤال أكثر جذرية: كيف نبني اقتصاداً يحتاج فعلاً إلى ما يتعلمه العراقيون؟ عندما تصبح المعرفة قوة إنتاج حقيقية، لا بطاقة عبور إلى الموازنة، لن تكون الدكتوراه عبئاً على الدولة؛ ستكون جزءاً من الثروة التي ينتجها المجتمع.