ان مهنة الاكاديمي لم تكن يوما مجرد وظيفة تقليدية تقاس بعدد ساعات الحضور، بل هي رسالة سامية تعد بحق من اشرف المهن في العالم اجمع، وتنظر إليها المجتمعات المتقدمة بوصفها نخبة النخبة او ما يعرف بـ (la creme de la creme)، لأنها المصنع الحقيقي للوعي ونهضة الامم.

ولكن الحق يقال، وانصافا للواقع العلمي، فأن هذه المهنة الرفيعة كغيرها من المهن الجليلة اساء إليها كثير من المتقاعسين ومن يريدون التسلق الوظيفي اضافة إلى بعض الانتهازيين والفاسدين ومن لم يحصلوا على شهادة حقيقية تؤهلهم لشرف هذا المنصب الرفيع. غير ان وجود هؤلاء لا يمكن اطلاقا ان يضر بجوهر الاستاذية او يقلل من قيمتها، فهم كالدُمّل في الجسد الصحيح، مجرد عارض طارئ يعالج وتزول اذاه ويبقى الجسد سليما معافى.

وان قراءة هذا المشهد بأنصاف وواقعية تؤكد ان تشويه سمعة اهل العلم ليس حرية رأي بل زرع للجهل في وعي المجتمع. ان ادعاءات الاكتفاء بدوام يمتد ليومين وتقاضي رواتب خيالية هي محض افتراء يتغافل عن الجهد الخفي المتمثل في الإشراف والمناقشات والبحوث واللجان والتصحيح، وهي مهام تمتد لساعات طويلة حتى منتصف الليل داخل المنازل.

كما ان الاختلاف لا يعطي الحق في القذف والسب والقاء التهم جزافا، حيث يظل القانون والقضاء هما الفيصل في حماية الاعتبار والسمعة. وتبرز المقارنة المنطقية بين ما يتقاضاه الاستاذ الجامعي وما يحظى به نظيره في الدول المتقدمة حجم التضحية التي يقدمها الاكاديمي، اذ تنظر الدول الرشيدة الى الجامعة بوصفها مصنعا للعقول لا عبئا ماليا.

وتتضح الرسالة الجوهرية في ان الاصلاح ينبغي ان يبدأ بأنصاف وعدم التعميم، فالتعميم ظلم فادح لا يصنع وعيا. ويظل الرد الأشمل على كل من يطعن في الاستاذ الجامعي هو تذكيره بان كل طبيب ومهندس وقاض ومعلم انما تخرجوا جميعا من تحت ايدي الاكاديميين، وعليه سيبقى الاستاذ الجامعي الحقيقي واقفا بثبات على منبر العلم، مترفعا عن ضجيج التعليقات، ومدركا ان رسالته اسمى وابقى من أي حملة تشويه عابرة.