لم تبق مساحة في حياة الشعوب التي تحكمها نظم متجبرة دكتاتورية بمنأى عن مخالب ديناصورات حكم هذا الزمن، الملتحفين برداء لا ينتسب الى الارض، لكونه يقوم على منهج الحصانة الدينية او القومية المتخلفة والمعلقة عادة بحبال " التقديس ". لكون هذا الظلم يقتات العيش على استغلال "  خيرات المنتجين " المستعبدين.. فهو مبعث الاحتجاج ولكي ان ينجو الظالم من مهب رياح التغيير قد غدا يبعث بانذاراته المتمثلة بالتصدي على غرار جريمة ذبح شباب تشرين، التي قامت لرفض العسف المستوطن على أديم ملتهب في شوارع الناس وبيوتهم، لكونه مغتصباً سبل الحياة كبضاعة يتاجر بها بين جموع اللاهثين وراء لقمة العيش الآدمي، هؤلاء الاغلبية التي تجري بلهفة وعطش لعلها تحصل على بلة ريق...!! غير انها تتحاكى مع فرط الالام المتزايدة، باحتجاج هادر، تحتضنه دروب النضال المحناة بدماء الثوار، وشواهد المعارك الوطنية التي خاضها الوطنيون و اليسار العراقي وفي طليعته الحزب الشيوعي العراقي على وجه الخصوص. خلال  وثبة كانون 1948 وانتفاضة تشرين 1952 وهبة عام 1956 التضامنية ضد العدوان الثلاثي على الشقيقة مصر. وكانت خاتمتها ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 المجيدة ..

وظل طبع الاحتجاج يأخذ حرارته من توقّد جمرة الثوار الزاحفين نحو إطفاء كابوس الظلم، الذي طالما جعل من جموع الفقراء مركوباً ليس إلا.  غير ان الاحتجاج قد غدا قطاراً يمضي على سكة التغيير نحو محطة الوصول الى الغد الديمقراطي المدني والعدالة الاجتماعية، ليتواصل حراك الاحتجاج مع خطى المنتفضين الهادرة في شوارع المدن المنهوبة المنكوبة.. ففي كل يوم تنبثق متشابهة صارخة بوجه العسف، منفجرة تحمل في مكنوناتها تنوعاً اجتماعياً  محزوماً باواصر الجوع والفاقة والى هواء نظيف، معبر عنه الى حد ما بتلك الاهزوجة الشعبية وعلى بساطتها التي تقول : ( هم زين بيد الله الهوى مو بايدك )  بمعنى انكم قد استملكتم كل سبل الحياة ولم يبق سوى الهواء الذي لم تتمكنوا من قطعه علينا والذي بلا شك نسعى لتنقيته من روائح جيفكم النتنة.

الاحتجاج يعنى الرفض القاطع لانه لا يُعتمل الا في صدور الناهضين المستنكفين من العبودية والمذلة، الكاسرين طوق الاستغلال الطبقي بجمع من المناضلين الذين يتزاحمون مع أفعال ارتجاف وذعر اهتزاز كراسي المتسلطين الخاوية اصلاً.. وتكتمل الصورة أمامنا عندما نشاهد تسارع السلطات الى امتشاق السلاح على اثر مظاهرة احتجاج وكأن هنالك غزو اجنبي اجتاح البلاد وحصلت كارثة.. بالمناسبة قد عبر أحدهم قبل يوم معترفاً متفاخراً بانهم هم الذين ذبحوا ( شباب تشرين ) ولم يتردد في تكرارها.. اذاً هذا مستمسك قضائي بامتياز يبرئ "الطرف الثالث " الوهمي المزعوم من الجريمة..  يالها من ديقراطية حمراء دموية اجتاحت العراق بعد ان تخلص من اعتى دكتاتورية فاشية سوداء، لم يشهدها العراق والتي دامت أربعة عقود من عام 1963 الى عام 2003، ولكن.. ومن المُبكيات المُحزنات التي أسقطت أفراحنا على إثر سقوط فاشية البعث الصدامي. بعد كل ذلك ظلت حمامات الدم مفتوحة على مصارعها، واذا كانت المجازر البشرية تتم في الدهاليز والأقبية الأمنية البعثية في الخفاء، بيد أنها الآن تتم علناً في الشوارع بحق من يريد حقوقه الدستورية بالعلن ايضاً، ولم يلجأ الى العمل السري والتآمر او رفع السلاح لإسقاط النظام.. ان الظلم يصنع الاحتجاج بلا ادنى شك، الذي لن يتوقف لأن الشعور بالاضطهاد يتجسم فعله بتجلي ازدياد خارطة الفقراء طولاً وعرضاً، مقابل ازدياد الاغنياء غناً متخماً مصاحباً بفساد مطلق... فلمن المشتكى غير الاحتجاج والقادم اعظم.