
في إحدى قصائده، حاول الشاعر الكوردي الراحل جكرخوين أن يصرخ في وجه العالم، من هم الكورد؟ ما هي مظلوميتهم؟ ولماذا يُصرّ التاريخ على امتحانهم؟ وذلك في قصيدة "كيمه ئه ز- من أنا"، واليوم، وبعد عقود من تلك الصرخة، يبدو أن السؤال ذاته يفرض نفسه على الإيزيديين، ولكن بصيغة أكثر قسوة، من نحن ؟ ولماذا يولد الإيزيدي ومعه سؤال الهوية قبل أن يولد كبشر؟
منذ اللحظة الأولى، قبل أن يصرخ الطفل الإيزيدي صرخته الأولى، يجد نفسه مسجّلاً في خانة لا ينتمي إليها. الموظف في دائرة الدولة يضعه تلقائياً ضمن المسلمين، وعندما يعترض الأب أو الأم، يواجهان نظرة استغراب تكاد تقول: إذا لم تكونوا مسلمين… فمن أنتم؟ يجيب الوالدان بصوت خافت، محمّل بتاريخ طويل من القمع والفرمانات، نحن إيزيديون.
هكذا، قبل أن يبدأ الطفل حياته، يسمع أول سؤال وجودي، لماذا ولادتي ليست طبيعية؟ لماذا تبدأ حياتي بسؤال عن هويتي؟
ذاكرة مثقلة بالدم والحداد
يكبر الطفل، وتكبر معه الأسئلة. يحمل الوالدان ذاكرة مثقلة بالدم، ذاكرة 74 فرماناً، ذاكرة الغدر، ذاكرة الخوف من الجار، ذاكرة النجاة من الموت. هذه الذاكرة لا تُنقل إليه كقصة، بل كإرث ثقيل لا يمكن التخلص منه.
يعيش الإيزيدي في محيط لا يشبه محيط الآخرين. الآخرون يتسيدون حياتهم، أما هو فيُنظر إليه كـ "كرفان دم"، ككائن يمكن استدعاؤه فقط عندما يتطلب الأمر تضحية، وعندما يكون الدم هو الثمن الوحيد الذي يمنحه صفة الوطنية أو الإخلاص.
حقوق تُمنح بالعطف… لا بالقانون
في الدولة، المناصب التي تُعطى للإيزيدي تُمنح من باب العطف، لا من باب الحق، وفي أي لحظة يمكن سحبها، لأن العطف ليس قانوناً ولا ضمانة.
في المجتمع، يُقال له إن ما يصنعه بيديه "حرام"، وإن طعامه "يبطل الوضوء"، وإنه لا يصلح أن يكون قاضياً لأن المسلم لا يقاضي إلا مسلماً. يُقال له إن وجوده في موقع قيادي يضعف من "علياء المسلم ". يُقال له إن لمساته "تلوث" قرارات الأحزاب.
وفي المناسبات الرسمية، تُنسى مآسيه. تأتي بيانات التضامن متأخرة، وكأن دم الإيزيدي لا يستحق الوقوف دقيقة حداد. وكأن موته ليس حدثاً يستحق الذكر، بل مجرد رقم في هامش التاريخ.
خطاب الكراهية… من الكلمات إلى الفرمانات
في المحيط الاجتماعي، يحق للبعض أن يقول ما يشاء: أنتم كفرة، أنتم أنجاس، أنتم قذرون، أنتم تستحقون الموت. وإذا اعترض الإيزيدي، يُقال له: لماذا تكبّرون الأمور؟ إنها مجرد كلمات.
لكن هذه الكلمات ليست مجرد كلمات. هذه الكلمات كانت مقدمة لـ 74 فرماناً. كانت مقدمة لفرمان محمد الرواندوزي الذي انتهى بمقتل 135 ألف إنسان. كانت مقدمة لتفجير سيبا شيخدرى وكرعزير. كانت مقدمة لقتل 24 عاملاً في الموصل. كانت مقدمة لإبادة 2014 التي لا يزال الإيزيديون يبحثون عن مقابرها الجماعية حتى اليوم.
وفي الجوامع، ترتفع أصوات تكفير الإيزيديين، وكأنهم هم الذين يهددون "دين الحق"، وكأنهم هم سبب كوارث الأمة، وكأنهم هم الذين أوقفوا عجلة التطور.
وقبل أيام فقط، وقف خطيب جامع إيراني في مدينة السليمانية ليقول: "نعتبركم كفرة، نعتبركم قذرين، ولو سنحت لنا الفرصة لأبدناكم جميعاً."
أسئلة لا يريد أحد أن يجيب عنها
هنا، يعود السؤال الأول، السؤال الذي لا يريد أن يهدأ، من نحن؟ ولماذا يُصرّ العالم على أن يسألنا هذا السؤال كل يوم؟
لكن السؤال الأهم هو، لماذا لا يريد أحد أن يجيب؟
أسئلة كثيرة تُطرح ولا تجد جواباً:
-لماذا يولد الإيزيدي ومعه سؤال الهوية قبل أن يولد كبشر؟
- لماذا يُعامل الإيزيدي كضيف في وطنه، لا كمواطن؟
- لماذا تُنسى مآسي الإيزيديين في المناسبات الرسمية بينما تُستحضر مآسي الآخرين؟
- لماذا يُسمح بخطاب الكراهية ضد الإيزيديين دون محاسبة؟
- لماذا لا تزال الإبادة الأخيرة بلا عدالة، بلا محاكمات، بلا ضمانات لعدم تكرارها؟
- لماذا يعيش عشرات الآلاف من الإيزيديين في خيم منذ 2014 دون حلول جذرية؟
- لماذا يُنظر إلى الإيزيدي كتهديد، رغم أنه لم يحمل سلاحاً ضد أحد؟
- لماذا لا يُسمح للإيزيدي أن يكون قاضياً، أو مديراً، أو صاحب مطعم، أو صاحب قرار؟
- لماذا يُطلب من الإيزيدي أن يثبت وطنيته بالدم؟
- لماذا لا يُعامل الإيزيدي كإنسان كامل الحقوق؟
- لماذا لا يزال الإيزيدي يخاف من إعلان هويته؟
- لماذا لا يزال السؤال: "من أنتم؟" يلاحق الإيزيديين منذ قرون؟
هوية تبحث عن اعتراف
ليس الهدف من هذا المقال تأجيج الكراهية أو إعادة إنتاج الألم، بل محاولة لفهم سؤال الهوية الإيزيدية في سياق تاريخي واجتماعي وسياسي معقد. الإيزيدي لا يطلب امتيازاً، ولا يسعى إلى التفوق على أحد. كل ما يريده هو أن يعيش كباقي البشر، دون خوف، دون تردد، دون أن يتحول اسمه إلى تهمة.
أن يكون أيزيدياً… دون أن يُسأل كل يوم، من أنت؟







